Masukرواية عن رجل خسر كل شيء، فأصبح كل شيء يخشاه.في عالم تحكمه الإمبراطوريات بالحديد والدم، وتتغذى فيه الآلهة على دموع البشر وقرابينهم، وُلدت حقيقة واحدة لم يعرفها أحد بعد:
Lihat lebih banyakالفصل الأول — العرش الملطّخ
قالوا إن المدينة بُنيت فوق قبور أعداء الإمبراطورية الأولى. قالوا إن كل حجر في أسوارها العالية يحمل اسم رجل مات وهو يصرخ، وأن الأرض تحتها لا تزال دافئة من دماء لم تجف منذ مئات السنين. ربما كانوا يبالغون. وربما لم يكونوا. "أريوس." لم يلتفت الحارس للوهلة الأولى. كان ثمة شيء في الغروب يشغله — الطريقة التي تسقط بها الشمس خلف الجبال البعيدة كأنها تتعمد الهروب، كأنها لا تريد أن ترى ما تراه هي المدينة كل يوم. "أريوس." هذه المرة التفت. كان القائد واقفاً خلفه، وجهه مألوف لكن تعبيره لم يكن كذلك. شيء في عيني الرجل يشبه التحذير. "الملك يريدك في القاعة الكبرى." لم يسأل أريوس لماذا. منذ ثلاث سنوات وهو يخدم في قصر الإمبراطور، تعلّم شيئاً واحداً قبل كل شيء: بعض الأسئلة تُقتل من يطرحها. كانت القاعة الكبرى تسع ألف رجل واقفين، لكن ما فيها الليلة لم يتجاوز العشرين. عشرون شخصاً، وصمت يثقل الهواء مثل الرصاص. مشى أريوس ببطء، حرص أن لا تصدر نعله أي صوت على الرخام الأسود، وكلما اقترب من العرش تضاءل حجمه في عينيه الخاصتين. ليس لأن الرجل الجالس عليه كان ضخماً — بل لأنه لم يكن يحتاج أن يكون. جلس الملك كاييران كما يجلس دائماً — ظهره مستقيم كسيف مسلول، وعيناه على الخريطة المفرودة أمامه، ويده اليسرى تمسك بكأس النبيذ دون أن تشرب. لم يكن جميلاً بالمعنى الذي يرسمه المديحون في قصائدهم. كان شيئاً آخر. شيئاً أصعب من الجمال وأبقى منه. وجه نحته الزمن والحرب معاً، وعيناه — عيناه الرماديتان اللتان لا تكادان تومضان — كانتا تلك النوع من العيون التي ترى كل شيء وتقرر قيمته في ثانية واحدة. أكمل أريوس طريقه وانحنى. "سيدي." "هل رأيتهم؟" الصوت جاء هادئاً. لم يكن فيه غضب ولا ترقب. كان الصوت الذي يُصدره رجل يسأل عن شيء يعرف إجابته مسبقاً، ويريد فقط أن يسمعها من فم آخر. "من تعني سيدي؟" رفع كاييران عينيه عن الخريطة أخيراً. نظر إلى أريوس بالطريقة التي ينظر بها إنسان إلى شيء يدرسه لا إلى شخص يحادثه. "الكهنة. هل رأيتهم عند بوابة المدينة الجنوبية هذا الصباح؟" "رأيتهم يا مولاي." "وماذا كانوا يفعلون؟" توقف أريوس لحظة. ليس لأنه لم يعرف الإجابة، بل لأنه كان يحاول أن يختار كلماته بعناية شديدة. "كانوا يُحضّرون، سيدي." "يُحضّرون." كررها الملك ببطء كأنه يمضغها. "وهل رأيت ماذا كانوا يُحضّرون؟" الصمت في القاعة أصبح أثقل. "رأيت... أطفالاً، سيدي." لم يتحرك أحد. حتى الحراس الواقفون على جوانب القاعة بدوا وكأنهم نسوا كيف يتنفسون. وضع كاييران الكأس على الطاولة بهدوء مخيف. قام من عرشه ببطء، ولم يمشِ نحو أريوس بل نحو النافذة الكبيرة التي تطل على المدينة كلها. وقف هناك، ظهره لهم جميعاً، ونظر إلى الأضواء التي تتلألأ في الشوارع البعيدة. "كم مرة." لم تكن سؤالاً. "كم مرة منذ أن جلست على هذا العرش أصدرت