تسجيل الدخولبعد أن انتهيا من تحضير الطعام، وقفت هانا أمام الموقد وهي تتذوق الحساء بابتسامة راضية، بينما كان ريو يقف بجانبها يساعدها في ترتيب الأطباق.
- ولا تنسَ ما قلته لك! كن أكثر حذرًا أثناء مساعدتي في المطبخ. قالتها وهي تنظر إلى إصبعه الملفوف باللاصق الطبي. ابتسم ريو بخفة وأومأ برأسه. - حاضر. لم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تسمع إجابته المطيعة على غير عادته. كانت قد أعدت حساء الدجاج بالخضراوات، وبعض كرات الأرز المحشوة، وطبق اللحم المشوي مع الخضراوات، بالإضافة إلى سلطة خفيفة وعصير الفواكه الطازج. نظر ريو إلى الأطباق الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة في المطبخ بدهشة حقيقية. - هل أعددتِ كل هذا بنفسك؟ - بالطبع! كنت أساعد أمي كثيرًا عندما كنت صغيرة. ابتسمت وهي تضع الطبق الأخير على الطاولة. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتخيل مشهدًا غريبًا مر أمام عينيه للحظات. عاد من عمله بعد يوم طويل ومتعب، وما إن يفتح باب منزله حتى يجد هانا تركض نحوه بابتسامتها المعتادة وهي تقول له إن العشاء جاهز، ثم تجلس بجانبه تسأله عن يومه بينما يتناول الطعام الذي أعدته بنفسها. حتى إنه تخيل طفلًا صغيرًا يشبهها يركض بينهما وهو يضحك. اتسعت عيناه قليلًا عندما أدرك إلى أين وصلت أفكاره. "هل بدأت أتخيل حياتي الزوجية معها بالفعل؟!" - ريو؟ رفع رأسه بسرعة عندما نادته هانا. - أين سرحت؟ - لا شيء. ابتسمت وهي تضع يديها على خصرها. - حسنًا، اذهب واجلس في غرفة الطعام ريثما أنتهي من ترتيب الأطباق. - سأساعدك. - لا! أنت جُرحت اليوم بسبب مساعدتي، لذلك اذهب واجلس. بعد إصرارها، خرج أخيرًا من المطبخ متجهًا نحو غرفة المعيشة، ليجد جون كيم يحتسي كوبًا من الشاي بهدوء. - كنت سأغادر بعد تناول الطعام. قالها ريو بأدب، لكن جون رفع رأسه نحوه وقال: - اجلس، أريد التحدث معك قليلًا. لسبب ما، شعر ريو أن حديثًا غير مريح ينتظره. جلس أمامه بهدوء بينما وضع جون كوب الشاي على الطاولة. - أخبرني يا ريو، هل تعلم ما هو أكثر شيء يقلقني بشأن هانا؟ - ماذا تقصد؟ - زواجها في المستقبل. عقد ريو حاجبيه قليلًا وهو يستمع إليه. - ابنتي غالية جدًا بالنسبة لي، ولذلك لن أزوجها لأي شخص. أخذ جون نفسًا عميقًا قبل أن يكمل: - يجب أن يكون زوجها ابن عائلة مرموقة، وناجحًا في عمله، ويعاملها كالأميرة التي تستحق أن تكونها. شعر ريو بانقباض خفيف في صدره دون أن يفهم السبب. - كما أنني لا أحب أن تقترب كثيرًا من الرجال. ثم أضاف وهو يراقب تعابير وجهه: - بل وأعتقد أنه من الأفضل أن تحافظ على مسافة مناسبة بينك وبين هانا مستقبلًا. في تلك اللحظة، شعر ريو بأن شيئًا داخله بدأ يفقد هدوءه المعتاد. - ولماذا؟ ابتسم جون ابتسامة صغيرة وكأنه وجد ما كان يبحث عنه. - لأنها ابنتي. تنهد ريو بهدوء قبل أن يجيب بجدية: - مع احترامي لك، لكنني لا أعتقد أن لأحد الحق في اختيار الشخص الذي ستحبه هانا. اتسعت ابتسامة جون أكثر. - حقًا؟ - نعم، هانا حرة في اختيار الشخص الذي تريده، وليس من حق أحد أن يفرض عليها قرارًا يخص حياتها. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن ينفجر جون ضاحكًا. أما ريو فقد تجمد في مكانه. - ههههه! إذًا وصلت إلى هذه المرحلة بالفعل! - ماذا؟ نظر إليه جون مبتسمًا قبل أن يسأله مباشرة: - هل أنت معجب بابنتي؟ كاد ريو يختنق من شدة المفاجأة. - بالطبع لا! - أممم، هذا ما يقوله جميع الرجال الواقعين في الحب. هز ريو رأسه بسرعة نافيًا الأمر، بينما اكتفى جون بالنظر إليه وكأنه اكتشف سرًا كبيرًا منذ زمن طويل. وفي تلك اللحظة خرجت هانا من المطبخ وهي تحمل آخر الأطباق. - الطعام جاهز! توقفت وهي تنظر بين والدها وريو باستغراب. - لماذا تبدوان وكأنكما خرجتما للتو من جلسة تحقيق؟ ابتسم جون بخبث وهو ينظر إلى ريو. - لا شيء يا ابنتي، كنت فقط أتعرف أكثر على الرجل الذي يقضي معك معظم أيامه. أما ريو، فقد تنفس الصعداء لأول مرة منذ بداية الحديث. ويبدو أن أسوأ مهمة واجهها في حياته لم تكن الاغتيالات أو إطلاق النار.... بل كانت الجلوس وحده مع والد الفتاة التي يحبها!بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







![[خلف القناع: تعال إلي]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)