เข้าสู่ระบบلم أنم تلك الليلة.
تمدّدت على السرير، أحدّق في السقف المتشقق، أعدّ أنفاسي كمن يحاول إقناع قلبه بأن الخطر انتهى. كلما أغمضت عيني، عادت صورة الغابة… الشجرة… الابتسامة التي لم أرها لكنها سكنت رأسي. تقلّبت بعصبية. "مجرد كابوس"، تمتمت لنفسي. "مجرد ليلة سيئة." لكن المدينة لم توافقني. مع الفجر، خرجت إلى الشارع. الهواء كان ثقيلاً، ساكنًا على غير العادة. المحلات فتحت أبوابها متأخرة، والوجوه التي مرّت بجانبي بدت شاحبة، مرهقة، كأن الجميع حلموا بالحلم نفسه ولم يخبروا أحدًا. سرت نحو العمل بخطوات رتيبة. حاولت أن أعود لإنسانيتي القديمة: الشاب الصامت، الذي ينفّذ يومه دون أسئلة. دون فضول. دون ذاكرة. لكن أول شيء كسر هذا الوهم… كان امرأة. كانت تقف عند زاوية الطريق، ترتجف. شعرها مبعثر، ويديها تضغطان على صدرها. اقتربت منها بحذر. قلت بهدوء: "أنتِ بخير؟" رفعت رأسها ببطء. عيناها كانتا واسعتين بشكل غير طبيعي. ليست مذعورة فقط… بل فارغة. همست بصوت متقطع: "هو رجع." تجمدت. "مين؟" ابتسمت فجأة. ابتسامة خاطئة. مشدودة. "اللي دفناه." قبل أن أسأل أكثر، بدأت تضحك. ضحكة قصيرة، حادة، ثم استدارت ومشت وكأن شيئًا لم يكن. وقفت مكانِي، أشعر بقشعريرة تزحف على ظهري. حاولت تفسير ما حصل: امرأة مختلة. حالة نفسية. المدينة مليئة بهكذا قصص. لكن داخلي قال شيئًا آخر. تابعت طريقي وأنا أراقب الناس لأول مرة بوعي حذر. لاحظت رجلاً يهمس لنفسه عند محطة الحافلة. طفلًا يبكي دون دموع. عجوزًا يحدّق في الأرض ويتمتم أسماء. أشياء صغيرة… لكنها متكررة. وصلت عملي متأخرًا. جلست على الكرسي، أحاول التركيز، لكن رأسي كان ممتلئًا بضجيج غير مسموع. شعرت فجأة بأن الغرفة أضيق. أن الجدران أقرب. وضعت يدي على صدري أتنفس بعمق. وهنا… حصلت الضربة الأولى الحقيقية. سمعت صوتًا. ليس نير. بل صوتًا آخر. همس ضعيف، قادم من خلفي: "ليش تركتني؟" التفتُّ بسرعة. الغرفة كانت فارغة. ابتلعت ريقي. "توهم… مجرد ضغط." عدت لعملي، لكن الصوت عاد، أقرب هذه المرة: "وعدتني… قلت ما رح تتركني." شعرت بالبرد يزحف إلى أطراف أصابعي. هذا الصوت… أعرفه. ليس غريبًا. إنه صوت أخي. وقفت فجأة، الكرسي سقط خلفي بصوت حاد. زملائي نظروا إليّ باستغراب. تمتم أحدهم: "مالك؟" هززت رأسي بعنف. "ولا شي." خرجت من المكان دون شرح. خطواتي كانت سريعة، أنفاسي غير منتظمة. الشارع بدا أطول من المعتاد، أضيق، وكأن المدينة تمدّدت لتبتلعني. توقفت عند زقاق جانبي، أسندت ظهري إلى الحائط. وضعت يدي على رأسي. "هذا ليس طبيعيًا… هذا ليس طبيعيًا." وهنا… عاد الصوت الذي حاولت دفنه. ليس مسموعًا… بل داخلي. بارد. ساخر. هادئ. قلت لك… ابدأ بالملاحظة. أغمضت عيني بقوة. "لا… لا تدخل رأسي." أنت لا تحتاجني لأنك تريد… بل لأن ما رأيته اليوم مجرد البداية. ضحكت بمرارة. "إذا كنت تظن أني سأعود لتلك الشجرة… فأنت مخطئ." ساد صمت قصير. ثم جاء صوته أثقل: المدينة بدأت تتكلم… وأنت الوحيد الذي يسمعها الآن. فتحت عينيّ ببطء. في نهاية الزقاق… رأيت جاري. كان يقف هناك، نصف وجهه في الظل. لا يبتسم. لا يتحرك. فقط يراقبني. التقت أعيننا. شعرت بشيء يضغط على صدري. ليس خوفًا فقط… بل إدراكًا مرعبًا. لم أعد وحدي في هذا. استدار ومشى دون كلمة. وقفت مكانِي، جسدي متيبس، وعقلي يصرخ: اهرب من كل هذا. لكن قلبي قال الحقيقة التي أكرهها: أنا لا أريد العودة لنير… لكن شيئًا في هذا العالم بدأ ينكسر… وأنا في منتصف الشق.أغلقت الباب ببطء، وبقيت واقفًا للحظة أحدّق فيه، وكأنني أنتظر أن يتحرك المقبض مرة أخرى، أو أن أسمع صوتًا من الخارج، لكن الممر عاد صامتًا، هادئًا بشكل عادي… أكثر مما يجب.استدرت نحو الغرفة.كل شيء في مكانه.أو هكذا بدا.تقدمت خطوة، ثم أخرى، وبدأت أراقب التفاصيل بعناية أكبر، لأن الإحساس الذي لم يفارقني منذ دخولي لم يكن كافيًا لأتجاهله، حتى وإن لم أجد دليلًا واضحًا.الأوراق على الطاولة… كما هي.لكنها ليست كما تركتها.مددت يدي وقلّبت إحداها، ثم أعدتها مكانها، محاولًا أن أتذكر ترتيبها السابق، لكن ذاكرتي لم تمنحني يقينًا كافيًا."جميل."تمتمت بصوت منخفض."حتى أنا بدأت أشك بنفسي."اتجهت نحو الدرج، فتحته، نظرت داخله، ثم أغلقته ببطء، وانتقلت إلى الخزانة، فتحتها، تفحصت ما بداخلها، ثم أعدت إغلاقها.لا شيء مفقود.ولا شيء مضاف.فقط…شعور.توقفت في منتصف الغرفة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بصوت منخفض، وكأنني أرتب أفكاري:"إذا كان في حد دخل… ما أخذ شيء."سكتُّ لحظة، ثم أضفت:"يعني كان يدور."رفعت رأسي قليلًا، وبدأت الأفكار تتداخل."بس… على شو؟"سؤال بسيط.لكن لا إجابة له.سرت ببطء في الغرفة، أتنقل بين
ظللت أحدّق في مقبض الباب وهو يتحرك ببطء، وكأن أحدهم يختبره من الخارج دون استعجال، ولم أتحرك فورًا، بل راقبت بصمت، محاولًا أن أستوعب إن كان ما أراه حقيقيًا أم مجرد امتداد لما حدث قبل قليل.ثم انفتح الباب.تراجعت خطوة، وابقيت عينيّ على الباب، قبل أن يظهر عند العتبة… الجار.وقف هناك وكأن دخوله طبيعي تمامًا، ثم قال بنبرة هادئة لا تحمل أي توتر:"مساء الخير… يبدو أنني قطعت حديثًا مهمًا."ضيّقت عيني ونظرت إليه مباشرة."دخلت دون أن تطرق."رفع حاجبه قليلًا، ثم نظر إلى الباب، قبل أن يقول ببساطة:"لم أكن بحاجة لذلك… كان مفتوحًا."ثبتّ نظري عليه لثوانٍ."أنا متأكد أنني أغلقته."ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من السخرية الهادئة."الناس دائمًا متأكدون من أشياء كثيرة… ثم يكتشفون لاحقًا أنهم مخطئون."أجبته بنبرة ثابتة، دون أن أرفع صوتي:"أو يكتشفون أن هناك من يعبث بما ليس له."نظر إليّ للحظة أطول هذه المرة، وكأنه يزن كلماتي، ثم دخل خطوة إلى الداخل دون استئذان واضح."طرح مثير للاهتمام."قالها وهو يتفحص المكان بعينيه.أغلقت الباب خلفه ببطء، ثم بدأت ألاحظ.الأوراق على الطاولة… لم تكن كما تركتها، كانت مرت
