LOGINفي هذه الرواية تنسج لنا دكار مجدولين رواية ذات طابع أدبي كلاسيكي يغور في أعمق تجاويف الانكسار البشري، حيث لا تسرد القصة أحداثاً بقدر ما تشرح حالة "البرزخ" التي تعيشها الروح حين تعجز عن الموت وتفقد القدرة على الحياة. تبدأ الرحلة في عيادة الطبيب مايكل، ذلك المكان الذي يتسع بفخامته لملايين الجثث ، حيث تجلس إليزابيث كتمثال شمعي، تراقب ذبابة يائسة تصطدم بزجاج النافذة، في مشهد يختزل عبثية محاولات "البقاء" في عالم مغلق. الصمت في هذه الرواية ليس فراغاً، بل هو بطل طاغٍ، كيان ملموس يملأ الفراغ بين مقعد إليزابيث ومكتب الطبيب، ضباب كثيف يخنق الكلمات قبل أن تولد. ومن خلال دفتر صغير مهترئ الحواف، تعلن إليزابيث " وفاتها" التي خطها الحزن ، معلنةً انطفاء الرغبة والأمل في آن واحد. الرواية تنبش في جروح الماضي الغائرة، وتحديداً في ذكرى "الجدار الصامت"؛ ذلك الأب الذي حوّل نجاحات ابنته الطفولية إلى مسامير دقت في قلبها ببروده القاتل، حتى غدا حضوره قوة ضاغطة على صدرها . وفي المقابل، يبرز حنان الأم كوجع إضافي، نصل من الذنب يمزق إليزابيث لأنها تعجز عن رد الطمأنينة التي تستحقها والدتها. تتأثث الرواية بمفردات الوجع؛ فالحزن هنا ليس زائراً، بل هو "الأثاث" الذي يفرش زوايا الروح، والرفيق الذي لم يغدر بها يوماً. إليزابيث هي العنقاء التي لا تحترق لتولد من جديد ، بل هي العنقاء التي تحترق ببطء، مستسلمةً "لملمس الوقت " الذي يحصي انكساراتها. الكتابة هنا ليست وسيلة للتحرر، بل هي "قيد" إضافي يمنع البطلة من التظاهر بأن الأمور بخير ، وهي اعتراف بأن "الأنا" القديمة التي كانت تضحك قد أصبحت ساذجة . في كل سطر، تنتظر إليزابيث غدر الشمس الأخير، اليوم الذي تشرق فيه من الغرب لتعلن نهاية الوجود الرتيب، بينما تستمر في تمثيل دور الأحياء بإتقان مروع، تاركةً خلفها في كل جلسة علاجية مسماراً جديداً يُدق في جدار ذلك الصمت اللعين الذي يبتلع هويتها ووجودها بالكامل محولا إياها لضحية اخرى ترى كيف ستسطيع عنقائنا الصمود في وجه الأحزان
View Moreالفصل الأول: مسمار في جدار الصمت
*** وكتبتُ فوقَ جدارِ صمتيَ أسطراً أنَّ الحياةَ غدتْ سجناً ضيقاً ما عدتُ أبحثُ عن ضياءٍ خادعٍ فالليلُ في صدري استبدَّ وأشرقا أنا التي سكنتْ برزخاً من حيرةٍ لا الموتُ يرحمُني.. ولا قلبي استقي ... اليوم، قررتُ أخيراً أن أخطو أكبر وأجرئ خطوة خطيتها في حياتي التي لطالما اعتبرتها جنونا محض واعترافاً بالهزيمة النكراء قررتُ زيارة عيادة الطب النفسي. لم أكن أعلم أن المكان هنا سيكون بهذا الضيق، أو ربما هو حزني الذي يجعل كل المساحات تتقلص حولي. رغم اتساع هذه الغرفة الفاخرة، وأثاثها المنتقى بعناية، وألوانها الهادئة التي اختارها المصممون لتبث "طمأنينة" زائفة في نفوس المتعبين أمثالي، إلا أنني شعرتُ بالجدران تقترب من وجهي لتسلبني ما تبقى من هواء. جلستُ هناك كتمثال من شمع، صلبة من الخارج و منصهرة و ذائبة من الداخل، فوق ذلك المقعد الجلدي ذو الرائحة النفاذة التي تشبه رائحة المكاتب القديمة المحملة بالأسرار. كنتُ أراقب الطبيب "مايكل "بصمت مريب. كان رجلاً خمسينياً يبدو عليه الوقار، يعدّل نظارته الذهبية التي كانت تعكس ضوء المصباح الجانبي، يحجب خلف زجاجها نظراته الفاحصة. يمسك بقلمه الفضي، ويهزه بانتظام، ينتظر