LOGINجلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم".
أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بالماء الذي كان يشربه. - يبدو أنكِ لم تنسي خطتك حتى الآن. أومأت الصغيرة بجدية شديدة. - بالطبع لا! أنا لا أستسلم بسهولة. ضحك ريو لأول مرة منذ سنوات ضحكة حقيقية وصلت إلى عينيه، حتى إن هانا توقفت للحظة وهي تنظر إليه. لقد نسيت تمامًا كيف يبدو عندما يضحك بهذه الطريقة. وبينما كانت هانا تمد يدها لتأخذ طبق السلطة، وقعت عيناها على ريو وهو يزيل قطعة صغيرة من الأرز كانت عالقة على خد ريا بحنان شديد. - انتبهي يا صغيرة، ستتسخ ملابسك كلها. ابتسمت الصغيرة له بسعادة قبل أن تقول: - أبي أيضًا كان سيفعل ذلك، صحيح يا أمي؟ تجمدت يد هانا للحظة، ثم ابتسمت بحزن خفيف. - نعم، كان سيفعل. أما ريو، فقد شعر بأن قلبه انقبض بشدة وهو ينظر إلى طفلته التي تتحدث عن والدها وكأنه شخص لم تره يومًا. لأول مرة في حياته شعر بالحزن لأنه لم يكن موجودًا خلال سنواتها الأربع الأولى، ولم يستطع رؤية خطواتها الأولى أو سماع أول كلمة نطقتها. نظر إليها وهي تأكل بحماس، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يفكر في أمر واحد فقط... "كم عيد ميلاد فاتني معها؟ وكم مرة بكت وهي تسأل عن والدها؟" لم يكن يعلم إن كان القدر يمنحه فرصة ثانية أم يعاقبه على أخطاء الماضي، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد. هذه المائدة البسيطة التي جلس عليها اليوم كانت أثمن شيء حصل عليه منذ أربع سنوات كاملة. بعد انتهاء العشاء، أصرت ريا على ألا يغادر ريو بسرعة. - لا! يجب أن تلعب معي أولًا! ابتسم ريو أخيرًا باستسلام وهو ينظر إلى هانا التي كانت تجمع الأطباق من على المائدة. - يبدو أنني لا أملك حق الرفض أمام هذه الأميرة الصغيرة. جلسا على أرض غرفة الجلوس، وبدأت ريا تعلمه كيف يبني القلاع بالمكعبات الملونة. كانت تضحك كلما أخطأ عمدًا في وضع إحدى القطع، وتنفخ خديها الصغيرة وهي تقول: - العم ريو! أنت سيئ جدًا في هذا! - حقًا؟ يبدو أنني بحاجة إلى معلمة جيدة إذًا. بعدها أحضرت له دفتر رسوماتها وبدأت تشرح له كل رسمة رسمتها خلال السنوات الماضية، بينما كان ينظر إليها بعينين امتلأتا بالحنان. للمرة الأولى منذ أربع سنوات شعر وكأنه يعيش الحياة التي كان يحلم بها. بعد حوالي ساعة، بدأت عينا ريا تثقلان من النعاس. كانت تتحدث بحماس عن المدرسة وعن حلمها بأن تصبح رسامة مشهورة يومًا ما، لكنها فجأة توقفت عن الكلام. خفض ريو نظره ليجدها قد نامت وهي تستند برأسها إلى صدره وتعانق ذراعه الصغيرة. ابتسم ابتسامة حزينة وهو يمرر يده برفق على شعرها الأسود الناعم. - تشبهك كثيرًا يا هانا... لكنها تملك عينيّ. وقف بهدوء وحملها بين ذراعيه وكأنها كنز ثمين يخشى أن ينكسر. أما هانا، فقد كانت تراقبه بصمت من بعيد. لم تستطع إنكار أن رؤية ريو وهو يحمل ابنتهما بهذا الحنان جعلت قلبها يؤلمها قليلًا. دخل غرفتها برفق، وضعها على السرير، ثم سحب الغطاء فوق جسدها الصغير. ظل يتأمل ملامحها للحظات طويلة قبل أن ينحني ويطبع قبلة حنونة على جبينها هامسًا: - تصبحين على خير يا أميرتي الصغيرة. أغلق الباب خلفه بهدوء ليجد هانا واقفة في الممر وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها. كانت تنوي أن تطلب منه المغادرة، لكنه فاجأها حين أمسك بمعصمها برفق قبل أن تتمكن من قول أي كلمة. - لماذا؟ نظرت إليه باستغراب. - ماذا تقصد؟ كانت عيناه مليئتين بالألم وهو يسألها: - لماذا أخفيت عني أن لدي ابنة؟ لماذا حرمتني من رؤيتها طوال هذه السنوات؟ ابتعدت بنظرها عنه وقالت ببرود: - لم يكن من حقك أن تعرف. - كيف لم يكن من حقي؟! إنها ابنتي يا هانا! ارتجف صوتها قليلًا وهي تجيبه: - وهل كنت سأخبر قاتلًا مأجورًا بأنه أصبح أبًا؟ هل كنت سأخاطر بحياة طفلتي؟ حاولت أن تمر من جانبه لكنه أمسك بيدها مجددًا. - أرجوكِ... استمعي إليّ هذه المرة. لأول مرة منذ أربع سنوات، لم يكن هناك أسرار بينهما. أخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ يخبرها بكل شيء. كيف كانت مهمته الأولى هي قتلها، وكيف تغير كل شيء منذ اللحظة التي رآها فيها. كيف اختار خيانة ماضيه من أجلها. كيف أنه حماها أكثر من مرة. كيف أمضى أربع سنوات يبحث عنها في كل مكان في العالم. وكيف أصبحت حياته جحيمًا منذ رحيلها. - كنت أعود كل ليلة إلى منزل فارغ وأنا أتخيل أنكِ تنامين في مكان ما دوني. كنت أتمنى فقط أن أعرف إن كنتِ بخير. لم أعد أهتم بشيء بعد رحيلكِ يا هانا. شعرت بغصة مؤلمة في قلبها وهي تستمع إلى صوته المرتجف لأول مرة. - هل تعلمين ما هو أسوأ يوم مر عليّ؟ اليوم الذي أخبرني فيه والدك أنكِ رحلتِ دون أن تتركي لي أي أثر. كنت سأقبل حتى لو كرهتِني طوال حياتكِ، لكنني لم أستطع تحمل فكرة ألا أراكِ مجددًا. رفع عينيه إليها قبل أن يكمل بصوت خافت مليء بالألم: - لقد خسرت أربع سنوات من حياة ابنتي. أربع سنوات لم أرَ فيها أول خطوة لها أو أول كلمة نطقتها. هل تعلمين كم يؤلمني ذلك؟ وقفت هانا بصمت بينما كانت دموعها تهدد بالسقوط مرة أخرى. أما ريو، فقد أدرك أن أصعب معركة في حياته لم تكن يوم حمل السلاح لأول مرة... بل كانت محاولة استعادة قلب المرأة التي ما زال يحبها حتى اليوم.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







