LOGINمرّت أربع سنوات على حياتهما الهادئة في اليابان، حتى أصبح ذلك المنزل الصغير المليء بأزهار الكرز هو عالم هانا وريا بأكمله.
في ذلك المساء، كانت العائلة تجلس حول مائدة العشاء كعادتها. كانت هانا تضع بعض الخضراوات في طبق ابنتها الصغيرة، بينما كانت ريا تأكل بهدوء وهي تروي لجدها ما حدث معها في المدرسة اليوم. - جدي! هل تعلم أن المعلمة قالت إن رسمي لأرنب صغير هو الأجمل في الصف؟ ابتسم جون وهو يربت على رأسها بحنان. - هذا طبيعي، فأميرتي الصغيرة موهوبة مثل والدتها. ضحكت هانا وهي تنظر إلى ابنتها التي بدأت تتفاخر بنفسها بكل فخر. لكن سرعان ما تغيرت ملامح جون قليلًا قبل أن يقول بهدوء: - هناك أمر مهم يجب أن أخبركما به. رفعت هانا نظرها إليه باستغراب، بينما توقفت ريا عن مضغ قطعة الجزر التي كانت بين يديها. - سأعود إلى كوريا الجنوبية الشهر القادم. اتسعت عينا هانا قليلًا. - ماذا؟! أكمل جون حديثه بابتسامة هادئة: - مجلس الإدارة يريد مني الإشراف على المشروع الجديد للشركة، كما أننا سنعيد افتتاح المقر الرئيسي هناك. - لكن يمكنك السفر وحدك يا أبي. هز رأسه نافيًا. - الأمر سيستغرق سنوات هذه المرة، لذلك أريدكما أن تعودا معي. ساد الصمت على الطاولة للحظات، بينما شعرت هانا بأن قلبها انقبض فور سماع اسم كوريا الجنوبية. المكان الذي تركت فيه نصف قلبها قبل أربع سنوات. أما الصغيرة ريا، فقد قفزت من مكانها بحماس شديد. - كوريا الجنوبية؟! هل سنذهب حقًا؟! ابتسم جون وهو يضحك على حماسها. - بالطبع. - ياااي! سأزور المكان الذي ولدت فيه أمي! أما هانا فكانت شاردة الذهن تمامًا. لقد بذلت كل ما تستطيع لتبتعد عن كوريا، والآن سيعيدها القدر إليها مجددًا. بعد انتهاء العشاء، أخذت هانا ابنتها إلى غرفتها لتساعدها على الاستعداد للنوم. جلست ريا فوق سريرها وهي تعانق دميتها الصغيرة قبل أن تنظر إلى والدتها بتردد. - أمي؟ - نعم يا أميرتي؟ - هل أبي يعيش في كوريا الجنوبية؟ تجمدت هانا قليلًا قبل أن تجلس بجانبها وتمسك بيدها الصغيرة. - لماذا تسألين فجأة؟ - لأنني سأصبح في الخامسة قريبًا، وجميع أصدقائي يعرفون شكل آبائهم إلا أنا. شعرت هانا بغصة في حلقها وهي ترى الحزن الخفيف في عيني طفلتها. - هل أبي كان وسيمًا؟ ابتسمت هانا دون أن تشعر وهي تتذكر وجه ريو. - وسيم جدًا. - وهل كان طويلًا؟ - طويل جدًا. - وما لون عينيه؟ ابتسمت هانا بحنان وهي تداعب خصلات شعر ابنتها السوداء. - نفس لون عينيك تمامًا. اتسعت عينا ريا بدهشة وهي تلمس وجهها الصغير. - حقًا؟! أومأت هانا برأسها. - بل إن الجميع يقول إنك تشبهينه كثيرًا. ابتسمت الصغيرة بسعادة وهي تتمدد تحت الغطاء. - إذًا أنا جميلة لأنني أشبه أبي! ضحكت هانا بخفة قبل أن تطبع قبلة على جبينها. - نعم يا أميرتي، أنت أجمل طفلة في العالم. ابتسمت ريا هي تنظر إلي هانا ثم قالت -رغم أن أبي رحل قبل أن أراه إلي أني دائما أقابل في لأحلام. شعرت هانا بوخذه داخل صدورها . وبعد أن نامت ريا أخيرًا، نزلت هانا إلى غرفة الجلوس حيث كان جون يحتسي كوبًا من الشاي. جلست بجانبه بصمت قبل أن تقول: - هل تعتقد أن عودتنا إلى كوريا فكرة جيدة؟ نظر إليها جون للحظات ثم ابتسم بهدوء. - لا يمكنك الهروب من الماضي طوال حياتك يا هانا. خفضت نظرها نحو الأرض، بينما كان قلبها يخبرها بشيء واحد فقط... أن العودة إلى كوريا الجنوبية قد تغير حياتها وحياة ابنتها إلى الأبد.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