لم يكن الصمت في الغرفة طبيعيًا، ولم أعد قادرًا على إقناع نفسي بأن ما أشعر به مجرد توتر عابر بعد ما حدث، لأن الإحساس بوجود شيء آخر معي كان واضحًا إلى حد لا يمكن تجاهله أو الهروب منه.بقيت جالسًا للحظات، أحدّق في الزاوية المقابلة دون أن أرى شيئًا، ثم تنفست ببطء وقلت بصوت منخفض لكنه ثابت:"إن كنت هنا… فاختصر واظهر، لأنني لن أستمر في هذه اللعبة."لم يطل الانتظار.جاءني صوته هذه المرة واضحًا، قريبًا، وكأنه لم يعد يحاول الاختباء أصلًا:"تتحدث وكأنك تسيطر على الوضع، مع أنك لا تدرك أين تقف."رفعت رأسي فورًا، ونظرت حولي، لكنني لم أرَ شيئًا، ومع ذلك كنت متأكدًا من وجوده."اخرج."قلت ذلك بهدوء، وأنا أحاول أن أحافظ على ثبات نبرتي."أنا لم أختبئ."وببطء، بدأ الظل يتشكل أمامي، كأنه ينفصل عن الجدار، حتى أصبح واقفًا على بعد خطوات قليلة مني، ملامحه غير واضحة، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليجعل الغرفة تبدو أضيق مما هي عليه.وقفت دون أن أشعر."عدت.""لم أغادر."اقترب خطوة، ثم أضاف:"كنت أراقبك… وأحاول أن أفهم كيف تفكر، ولماذا ما زلت تثق بشخص اختفى في اللحظة التي احتجت إليه فيها."لم أجب فورًا، لكنني فهمت ق
لم أستوعب كيف خرجت.كل ما أعرفه أنني كنت أركض وسط النار، ثم وجدت نفسي على الأرض خارج المبنى، أتنفس بصعوبة وكأن صدري احترق من الداخل.رفعت رأسي ببطء.القسم… لم يعد قسمًا.كتلة من النار والدخان، وأصوات الجنود تختلط بالصراخ والأوامر المتضاربة. لم يكن هناك تنظيم، فقط محاولة يائسة للسيطرة على كارثة خرجت عن السيطرة.وسط هذا كله…كان الرائد كمال واقفًا.لكن هذه المرة، لم يكن ذلك الرجل الهادئ الذي يجلس خلف الطاولة ويحلل كل كلمة. كانت عيناه مثبتتين على المبنى، يتابعان الانهيار وكأنه يحاول فهم شيء لا يُفهم.اقترب خطوة، ثم توقف."انفجار من الداخل…"قالها بصوت منخفض، كأنه يحدث نفسه."...لكن بهذه القوة؟"لم يجب أحد.لم يكن هناك جواب أصلًا.التفت نحوي أخيرًا.نظرته كانت مختلفة. ليست اتهامًا مباشرًا، ولا شكًا ساذجًا… بل شيء أعمق، كأنه يربط بين أشياء لم يقلها بعد.اقترب ببطء."هل أصبت؟"سؤاله جاء مفاجئًا.نظرت إلى يدي، إلى الخدوش والدم الجاف، ثم قلت:"خدوش فقط."أومأ برأسه قليلًا، وكأنه يسجل المعلومة."جيد."ساد صمت قصير، ثم قال:"ما الذي تتذكره؟"نظرت إليه."قبل الانفجار."فهمت قصده.ترددت لحظة، ثم
جلست على الكرسي داخل الزنزانة، أراقب الباب بصمت. لم يعد الأمر مجرد احتجاز عادي، كان هناك شيء غير مفهوم يحدث، شيء بدأ منذ لحظة دخولي هذا المكان ولم يتوقف. رفعت رأسي قليلًا وقلت بهدوء: "منذ متى… هذه الظلال موجودة؟" جاء صوت نير هادئًا، وكأنه قريب جدًا، يراقب كل تفصيل. "منذ أول موت." سكت لحظة قصيرة، ثم تابع بصوت أكثر عمقًا: "كل إنسان يموت… يترك خلفه أثرًا. ليس روحًا كما يظن الأحياء، بل ظلًا… شيء يبقى عالقًا، غير قادر على الرحيل." ضيّقت عيني وقلت: "وهل كلهم يبقون؟" "لا. بعضهم يختفي، وبعضهم يُترك، والبعض… لا ينبغي أن يبقى أصلًا." تنفست ببطء وأنا أحاول فهم ما يقوله. "إذا كانوا موجودين منذ زمن… لماذا يظهرون الآن؟" صمت نير قليلًا، ثم قال: "لأنك أصبحت قادرًا على رؤيتهم." هززت رأسي بعدم اقتناع. "هذا لا يفسر ما حدث. الشرطي لم يسقط وحده." صوته أصبح أخفض هذه المرة. "بعضهم يستطيع التأثير… لكن ليس الجميع، وليس دائمًا." سألته مباشرة: "هل يستطيعون قتل البشر؟" صمت للحظة، ثم قال بوضوح: "نعم… لكن ليس كما تتخيل، وليس بسهولة، وليس بدون سبب." شعرت بشيء ثقيل في صدري. "إذا كانوا قادرين…
