تسجيل الدخولفي صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا كعادتها. جهزت حقيبة ابنتها الصغيرة ورتبت شعرها الأسود على شكل ضفيرتين جميلتين، بينما كانت ريا تتناول فطورها وهي تتذمر من اضطرارها للذهاب إلى المدرسة.
- أمي! لماذا يجب عليّ الذهاب خمسة أيام كاملة كل أسبوع؟ أليس هذا ظلمًا للأطفال؟ ضحكت هانا وهي تساعدها على ارتداء حذائها. - لأن الأميرات الصغيرات يجب أن يكنّ ذكيات أيضًا. بعد أن أوصلتها إلى المدرسة، توجهت هانا مع والدها إلى الشركة الجديدة التي بدأت بالإشراف على بعض مشاريعها في كوريا الجنوبية. أما ريا، فقد أنهت دوامها المدرسي ظهرًا. كانت تحمل حقيبتها الصغيرة وتسير في طريق عودتها إلى المنزل برفقة السائق الذي توقف للحظات ليتلقى اتصالًا مهمًا بالقرب من البوابة. وفي أثناء انتظارها، وقعت عيناها على قطة صغيرة بيضاء تقف على الجانب الآخر من الطريق. - يا إلهي! إنها لطيفة جدًا! قالت ريا قبل تركض نحوها. ركضت الصغيرة نحوها دون أن تنتبه أنها وصلت إلى منتصف الطريق، وأخذت تداعب القطة وهي تضحك بسعادة. لكن فجأة، سمعت صوت بوق سيارة يقترب بسرعة كبيرة. رفعت رأسها لترى السيارة متجهة نحوها مباشرة، فتجمد جسدها الصغير من شدة الخوف وأغمضت عينيها بقوة. وفي اللحظة التالية، شعرت بذراعين قويتين تضمانها إلى صدر دافئ قبل أن تسقط بعيدًا عن الطريق. - هل أنتِ بخير!؟ فتحت ريا عينيها ببطء لتجد نفسها بين ذراعي الرجل الذي قابلته قبل يوم واحد فقط. - العم الوسيم! كان ريو قد خرج كعادته للركض في الحي القريب من منزله عندما شاهد المشهد بأكمله، ولم يفكر للحظة قبل أن يركض لإنقاذها. لاحظ أنها ما زالت ترتجف خوفًا، فجلس على ركبتيه أمامها وهو يقدم لها زجاجة ماء. - اهدئي، لقد انتهى الأمر. بدأت دموعها الصغيرة تتجمع في عينيها وهي تعانقه فجأة. - لقد ظننت أنني سأموت! شعر قلبه ينقبض وهو يربت على ظهرها بحنان لم يكن يعلم أنه يملكه. -همس لقد انتهى كل شيء حسنا وبعد أن هدأت قليلًا، ابتسم لها قائلًا: - لا تفعلي هذا مجددًا، لقد أخفتني. جلسا على أحد المقاعد القريبة، فسألها بهدوء: - أين والدتك؟ - إنها تعمل مع جدي في الشركة. - وماذا عن والدك؟ ساد الصمت للحظات، ثم خفضت الصغيرة رأسها وقالت بصوت حزين: - لقد مات قبل أن أولد. شعر ريو بغصة في قلبه دون أن يعلم السبب. - لهذا السبب كنت أتمنى دائمًا أن أراه ولو مرة واحدة. نظر إليها بصمت بينما أكملت بابتسامة حزينة: - عندما أشتاق إليه، أطلب من أمي أن تصفه لي. تقول إنه طويل ووسيم وعيناه خضراوان مثلي. ابتسم ريو بخفة. - يبدو أنه كان رجلًا رائعًا. -اجل أنه كذالك،أمي دائما تقول إنه اجمل رجل قابلتة في حياتها. لمست وجهها وهي تقول. -أمي دائما تقول أني اشبهه بلون العيون. ابتسم ريو وهو يربت على رأسها كانت هذه الفتاة حقاً تجعله يبتسم رغماً عنه. ثم سألها: - وما اسمك؟ - ريا كيم. تجمد قليلًا عند سماع الاسم. صحيح أنه اسم شائع في كوريا، لكنه شعر بشيء غريب داخله. - واسمك أنت؟ - هيون ريو. اتسعت عيناها بحماس. - اسمك جميل جدًا ويلائمك! ابتسم ريو وهو ينظر إليها كان من المضحك أنه حتى طفل صغيرة أصبحت معجبه به. وفي النهاية، قرر أن يوصلها إلى منزلها بنفسه. وعندما وصلا، أمسكت الصغيرة بطرف قميصه قائلة بحزن: - هل يمكنك البقاء معي قليلًا؟ أنا وحدي الآن. ابتسم بأسف. - لا أستطيع، والدتك ليست هنا. نفخت خديها وقالت فجأة: - كنت أريد أن أعرف أمي عليك! - ولماذا؟ - لأنك تشبه أبي كثيرًا! ربما إذا رأتك ستعجب بك وتتزوجك. تجمد ريو في مكانه وهو يحدق بها غير مصدق لما سمعه. - ماذا؟! هل كلما رأيتِ رجلًا وسيمًا تحاولين تزويجه لوالدتك؟ ضحكت الصغيرة وهي تهز رأسها نفيًا. - لا! لكن أمي قالت إن أبي كان وسيمًا جدًا، وأنت أول شخص أشعر أنه يشبه الوصف الذي كانت تخبرني به عنه. للمرة الأولى منذ أربع سنوات، شعر هيون ريو بأن قلبه قد ابتسم دون أن يدرك أن الطفلة التي أمامه لم تكن تبحث لوالدتها عن زوج جديد... بل كانت تحاول دون أن تعلم أن تعيد والدها الحقيقي إلى حياتهما.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







