LOGINحلّ الليل أخيرًا بعد يوم طويل قضاه ريو وهانا معًا. كانت أضواء المدينة تنعكس على نوافذ السيارة بينما كان ريو يقود بهدوء في طريق عودتهما إلى المنزل.
على غير عادته، كان شارد الذهن طوال الطريق. فما حدث في المطعم بعد لقائه بتايسون لم يفارق تفكيره للحظة واحدة. كان يعلم جيدًا أن ماضيه بدأ يقترب منهما أكثر فأكثر، وكان يخشى أن يأتي اليوم الذي تنظر فيه هانا إليه بخوف بعد أن تعرف حقيقته كاملة. أما هانا، فقد لاحظت شروده منذ أن غادرا المطعم. كانت تنظر إليه بين الحين والآخر بقلق واضح. بعد أن توقفت السيارة أمام منزلها، لم تستطع هانا تجاهل الشرود الذي ارتسم على ملامح ريو طوال الطريق. كانت تعرفه جيدًا الآن، فكلما أقلقه شيء، أصبح أكثر هدوءًا من المعتاد. التفتت إليه وهي تعقد حاجبيها قليلًا وقالت بصوت لطيف: - ريو، هل أنت بخير؟ أدار وجهه نحوها وابتسم ابتسامته الهادئة المعتادة. - أنا بخير، لا تقلقي. لكنها لم تصدقه تمامًا، فقد كانت تعرف أن هذه الجملة هي أكثر جملة يستخدمها عندما لا يريدها أن تقلق عليه. اقتربت منه قليلًا داخل السيارة وقالت بخفوت: - أنت تعلم أنني أصبحت أعرف متى تكون بخير ومتى لا تكون كذلك، أليس كذلك؟ ضحك بخفة وهو ينظر إلى ملامحها الجميلة التي امتلأت بالقلق عليه، ثم قال: - لدي بعض الأمور التي أفكر بها فقط. ظلت تحدق في عينيه الخضراوين للحظات طويلة قبل أن تبتسم فجأة. - إذًا سأفعل شيئًا يجعلك تتوقف عن التفكير الليلة. رفع حاجبه باستغراب قبل أن يراها ترفع يديها الصغيرتين وتحيط وجهه بهما برفق. شعر بأن قلبه توقف عن النبض للحظة وهو ينظر إليها. - هانا؟ وقبل أن يستوعب ما يحدث، وقفت قليلًا على أطراف أصابعها وطبعت قبلة سريعة وخفيفة على شفتيه. اتسعت عينا ريو بصدمة، أما هانا فقد شعرت وكأن عقلها توقف عن العمل تمامًا بعد أن أدركت ما فعلته للتو. احمر وجهها بالكامل حتى وصل الاحمرار إلى أذنيها، ثم ابتعدت عنه بسرعة وهي تقول بتلعثم: - ت... تصبح على خير! فتحت باب السيارة وركضت نحو المنزل وكأن حياتها تعتمد على سرعة هروبها. أما ريو، فبقي جالسًا مكانه غير قادر حتى على استيعاب ما حدث. --- بمجرد أن دخلت هانا إلى المنزل وأغلقت الباب خلفها، وضعت كفيها فوق وجهها وأطلقت صوتًا خافتًا من شدة خجلها. - آآآه! ماذا فعلت يا هانا؟! جلست على الأرض وهي تدفن وجهها بين يديها غير مصدقة أنها قامت بتقبيل ريو فجأة. - هل قبلته حقًا؟! على شفتيه أيضًا؟! لماذا لم أقبّل وجنته مثل الناس الطبيعيين؟! تذكرت تعبير وجهه المصدوم، فازداد خجلها أكثر. - لا! لا أستطيع مقابلته غدًا! سأموت من الإحراج! صعدت إلى غرفتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها، ثم قفزت فوق سريرها وهي تدفن وجهها داخل الوسادة. - يا إلهي! ماذا لو ظن أنني فتاة جريئة؟! أو ماذا لو أصبح محرجًا مني؟! ظلت تتدحرج فوق سريرها يمينًا ويسارًا وهي تتذكر تفاصيل اللحظة للمرة العاشرة. وبعد دقائق، فتحت هاتفها لتنظر إلى صورة تجمعها بريو التقطاها قبل عدة أشهر. ابتسمت بخجل وهي تمرر إصبعها فوق الصورة. - لكنه كان وسيمًا جدًا اليوم، كيف كان من المفترض أن أقاوم؟ أما في الخارج، فقد كان ريو لا يزال جالسًا داخل سيارته وهو يلمس شفتيه غير مصدق لما حدث. ابتسم ابتسامة صغيرة لم تظهر على وجهه منذ وقت طويل. وفي تلك الليلة، لم يستطع أي منهما النوم بسهولة. كانت هانا تدفن وجهها داخل وسادتها كلما تذكرت ما فعلته، بينما كان ريو ينظر إلى سقف غرفته مبتسمًا كلما تذكر ملامحها الخجولة وهي تهرب من السيارة. وللمرة الأولى منذ أن التقيا، كانت القبلة الأولى بينهما كافية لجعل اثنين من أكثر الأشخاص هدوءًا في هذه الحياة عاجزين عن النوم طوال الليل.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







