Masuk"تحت تسلط عائلي لا يرحم، تعيش في خوف دائم وتبحث عن أي ملاذ آمن ينقذها من هذا السجن. تظن أنها وجدت الأمان حين تلتقي بمن يمنحها الهدوء النفسي، يتفهم خوفها، ويحاول مسك يدها نحو التحرر.. لكن الفرحة لا تدوم. بين واقع فرض عليه الزواج أولاً، ورجل يمثل كل ما تخشاه، وأخر يمسك بنبض قلبها؛ تجد نفسها في منتصف عاصفة لا ترحم. هل تنجو بحبها، أم يستسلم نبضها لواقع يرعبها؟"
Lihat lebih banyakفي عتمة الغرفة الفاخرة، حيث امتزج السواد بالرمادي الداكن، كان الصمت يخيم على المكان بصورة خانقة، لا يكسره سوى أنفاسه المتلاحقة وهو يحاول عبثا السيطرة على غضبه.
كان آثر واقفا في منتصف الغرفة، فارع الطول، عريض الكتفين، تحيط به هيبة اعتاد الجميع أن يخشاها، لكن عينيه الزرقاوين، اللتين كانتا تشبهان بحرا هادئا، كانتا في تلك اللحظة هائجتين بالغضب والألم والأسئلة. تحرك نحوها ببطء. كانت تاليا منكمشة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وذراعاها تطوقان جسدها المرتجف. بدت جميلة رغم شحوب وجهها، بعينيها العسليتين الغارقتين بالدموع، وشعرها الذهبي الطويل المنسدل حولها كأنه يحاول حمايتها من العالم. كانت زوجته، المرأة التي أحبها، والتي لم يفهم طوال أشهر زواجهما لماذا تخاف منه إلى هذا الحد، توقف أمامها، ثم خرج صوته مبحوحا من شدة الغضب والألم: "لماذا تفعلين بي هذا يا تاليا؟ أخبريني، لماذا؟ أنت زوجتي، ومع ذلك أشعر في كل يوم أنني غريب عنك، وكأن وجودي إلى جوارك شيء تحاولين احتماله لا أكثر. لماذا كلما اقتربت منك ابتعدت؟ لماذا كلما حاولت أن أفهم ما بداخلك أغلقت أبوابك في وجهي؟ ردي علي، أرجوك، لا تصمتي هذه المرة." ارتجفت أصابعها، لكنها بقيت صامتة، ضحك آثر بسخرية مريرة، ومرر يده في شعره بعصبية. "كنت أقول لنفسي إنك تحتاجين إلى وقت، وإن الأمر مجرد خجل، وإنك ستعتادين علي بعد الزواج. تحملت كل شيء، حتى ابتعادك عني، وكنت أقنع نفسي بأنني الرجل الذي ستحتاجين إلى وقت حتى تثقي به، لكنني لم أعد أفهم شيئا." اقترب منها أكثر، وانخفض صوته، لكنه أصبح أكثر إيلاما. "أنا لم أطلب منك شيئا مستحيلا، تاليا. لم أطلب سوى أن تسمحي لي بأن أكون زوجك، أن أمسك يدك دون أن تسحبيها، أن أقترب منك دون أن ترتجفي، أن أحتضنك دون أن أشعر أنك تتمنين أن ينتهي الأمر بأسرع وقت. حتى أبسط الأشياء بين رجل وزوجته جعلتني أشعر وكأنني أطلب منك شيئا لا يحق لي." أغمضت عينيها بقوة، كان يتحدث عن ألمه، بينما هي تعرف أن الحقيقة التي يخفيها خوفها ستدمره أكثر. قال وهو ينظر إليها بألم: "هل أخطأت بحقك؟ هل فعلت شيئا جعلك تكرهينني؟ هل هناك شيء قلته أو فعلته ولم أدرك أنه يؤلمك؟ تحدثي معي، لا تجعليني أقف أمامك وأحاول تخمين ما يدور في رأسك." رفعت عينيها إليه للحظة، وكانت تريد أن تقول الحقيقة، أن تخبره أنها لم تكرهه يوما، وأن المشكلة لم تكن فيه، لكنها لم تستطع. كان خوفها أقوى من رغبتها في الاعتراف، وحين رأى صمتها ودموعها، انهار آخر جزء من صبره، اقترب منها محاولا أن يتحدث معها مرة أخرى، لكنها ابتعدت عنه برفض واضح، وفي لحظة فقد فيها السيطرة، ارتفعت يده وهوت، دوّى الصوت في الغرفة، وتجمد كل شيء. نظر آثر إلى يده وكأنه لا يصدق ما فعل، ثم رفع عينيه إليها، كانت تاليا تضع يدها على خدها، ولم تصرخ أو تعاتبه، فقط نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، وفي تلك اللحظة، شعر بمرارة قاسية. لقد أصبح، ولو للحظة، سببا جديدا لخوفها، أما هي، فلم تلومه. كانت ترى نفسها المذنبة، لأنها أخفت الحقيقة عنه، وجعلته يعيش أشهرا وهو يتساءل عن سبب ابتعادها، قالت بصوت مرتجف: "أنا آسفة... أعتذر، حقا أعتذر." ضحك بسخرية مؤلمة. "لا أريد اعتذارك يا تاليا. أريد إجابة. لماذا كل هذا البعد؟ لماذا كل هذا الخوف؟ لماذا تعاملينني وكأنني شخص يجب أن تهربي منه؟" صمت للحظة، ثم خرج صوته مكسورا: "أنا أحبك... ألا يكفي هذا حتى تمنحيني فرصة واحدة؟" توقفت أنفاسها، لكنها لم تجبه، ظل ينظر إليها طويلا، ثم استدار وغادر الغرفة دون كلمة أخرى، بعد دقائق، دوى صوت سيارته في الخارج، ثم ابتعد، وعندما اختفى تماما، سمحت تاليا لدموعها بالسقوط. نهضت بعد وقت، واتجهت إلى الحمام، ثم غمرت نفسها في الماء كما اعتادت كلما أصبح العالم أكبر من قدرتها على الاحتمال. كانت تختبئ هناك من الخوف والأسئلة والذكريات، لكنها في تلك الليلة لم تستطع الهروب. بعد أن خرجت، ارتدت بيجامتها وجلست أمام المرآة. عالجت الجرح الصغير عند طرف شفتيها، ثم توجهت إلى فراشها واستلقت، لكن النوم لم يأت، جاءت الذكريات بدلا منه. ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياتها، الصراخ، الخوف، اليد التي امتدت نحوها، والألم الذي لم يكن جسدها هو أكثر ما تأذى منه، احتضنت وسادتها، وهمست وسط دموعها: "سامحني... أقسم أنني لا أكرهك، لم أكرهك يوما، لكن خوفي أكبر مني. لا أعرف كيف أواجههم، ولا كيف أنقذ نفسي دون أن أخسر من أحبهم، وهذا الخوف دمرني... وها أنا الآن أدمر حياتك معي." كانت تعرف آثر جيدا. لم يكن رجلا سيئا، بل ربما كان أفضل مما تستحق. منذ خطوبتهما، التي لم تتجاوز شهرا ونصفا، كان يحاول الاقتراب منها بصبر واهتمام، وكانت ترى الحب والإعجاب في عينيه، وكل ذلك جعل ذنبها أثقل. كانت تعرف أنها تظلمه، لكنها كانت أضعف من مواجهة من يقفون خلف هذا الزواج. في الطرف الآخر من المدينة، كان آثر يقود سيارته بسرعة عبر الشوارع شبه الخالية، وقبضته تعتصر عجلة القيادة، كان عقله عالقا في الغرفة، في وجه تاليا، وفي خوفها، ضرب المقود بقبضته: "تباً..." توالت الأسئلة في رأسه، هل استعجل الزواج؟ هل فشل في جعلها تشعر بالأمان؟ هل أخطأ بحقها دون أن يدرك؟ ثم تسللت الفكرة التي كان يكرهها. هل هناك رجل آخر؟ هل كانت كل تلك المسافة بينها وبينه لأنها تحب شخصا آخر؟ انقبض صدره، وكان الاحتمال مؤلما، لكنه لم يفهم شيئا؛ إن كانت تحب رجلا آخر، فلماذا تزوجته؟ توقف عند شاطئ البحر، وترجل من السيارة، ووقف أمام المياه المظلمة. كان الهواء باردا، لكنه لم يطفئ النار المشتعلة في صدره، خفض رأسه وهمس: "ما الذي وصلنا إليه؟" ثم خرجت الكلمات من قلبه: "أردتك لي عوضا عن سنيني، وأهلا حين يظلمني زماني، فصرت لي الأسى والبعد جرحا، وصرت لديك كالمؤذي الأناني... وكيف أدس في قلبك أمانا، وأنت ترينني كوحش جاني؟" أغمض عينيه بألم، لقد ضرب المرأة التي أحبها، المرأة التي كان يتمنى أن تشعر بالأمان بين ذراعيه، لم يعد إلى المنزل. لم يكن مستعدا لمواجهتها، ليس قبل أن يهدأ، وليس قبل أن يعرف الحقيقة. في المنزل، كانت تاليا لا تزال مستلقية في فراشها، حين رن هاتفها. لميس. صديقتها الأقرب، والوحيدة التي تعرف أن خلف صمت تاليا حكاية تخفيها، أجابت بصعوبة، فجاءها صوت لميس القلق: "أخيرا أجبت، كنت خائفة عليك. هل أنت بخير؟ هل حدث شيء بينك وبين آثر؟" انهمرت دموع تاليا من جديد. "لقد انفجر يا لميس... لم يعد يحتملني، ولا خوفي، ولا برودي، ولا ابتعادي عنه. لأول مرة صرخ في وجهي، ولأول مرة رفع يده علي." ساد الصمت للحظات، ثم قالت تاليا بصوت مكسور: "أنا أتدمر يا لميس... وأدمره معي." كانت لميس تعرف أن تاليا ليست قاسية، وأن خلف خوفها سرا لم تستطع مواجهته، لكنها كانت تعرف أيضا أن الصمت لا يحمي أحدا إلى الأبد. ظلت تتحدث معها حتى هدأت شهقاتها، وبقيت على الهاتف حتى غلبها النوم، ثم أغلقت الاتصال بعد أن اطمأنت عليها. كانت تاليا تظن أن أسوأ ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل، وأن تلك الليلة انتهت بمجرد أن أغمضت عينيها. لكنها لم تكن تعرف أن ما حدث لم يكن سوى الشرارة الأولى، وأن الحقيقة التي دفنتها طويلا بدأت تتحرك من مكانها، ببطء، نحو حياتها.استيقظت تاليا بعد ساعات طويلة من النوم، وكانت الغرفة غارقة في هدوء المساء، بينما كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل من بين الستائر وتلقي خطوطا ذهبية باهتة على أرضية الغرفة. فتحت عينيها ببطء، وظلت لثوان تحدق في السقف دون أن تتذكر أين هي، قبل أن تعود إليها الأحداث دفعة واحدة، مالك، آثر، تميم. الكلمات التي قيلت، النظرات، الخوف الذي عاشته، ثم صمت آثر في السيارة. اعتدلت في جلستها ومسحت وجهها بيديها، وشعرت بأن رأسها لا يزال ثقيلا من شدة الإرهاق، لكنها على الأقل لم تعد تشعر بأنها على وشك الانهيار كما كانت قبل نومها. نظرت إلى ملابسها، ثم تنهدت عندما أدركت أنها نامت دون حتى أن تغيرها. نهضت ببطء، رتبت شعرها، ثم خرجت من غرفتها متجهة إلى الأسفل، كانت تحتاج إلى بعض الهواء، تحتاج إلى الابتعاد عن تلك الغرفة التي شعرت وكأن جدرانها تضيق حولها، لكنها ما إن وصلت إلى البهو حتى توقفت عندما وجدت أحد رجال الحراسة يقف بالقرب من الباب الرئيسي. ابتسمت له بخفة وقالت: "أريد الخروج إلى الحديقة قليلا." أجاب الرجل باحترام: "يمكنك الذهاب إلى الحديقة، سيدتي، لكن لا يمكنك مغادرة القصر." عقدت حاجبيها باستغراب.