مني كلمة واحدة كإشارة للبدء. خيطاً واحداً يربط به عالمي المنهار بعالمه الممنهج. كان الصمت بيننا سيفاً قاضياً، ليس مجرد غياب للكلام، بل كان كياناً مادياً ملموساً، كأنه ضباب كثيف يملأ الفراغ بين مقعدي القريب من مكتبه الضخم. كنتُ في مكان آخر تماماً، أهيم في ردهات ذاكرتي المظلمة، أفكر في "ملمس الوقت اللزج" الذي يمرّ ببطء كأنه يتعمد إحصاء نبضاتي المتعثرة. هنا، في هذه العيادة، يبدو أن الزمن قد توقف تماماً، كروحي التي تعطلت محركاتها منذ زمن طويل ولا أحد يملك مفتاح تشغيلها. قطعتُ شرودي بمراقبة ذبابة كانت تحاول الخروج من زجاج النافذة المغلق؛ تصطدم به مراراً وتكراراً بطنين يائس ومزعج، تماماً كما أفعل أنا مع فكرة "البقاء". شعرتُ بنفور مفاجئ من هذا الطنين، فقلتُ بنبرة باردة وجافة: "هل لديك مبيد حشري هنا؟!" بدا وكأن سؤالي باغته، هزّ وقاره قليلاً، لكنه سرعان ما تدارك أمره بابتسامة مهنية باهتة. نهض وأخرج عبوة كيميائية مضادة للحشرات، رشها في زاوية النافذة حتى سكن ذلك الطنين، ثم عاد إلى مقعده، شبك أصابعه أمام وجهه وقال ببرود مماثل: "والآن يا إليزابيث.. هل تتكرمين وتخبريني، لماذا نحن هنا اليوم؟" سألني بصوتٍ رخيم، فيه بحة تآلف مصطنعة، محاولاً كسر الجمود الذي جمدت فيه أطرافي. لم أجب. شعرتُ أن الكلمات في حنجرتي تحولت إلى قطع زجاج جارحة؛ إن نطقتُ بها سأدمي نفسي قبل غيري. شعرتُ برغبة في الضحك، ضحك مرّ يشبه البكاء، لأن السؤال بحد ذاته كان عبثياً وسخيفاً. لماذا نحن هنا؟ هل هناك سبب منطقي دعاني للمجيء سوى أنني لم أعد أحتمل ثقل كوني موجودة في عالم لا يحترم وجودي ولا يعبأ بي؟ سوى أنني سئمتُ من حمل جثتي فوق كتفي كل صباح؟ بدلاً من الكلام، مددتُ يدي المرتعشة قليلاً إلى حقيبتي السوداء، وأخرجتُ دفتراً صغيراً مهترئ الحواف، يفوح منه عبق الخيبة، ووضعته على الطاولة الرخامية بيننا ببطء شديد، وكأنني أضع قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. نظرتُ إلى عينيه مباشرة، وقلتُ له بصوتٍ خافت، بدا غريباً حتى على مسامعي: "لا أستطيع الكلام أيها الطبيب مايكل.. الحبال الصوتية لدي لم تعد تملك القدرة على الاهتزاز. لكنني كتبتُ لك كل شيء هنا، في هذه الصفحات التي استنزفت ما تبقى من دمي.. كتبتُ ما أشعر به قبل أن يتبخر. إنها ليست مجرد كلمات، إنها شهادة وفاتي.. أو ربما رسالة...رسالة انتحار لم أخطط لها، بل خطها حزني بالنيابة عني." أخذ مايكل الدفتر بوقار مبالغ فيه، وكأنه يمسك بمخطوطة أثرية. ساد صمتٌ ثقيل، صمت يشبه ذلك الذي يسبق العواصف الرعدية في تشرين. كانت عيناه تتحركان خلف النظارة فوق سطوري التي نزفتُها بمرارة في ليالٍ ليلاء. بدأ يقرأ، وكان صوت تقليب الورق في هدوء الغرفة يشبه طعنات خفيفة في صدري. "اليوم الأول... لم أكن أتصوّر، ولو للحظة، أن أصل إلى هذا الحدّ من الانطفاء." توقف مايكل عند كلمة "الانطفاء"، وكأنها مسمار علق به بصره. رفع رأسه ونظر إليّ بعمق، باحثاً عن بقايا نور في عينيّ: "إليزابيث، الانطفاء كلمة قوية جداً وتوحي بالظلام المطلق. هل هو انطفاء الرغبة في العيش؟ أم انطفاء الأمل في التغيير؟" أغمضتُ عينيّ، واستحضرني ذلك الشعور الخانق: "كنت دائمًا أنظر بتعجّب إلى أولئك الذين يسكبون مشاعرهم فوق الورق، ويتصرفون كأن الحروف قادرة على ابتلاع أوجاعهم... كانوا يكتبون ليتخلّصوا من ثِقلهم، لينسوا، ليمحوا من أفكارهم ثقل الطنين المزعج.. أما أنا، فالأمر مختلف تمامًا." شرحتُ له بصمتي المطبق، وبنظراتي الهاربة من وجهه، أنني كلّما لامست يدي الورقة، يتعمّق حزني أكثر، وكأن الكتابة تفتح لي باباً سرياً إلى قبو داخلي مظلم، لا يقود إلا إلى عتمة أخرى، ظلام دامس بلا نهاية ولا أمل في أن يشعله ضوء في آخر النفق. الحزن لم يعد زائراً ثقيلاً في حياتي، بل صار رفيقاً قديماً، ثابتاً، وفيّاً على نحو مزعج ومخيف.. رفيقاً يرفض أن يتركني مهما حاولتُ الهرب أو التظاهر بالنوم. عاد مايكل للقراءة، غائصاً في محيط كآبتي: "الجميع يعلم أنني لست بخير، لكن لا أحد يملك حيلة لإنقاذي. وإن نظرتَ إلى حياتي من بعيد لظننت أنها مكتملة، خالية من النواقص. لدي أمّ حنونة، وأب... ليس لطيفاً، صحيح، لكنه يظلّ أبي." هنا، داهمتني ذكرى قديمة كأنها حدثت بالأمس، ذكرى ذلك "الجدار الصامت" الذي يفصلني عن العالم. (فلاش باك: الذكرى الأولى) كان عمري عشر سنوات فقط. عدتُ من المدرسة منتشية، حاملةً شهادة تقدير تزينها الأختام الحمراء. كنتُ أركض في الرواق، أنفاسي تتسارع نحو الصالون حيث يجلس والدي. كان غارقاً في قراءة جريدته اليومية، والدخان يتصاعد من سيجارته ليصنع غيمة رمادية كثيفة حول رأسه، كأنها حصن يمنع وصول أي مشاعر إليه. وقفتُ أمامه، ألهث، ومددتُ له الورقة بابتسامة طفولية عريضة كانت تملأ وجهي أملاً. نظر إلى الشهادة لثوانٍ معدودة، لم يبتسم، لم يقل "أحسنتِ"، ولم يربت على كتفي. بل اكتفى بهز رأسه بآلية قاتلة، وقال ببرود هزّ أركان طفولتي: "واجبكِ أن تكوني متفوقة.. لا داعي لكل هذا الصخب، اذهبي وساعدي أمكِ." في تلك اللحظة، شعرتُ بأول مسمار يدق في قلبي الصغير. شعرتُ أن نجاحي، حزني، وجودي، صراخي الصامت.. كله لا يحرك ساكناً في ذلك الجدار الجليدي المسمى "أبي". أفقتُ من ذكرياتي المريرة على صوت مايكل الهادئ: "تحدثي لي عن هذا الأب 'غير اللطيف'.. كيف يشكل هذا الجدار الصامت جزءاً من عتمتك الحالية؟" ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بمرارة تملأ حلقي. فكرتُ في أمي، في حنانها الفائض الذي يشبه الضمادات البيضاء الرقيقة فوق جروح غائرة. "أنظر إلى أمي، فأرى الحنان في عينيها يتحول إلى نصل من الذنب يمزقني، لأنني أعجز عن منحها الطمأنينة التي تستحقها. أرى في عينيها تساؤلاً مكسوراً صامتاً يقتلني كل يوم: 'أين ابنتي التي كانت تضحك؟'. هذا الذنب يا مايكل، أثقل من الحزن نفسه. أما أبي.. فهو الحاضر الغائب. القوة الصامتة التي لا تشعر بها إلا حين تضغط على صدرك لتكتم أنفاسك. الفجوات بيننا لا تُسدّ بالكلمات، بل بالصمت الذي يزداد اتساعاً وجفاءً كل يوم." أكمل مايكل القراءة بصوت مسموع هذه المرة، كأنه يريدني أن أواجه أصداء كلماتي في الفراغ: "كل ما أدركته أخيرًا هو أنني بدأت أكتب شيئًا يشبه رسالة انتحار... دون أن أخطّط لذلك. كل شيء تغيّر... حتى الشمس — التي ظننتها وفية لا تخون — ستغدر يومًا، وستغرب من الغرب لتعلن النهاية." رفع مايكل حاجبيه بدهشة مكتومة: "ربطتِ انطفاؤكِ الشخصي بنهاية العالم الكبرى.. هل تشعرين حقاً أن عالمكِ الداخلي قد انتهى بالفعل؟" أجبتُه بكلمات المذكرة التي حفظتُها بنبضي: "يقولون إن الكتابة 'تحرير