LOGINانجلت ظلال الماضي الشبحية كلياً عن العرش العاجي في القلعة السوداء، ولم تعد الممرات المظلمة تفوح برائحة الرطوبة والحذر، بل استعاضت عنها عبق الخزامى وأعشاب الميرمية المطهِرة التي طالما كنتُ أجمعها يوماً بين أقاليم الحدود أضحت القلعة، التي سادتها الرهبة لقرون، مركزاً نابضاً بالحياة والتجارة والوفود السلمية التي تحجّ يومياً للاسترشاد بحكمة الألفا ورفيقته البشرية.كنتُ أقف أمام المرآة الكريستالية الكبيرة في الجناح الملكي، أرتدي ثوباً ملكياً من الحرير القرمزي المطرز بالخيوط الفضية الدقيقة التي تشكل رمز "قطيع الليل" متحدًا مع غصن الزيتون البشري كانت القلادة ذات الحجر القرمزي تستقر بين عظمتا الترقوة، تطلق ومضات هادئة متناغمة مع دقات قلبي المستقرة.تسلل داريان من خلفي بمهابة خطاه الهادئة، ولم يعد ذئبه يزمجر في الأعماق برعونة، بل أضحى يسبح في حالة من السكينة المطمئنة المطلقة لف ذراعيه القويتين حول خصري، وأسند ذقنه ببطء على كتفي، ليلتقي نظري بنظره في انعكاس المرآة: – تجلسين اليوم على عرش الأقاليم السبعة كأعظم ملكة عرفها التاريخ... وما زلتِ تتأملين هذه القلادة وكأنكِ لا تصدقين ما آلت إليه الأ
برزت من بين الأشجار ثلاثة مخلوقات مشوهة تشبه الذئاب، ولكن بأجساد هيكلية وأعين حمراء تنبض بالسحر المظلم. كانت هذه "حراس الوادي"... ذئاب الأرواح الملعونة.زمجرت المخلوقات واندفعت نحوي دفعة واحدة!لم أفزع. تذكرتُ تدريبات داريان السريعة وكلامه عن نقطة ضعف الوحوش السحرية. انتظرتُ حتى اقترب أول وحش من حنجرتي، ثم قفزتُ جانباً بكل خفة، وغرزتُ السكين الفضية في منتصف جبهته!أطلق الوحش صرخة مدوية وتحول إلى رماد أسود في الهواء.لكن الوحشين الآخرين حاصراني فوراً، وأحدهما جرح ذراعي بمخلبه الحاد ليقطر الدم على الأرض الميتة. صرختُ من الألم، وأحسستُ ببرودة السحر المظلم تتسلل إلى عروقي.لكن في تلك اللحظة بالذات... حدث شيء معجزي.عندما لامست قطرات دمي أرض الوادي الميتة، امتص الحجر القرمزي في قلادتي تلك الدماء، وأطلق موجة هائلة من الضوء الأحمر الساطع!انتشر الضوء في أرجاء الوادي كالشمس المشرقة، ليتراجع الوحشان ويحترقا في ثوانٍ معدودة! وليس هذا فقط... بل إن الضباب الأسود بدأ يتلاشى، والأشجار الميتة بدأت تسقط أوراقها الصخرية لتكتسي بلون أخضر زمردي ساحر!أدركتُ الحقيقة في تلك اللحظة...القلادة الق
انقضت لحظة السكون الهادئة على الشرفة الملكية بسرعة كأنها حلم خاطف، إذ لم تكد نبرات داريان الدافئة تذوب في هواء الليل حتى شق صمت القلعة صوت بوق إنذار حاد مدوٍّ من أعلى أبراج المراقبة الشمالية اهتزت الشرفة من تحرق الحراس وتراكضهم على الأسوار، وتحولت نظرة داريان الذهبية الهادئة في أقل من ثانية إلى شرارة من الفولاذ والجموح القتالي.– الألفا! هناك موكب غريب يتقدم عبر ممر "الذئاب الميتة"!هتف بها قائد الحراس "إريك" وهو يقتحم الممر المؤدي للشرفة، وثيابه ما زالت تحمل آثار العرق والجهد.– ليسوا من قطيع "المخالب الفضية"... إنهم يحملون رايات "مجلس الأقاليم القديم"!انقبضت قبضة داريان على السور الحجري حتى كادت حجارة الشرفة تتفتت تحت ضغط أصابعه. التفت إليّ وعيناه تتوهجان باللون الأسود بالكامل؛ إذ استيقظ ذئبه مجدداً برعونة وحذر.– يبدو أن الشيوخ القدامى لم ينتظروا حتى تشرق شمس الغد ليختبروا شرعيتكِ يا هيلين.قالها بنبرة يقطر منها التحدي المكتوم، ليضيف بصوت آلي حازم:– إريك! اجمع الحرس الملكي في القاعة الكبرى لا ترفعوا السيوف، ولكن لا تدعوا أحداً منهم يخطو خطوة واحدة دون إذني.– أمرك يا ألفا