أمراً ولم يُنفَّذ؟" لم يجبه أحد. "أُجيبكم." استدار أخيراً. "مرة واحدة. مرة واحدة فقط في خمس عشرة سنة." توقف. "هذه المرة." بعد ذلك بساعة، كان أريوس يقف على السطح يتأمل المدينة. فكّر في الأطفال الذين رآهم عند البوابة. أعمارهم لم تتجاوز السابعة أو الثامنة. وجوههم لم تكن خائفة — وهذا ما أرعبه أكثر من أي شيء. كانوا هادئين بالطريقة التي يكون بها من لا يعرف ما الذي ينتظره. لم يكن أريوس رجلاً يشغل نفسه بالتفلسف. كان جندياً، وعمل الجنود أن ينفذوا لا أن يتساءلوا. لكنه في تلك الليلة، وهو يسمع الريح تمر بين أبراج القصر، وجد نفسه يفكر في سؤال غريب: هل يعرف هؤلاء الأطفال أن الآلهة التي يموتون من أجلها، لا تحبهم؟ هل يهمهم؟ لم يجد إجابة. ولم يبحث عن واحدة. في المدينة تحته، أُطفئت الأضواء واحداً تلو الآخر، حتى بقيت نار واحدة مشتعلة — عند المعبد القديم في قلب المدينة — تتأرجح في الريح ولا تنطفئ. لم ينم أريوس تلك الليلة. ولم يكن وحده. في الصباح، وصل مرسوم الملك إلى كل معبد في الإمبراطورية: "من اليوم، لن تُقدَّم أي قربان من البشر لأي إله في أي مكان تحت سلطتي. من يخالف هذا الأمر، يواجه الإعدام. الكهنة والضحايا على حد سواء." في أرض الخلود، التي لا يراها البشر ولا يحسون بها، توقف شيء ما. لأول مرة منذ آلاف السنين، جلس المجلس الإلهي في صمت تام. وكانت تلك علامة لم يفهمها أحد بعد — أن الصمت في أفواه الآلهة لا يعني الرضا. يعني الخطط.في الصباح بدت دارن كأنها قرية أخرى.الجنود في كل مكان. أبواب البيوت مفتوحة على غير العادة — الناس يتفقدون بعضهم، يتحدثون بأصوات خافتة، ينظرون إلى الغرباء بعيون لم تنم. الشيخ أبو ثابت يجلس في مكانه المعتاد كأن شيئاً لم يحدث، لكن يده التي ترتكز على عصاه تمسكها بإحكام أكثر من المعتاد.سارة وجدت آيا بعد الفجر بقليل وأمسكت بيدها ولم تتركها.لم تسأل عن شيء.أحياناً الأطفال يفهمون أن السؤال لن يُفيد.---جلس كاييران مع أورين في الغرفة الكبيرة يدرسان الخريطة."الكهنة لن يتوقفوا." قال أورين."أعرف.""المأسورون لن يتكلموا بما يكفي. ومالثوس—" توقف. "مالثوس لم يُرسل هؤلاء ليُكملوا المهمة. أرسلهم ليرى كيف نتصرف."رفع كاييران عينيه."يختبرنا.""يختبر كم نحن مستعدون للدفاع عنها." أومأ أورين. "والآن يعرف.""وماذا سيفعل بهذا؟""سيأتي بنفسه." قالها بنبرة رجل يُخبر لا يتوقع. "مالثوس لا يُرسل أحداً لعمل يريد أن يكون متأكداً من نتيجته."---في الجانب الآخر من القرية، كان كاسيوس يفعل شيئاً لم يفعله أحد من قبل.يقترب من الفيرا.ببطء شديد مدروس، خطوة كل دقيقتين، واقفاً عند حافة الغابة في ضوء الصباح الكامل. ا