لم أعرف كم مرّ من الوقت.كنت جالسًا على الكرسي، أراقب الباب دون أن يتحرك شيء.الغرفة كما هي… صامتة، جامدة.رفعت رأسي نحو الزجاج.انعكاسي فقط.تنفست ببطء."مجرد تحقيق… وينتهي." تمتمت.صوت نير عاد هادئًا، كأنه قريب جدًا، يراقب كل تفصيل."لو كان الأمر بهذه البساطة، لما كنت هنا."تجاهلته.انفتح الباب فجأة.دخل عنصر الشرطة، وقف عند الباب وحدّق بي."انهض."رفعت رأسي."إلى أين؟"أجاب ببرود:"غرفتك الجديدة."ضيّقت عيني."هل ارتكبت شيئًا؟"ابتسم بسخرية خفيفة."هذا ما يقرره الرائد كمال."وقفت ببطء."أريد مقابلته."تقدم خطوة ودفعني بكتفي."تحرّك.""قلت لك أريد—"قاطَعني بحدة:"لم يطلب أحد رأيك."اشتد صوته:"امشِ… أو سأجرك."شدَدت على أسناني ومشيت.خرجنا إلى الممر.القسم كان شبه فارغ.سألته وأنا أسير:"من الذي قدّم البلاغ؟"ضحك بخفة."ما زلت تسأل؟ يبدو أنك لا تفهم وضعك.""وضعي أنني لم أفعل شيئًا."توقف فجأة والتفت إليّ."استمع جيدًا…"نبرته أصبحت أكثر قسوة."إذا وضع الرائد كمال عليك تهمة… أو حتى شبهة…"اقترب خطوة."ستبقى خلف القضبان حتى تنتهي حياتك."سكت لحظة، ثم أكمل:"مثل أي شخص ظن أنه قادر على
الضباب ينسكب بين جذوع الأشجار، يغطي الأرض كطبقة من الغموض. كل خطوة أخطوها تتبعها همسات الريح، وكأن الغابة نفسها تتنفس بخوف. جلست عند الشجرة، أصابعي ترتجف وأنا ألمس لحاءها البارد والخشن، كأنني أستشعر قلبها ينبض بالأسرار، بينما شعرت ببرودة الطين تلسع ركبتيّ، ورائحة التراب الرطب تمتزج برائحة الغابة ال
الظلام ما زال يلتف بين الأشجار، لكن هذه المرة لم يكن هدوء الغابة مريحًا، بل شعور بالضغط يملأ المكان. أصابعي تتشابك، وقلبي يدق بعنف، بينما ظللت أقف عند الشجرة، أسترجع كل ما حدث بعد تلك الليلة المأساوية. شعرت برعشة تسري في كل أطراف جسدي، كأن الغابة نفسها تحاول سحبي إلى الداخل. همس نِير من الظلال، صوت
جلست عند جذع الشجرة العتيقة، وظهري ملتصق بخشبها الخشن البارد. أنفاسي كانت متقطعة، تخرج من صدري كأنها تحاول الهروب قبلي من هذا المكان. المطر لم يتوقف. قطراته كانت تضرب أوراق الأشجار فوق رأسي فتُصدر أصواتًا أشبه بالهمسات. أغمضت عيني للحظة… فقط لحظة أرتاح فيها من ثقل العالم. لكن الراحة لم تأتِ.
الظلام يلتف بين جذوع الأشجار، وأوراق الشجر تهتز بصوت خافت كهمسات تتسلل إلى عقلي. القمر يتسلل من بين الغيوم، يرسم بقع ضوء باهتة على الأرض المبللة. شعرت بالهواء يثقل على صدري، كأن كل نفس أتنفسه يضغط على قلبي، وكل خفقة قلب تزداد وقعًا على روحي المتعبة. كل خطوة أخطوها على الأرض الموحلة تجعلني أشعر