تسلل ضوء الفجر الذهبي ببطء عبر النوافذ الزجاجية الملونة للجناح الملكي، ليغمر الغرفة بدفء هادئ محا كل أثر لبرودة الليل وفزعه. كنتُ أستند برأسي على صدر داريان العريض، أستمع إلى نبضات قلبه الهادئة والمنتظمة، والتي أصبحت بالنسبة لي الموسيقى الوحيدة التي تبعث الطمأنينة في نفسي. كان ساعده القوي يلتف حول خصري بحماية مطلقة، وكأنه يخشى حتى في لحظات نومه أن أبتعد عنه أو يتسلل الخطر إليّ.فتحتُ عينيّ وأمسكتُ بالقلادة الفضية الدالية على صدري، أتأمل حجرها القرمزي الذي كان يتوهج بخفوت مع كل حراك. التفتُّ ببطء لأجد داريان مستيقظاً بالفعل، يتأملني بعينين ذهبيتين ينسكب منهما عمق لا أعيض له: – هل استيقظتِ منذ وقت طويل؟همستُ بنبرة داستها السكينة، وأنا أرفع يدي لأمرر أصابعي عبر شعره الأسود الفاحم: – لم أنم كلياً يا هيلين.أجابني بصوت رجولي دافئ يحمل المودة والتفكير: – كنتُ أتأمل وجهكِ، وأحاول استيعاب كيف تحولت حياتي بالكامل منذ اللحظة التي ظهرتِ فيها على حدودي. القلعة التي كانت مجرد ثكنة عسكرية باردة، أصبحت اليوم بيتاً حقيقياً يُشع بالحياة.ابتسمتُ بصفاء وجلستُ متكئة على الوسائد الوفيرة، فأسرع
صعدنا درجات السلم الحلزوني الموصل إلى الشرفة الملكية الشاهقة، حيث كان هواء الليل العليل يداعب أوجهنا ويطرد آخر بقايا رائحة الدخان والحديد. استندتُ إلى السور الحجري العريض، بينما وقف داريان خلفي مباشرة، يحيط خصري بساعديه القويين ويمسد شعري برفق. كانت الغابة الممتدة تحت القلعة تبدو ساكنة كبحر من الظلال السوداء، تغطيها غلالة خفيفة من الضباب الناصع تحت ضوء القمر الكامل.– أتعرفين يا هيلين؟قالها داريان بنبرة خفيضة، لامست أنفاسه الحارقة بها أذني، ليجعل قشعريرة دافئة تسري في جسدي.– ماذا يا داريان؟– طوال سنوات حياتي الماضية، كنتُ أستيقظ كل صباح وأنا أظن أن غايتي الوحيدة في هذا العالم هي القتال، وحماية الحدود، وتوسيع نفوذ القطيع لم أكن أؤمن بالرابطة المقترنة، وكنتُ أراها ضعفاً يُصيب القادة ويسلبهم صرامتهم لكن عندما رأيتكِ لأول مرة تخطين تلك الخطوة الخائفة فوق الأوراق الجافة، ويداكِ المرتجفتان تقبضان على حقيبة الأعشاب الطبية... تغير كل شيء في داخلي دون إرادتي.التفتُّ قليلاً لأحمل عينيه الذهبيتين اللتين غشيتهما عاطفة جياشة.– لقد كانت خطوة مليئة بالرعب يا داريان كنتُ أظن أنني سأكون وجب
عمّ السكون أرجاء الساحة الصغيرة أمام المأوى، وكأن الزمن قد توقف بانتظار ردة فعل الأهالي المذعورين كانت العيون تتبادل النظرات بيني وبين داريان الواقف بهيبته الطاغية إلى جواري، وكأنهم يخشون أن تكون هذه اللحظة الهادئة مجرد حلم زائف سيتبدد مع أول هبة رياح باردة لكن حضور الألفا، الذي كان يبعث الرهبة في القلوب سابقاً، بات اليوم مظلة أمان وحماية مطلقة.– اسمعوا يا أهل قريتي، قلتُ بنبرة واثقة هادئة عبرت عن اليقين الذي استقر في صدري لم تعد الحدود فاصلة بين الموت والحياة، ولم يعد هناك طفل ينام ومعه حمى لا دواء لها، ولا أم تعيش رعب الفقد لقد انتهى عهد العزلة والقسوة، وابتدأ عصر جديد نطويه معاً بالتعاون والسلام.خطا داريان خطوة للأمام، وامتد صوته الجهوري الواثق ليملأ المكان برهبة السلطة والعدل معاً:– أنا داريان، ألفا قطيع الليل أقسم بما تبقى لي من قوة وكرامة، أن هذه الأرض لن تشهد بعد اليوم سفكاً للدماء بلا ذنب كل من يعيش على حدود أقاليمنا السبعة هو تحت حمايتي، وهيلين... رفيقتي وملكتي، هي العهد الذي أقدمه لكم بأن السلام قد أشرق أبداً.لم تمضِ ثوانٍ معدودة حتى تحول الخوف المرتسم على وجوه الأها