------ركبوا بلا توقف.لم يكن كاييران يركب هكذا عادةً — الخيول تتعب، والملوك لا يصلون متعبين إلى معاركهم. لكن هذه الليلة لم تكن معركة عادية وهو يعرف ذلك.أورين ركب بجانبه بصمت رجل يعرف متى يتكلم ومتى يُبقي صمته لنفسه. كاسيوس خلفهما، يمسك صندوقه الواحد الذي أصرّ على أخذه، يركب بطريقة رجل لم يركب كثيراً لكنه يرفض أن يُبطّئ الباقين.مئتا جندي خلفهم.الأرض تحتهم تهتز.الليل من حولهم أسود وكامل.---"كم بقي؟" سأل كاييران دون أن يُبطّئ."ساعتان." قال أورين. "إذا أبقينا هذه السرعة.""والكهنة؟""رسالة ريم قالت إن الرجل الفارّ ذهب شرقاً. إذا عاد من حيث جاء، والكهنة أرسلوا تعزيزاً من المدينة الشرقية—" حسب. "ساعة ونصف. ربما ساعتان.""إذن نحن في سباق.""كنا في سباق منذ أصدرت المرسوم يا مولاي."---في دارن — الساعة الثانية فجراً.---لم ينم ريم.لن ينام على الأرجح حتى ينتهي كل هذا — مهما كان هذا.أربعة جنود معه، رجل مقيّد في البيت الجانبي، وقرية نائمة لا تعرف أن شيئاً يقترب.وقف عند مدخل القرية ينظر إلى الطريق الشرقي.الظلام تام.الريح ساكنة.الكلاب—الكلاب سكتت.---"أيقظوا الجميع." قال بهدوء لج
------**كاسيوس** لم يأتِ وحده.أتى ومعه ثلاثة صناديق خشبية مغلقة بأقفال لا تشبه الأقفال العادية، وكتاب واحد ضخم يحمله بيديه كأنه طفل لا كتاب، وعبارة واحدة قالها لأورين حين استقبله:"أخبر الملك أنني لم آتِ لأن أُمرت. أتيت لأن السؤال الذي أرسل به يعني أن شيئاً تحرّك لم يتحرك منذ ألف سنة. وهذا يعنيني شخصياً."أورين أوصل الكلام. كاييران أومأ.رجل يتكلم هكذا إما عبقري أو مجنون وكلاهما مفيد.---كان في الخامسة والخمسين، بلحية بيضاء مهملة ووجه نحته الهواء والمطر والسنوات في الغابات أكثر مما نحتته الحياة في المدن. يده اليمنى فيها ندبة قديمة تمتد من الرسغ إلى المرفق — لم يشرح من أين جاءت ولم يسأله أحد.حين أُدخل على الملك، لم ينحنِ بالطريقة الرسمية. انحنى بالطريقة التي ينحني بها رجل أمام رجل آخر — باحترام لا بخضوع.كاييران لاحظ الفرق ولم يقل شيئاً."الرسالة التي أرسلتها تصف مخلوقاً بجلد يعكس الظلام وعيون بلون لم يُسمَّ." قال كاسيوس قبل أن يجلس. "هل هذا صحيح؟""كلمة حرفية من شاهد رأى بعينيه.""وأنها لمست الفتاة.""نعم."جلس كاسيوس ببطء. فتح كتابه الضخم دون استئذان — وكاييران وجد هذا مثيراً لل
---# الفصل السابع — ما تسكنه الغابات---**مالثوس** لم يكن يشبه ما تتخيله حين تسمع كلمة "كاهن أكبر."لم يكن ضخماً ولا مهيباً. لم يكن له صوت الرعد ولا نظرة تُسكت الغرف. كان رجلاً نحيلاً في السبعين من عمره، يمشي ببطء ويتكلم بهدوء، وشعره الأبيض مشذّب بعناية تليق بشخص يعرف أن المظهر رسالة.لكن حين يدخل مالثوس غرفة، يشعر من فيها — بطريقة لا يستطيعون تفسيرها — أن الهواء تغيّر قليلاً.كأن شيئاً غير مرئي دخل معه.---جلس في مقر الكهنة الكبير — المبنى الأقدم في العاصمة، الأقدم من القصر نفسه، الذي بُني قبل أن توجد الإمبراطورية بمئة سنة — ومقابله ثلاثة كهنة كبار يجلسون بوجوه تحاول إخفاء قلقها ولا تنجح تماماً."فشلوا."قالها بنبرة رجل يتوقع الخبر السيئ ولا يفاجئه."خمسة رجال يا سيدي." قال أحدهم. "الملك—""الملك ليس المشكلة." قاطعه مالثوس بهدوء. "المشكلة أنكم أرسلتم خمسة رجال لقتل رجل واحد." نظر إليه. "هذا يعني أنكم لا تفهمون طبيعة ما تواجهون.""ومن نواجه؟""رجلاً يحمل فقداً أعمق مما تتصورون." أغمض مالثوس عينيه لثانية كأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون. "كاييران ليس مجرد ملك متمرد. فقده تراكم على مدا