فقط أجاب بصوت مختصر وهادئ: "شكرا." تجمدت للحظة من برودة الرد، ثم أومأت بخفة وأغلقت الباب. وفي اللحظة التي ابتعدت فيها عن السيارة، انطلقت سيارة آثر بسرعة، حتى اختفت من أمام القصر خلال ثوان. وقفت تاليا مكانها تنظر إلى الطريق الذي اختفى فيه، غير قادرة على فهم ما حدث. لماذا كان غاضبا؟ هل كان بسبب نظرتها إلى تميم؟ هل لاحظ شيئا؟ أم أن الأمر كله كان مجرد وهم منها؟ وضعت يدها على جبينها بتعب، ثم أطلقت تنهيدة طويلة. كان يومها قد استنزفها بالكامل. منذ الليلة الماضية لم تنم، وما مر بها من أحداث، والخوف، والتوتر، والكلمات التي قيلت أمامها، ثم ما حدث اليوم، كل ذلك كان يضغط على جسدها وعقلها حتى لم تعد قادرة على التفكير. دخلت القصر بخطوات ثقيلة، وصعدت الدرج ببطء، وهي تشعر أن عينيها تكادان تنغلقان من شدة الإرهاق.ىوصلت إلى غرفتها، فتحت الباب، ثم لم تكلف نفسها حتى عناء تغيير ملابسها. ألقت بنفسها فوق السرير، وسحبت الغطاء بشكل عشوائي، وما إن لامس رأسها الوسادة حتى أغمضت عينيها. لم تحتج إلى أكثر من ثوان. استسلم جسدها أخيرا للنوم، وكأن كل التعب الذي قاومته طوال الساعات الماضية وجد طريقه إليها
اقترب آثر منه أكثر، ثم قال: "أنت تعرف أنني لو اكتشفت يوما أنك أخفيت عني شيئا مهما، فلن أغضب لأنك أخفيته فقط، بل لأنني كنت أعتبرك أخي." نظر تميم إلى عينيه مباشرة، كانت الجملة مؤلمة له أكثر مما أظهر. لكنه قال بثبات: "وأنا أعتبرك أخي، ولهذا تحديدا لن أخون ثقتك." ساد الصمت بينهما، نظر آثر إلى وجهه طويلا، ثم تنفس بعمق ومد يده وربت على كتفه. وقال: "حسنا، ربما بالغت في التفكير." ابتسم تميم وقال: "أنت لا تبالغ حين يتعلق الأمر بتاليا، أنت فقط تحبها." ابتسم آثر دون أن يجيب، ثم قال: "على كل حال، أنا سعيد لأنك عدت، وأريد منك أن تهتم بنفسك، لقد مررت بما يكفي." أومأ تميم. "سأفعل." استدار آثر نحو الباب، وقبل أن يفتحه التفت إليه وقال: "وبالمناسبة، لا تنادها جميلتي مرة أخرى." ضحك تميم وقال: "حاضر يا زوجتي." توقف آثر عند الباب، ثم التفت إليه بنظرة حادة. ضحك تميم أكثر، وقال: "كنت أعرف أنك ستغضب." هز آثر رأسه وهو يبتسم، ثم خرج من المكتب. وما إن أغلق الباب حتى اختفت الابتسامة عن وجه تميم. بقي واقفا في مكانه لثوان، ثم أطلق نفسا طويلا وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الحديث
في الخارج، كان تميم واقفا بالقرب من مالك. وما إن رأى تاليا تخرج خلف آثر حتى عرف أن الحديث لم يكن عاديا. اقترب منهما مالك بعد أن ابتعد آثر قليلا، وقال بصوت منخفض: "لقد سمعها." أجاب تميم: "أعرف." "وهو يشك." تنهد تميم. "أعرف ذلك أيضا." نظر مالك إلى تاليا التي كانت واقفة بعيدا، ثم قال: "تميم، إذا استمررتما في ارتكاب الأخطاء أمامه، فلن تحتاج إلى إخباره بالحقيقة، هو سيكتشفها بنفسه." قال تميم: "أنا لم أعد أريد أن أكذب عليه." نظر إليه مالك بدهشة. تابع تميم: "لكنه ليس الوقت المناسب، إذا عرف الحقيقة الآن وهو غاضب، قد يفعل شيئا لا يستطيع التراجع عنه، وأنا لا أريد أن أكون السبب في تدمير تاليا أو تدمير صداقتي مع آثر." قال مالك: "وماذا ستفعل؟" صمت تميم لحظات. ثم قال: "سأتحدث مع تاليا للمرة الأخيرة." "وماذا ستقول لها؟" نظر تميم إلى تاليا. "سأطلب منها أن تختار." قطب مالك حاجبيه. قال تميم: "إما أن تخبر آثر الحقيقة بنفسها، أو أن أبتعد عنها تماما، لأنني لا أستطيع أن أستمر في الوقوف أمام الرجل الذي أحبني كأخ وأخفي عنه حقيقة تمس حياته وزوجته." كان مالك على وشك






Ulasan-ulasan