للأرواح النائمة'، لكنني أشعر أنها 'قيد' حديدي يزداد ضيقاً. كل كلمة أضعها هنا هي مسمار إضافي يثبّتني في مكاني، يمنعني من التظاهر بأن الأمور على ما يرام. تلك 'الأنا' التي كانت تضحك بالأمس، تبدو لي الآن كغريبة ساذجة التقيت بها في زحام قديم؛ أعرف ملامحها جيداً لكنني لا أتذكر كيف كانت تشعر، أو كيف كانت تتنفس بلا ثقل." بدأ مايكل يحلل حالة "الموت بالتقسيط" التي ذكرتُها. أخبرته كيف أنني أتأثث بالحزن في حنايا بيتي، كيف أفرش به مساحات قلبي، وكيف جعلتُ منه ملاذي الأخير ووطني الوحيد. "مايكل، هل تفهم معنى أن يكون الحزن هو أثاث بيتك ومنزلك؟ أن لا ترى في الزوايا إلا الهزائم؟ أن يكون صمت أمي هو الدعاء المكتوم الذي لا يصل، وصمت أبي هو الحكم بالإعدام الذي نُفذ بالفعل؟" توقف مايكل عن التدوين لبرهة. وضع قلمه جانباً ونظر إليّ بعينين بشريتين، متخلياً عن قناع الطبيب. "إليزابيث، أنتِ تقفين في منطقة برزخية، كما قلتِ.. بين الرغبة في التلاشي وبين الاضطرار للبقاء. أنتِ تتقنين تمثيل دور الأحياء ببراعة مذهلة، لكنكِ هنا الآن، وهذا يعني أن هناك جزءاً صغيراً جداً منكِ، ربما مختبئ خلف كل هذا الركام، لا يزال يريد الضوء." هززتُ رأسي نفياً ببطء: "لا يا مايكل.. الشمس ستشرق غداً من المشرق كعادتها، وستكذب علينا مرة أخرى وتوهمنا بالبدايات الجديدة. لكنني هناك لا زلت، في غرفتي المعتمة، أعلن أنني اكتفيت من الضوء الذي لا يدفئ، ومن الحنان الذي لا يرمم، ومن الحياة التي تتطلب منا مجهوداً خرافياً فقط لنبدو 'عاديين' في أعين الآخرين." أغلق مايكل الدفتر بلطف شديد، وكأنه يغلق تابوتاً يضم أغلى ما أملك. ساد هدوء مطبق لم يقطعه سوى صوت أنفاسي التي بدأت تتسارع كأنني أركض في ماراثون من الوجع. شعرتُ أنني استنزفتُ كل طاقتي في هذا البوح، وكأنني أفرغتُ روحي على طاولته الرخامية. "إليزابيث.. لقد قلتِ إن الحزن هو الشيء الوحيد الذي لم يغدر بكِ.. والشيء الوحيد الذي يشبهكِ تماماً. في جلستنا القادمة، سنحاول أن نبحث معاً عن 'إليزابيث' الأخرى، تلك الغريبة التي التقيتِ بها في الزحام القديم. هل تعدينني أن تستمري في الكتابة؟" نظرتُ إليه، وكان الحزن لا يزال يتأثث في أعماقي، يفرش سجاده الأسود في كل ركن. لم أعده بشيء، لأنني حين أكتب، لا أكون أنا من يمسك بالقلم، بل حزني هو من يؤلف، هو من يملي عليّ خيباته، لا أنا. أخذتُ دفتري بصمت، ووضعتُه في حقيبتي كأنني أخبئ سراً مقدساً، وقمتُ لأغادر الغرفة، تاركةً ورائي مسماراً آخراً في جدار ذلك الصمت اللعين الذي يملأ عيادته. خرجتُ من المبنى، وكانت الشمس تتهيأ للغروب، تودع السماء بألوان دامية. نظرتُ إليها بتحدٍّ، متسائلةً في سري: "متى ستخرجين من الغرب؟ متى تعلنين النهاية التي أنتظرها بفارغ الصبر؟" لكن الشمس، كعادتها، ظلت صامتة وهادئة، تاركةً إياي أتخبط في "ملمس الوقت اللزج" وحدي. مشيتُ بخطى ثقيلة نحو موقف الحافلات، كانت الحافلة تقارب على الرحيل، ركضتُ بآلية واستقليتها، جلستُ بجانب النافذة وأسندتُ رأسي إلى الزجاج البارد. بدأتُ أفكر بمرارة: هل فعلتُ الصواب عندما كشفتُ عن حقيقتي العارية لذلك الطبيب الذي يدعى "مايكل"؟ هل سيستطيع حقاً ترميم ما حطمه الصمت، أم أنه سيصبح مجرد شاهد آخر على موتي البطئ؟ تنهدتُ بعمق بينما كانت الحافلة تشق طريقها في زحام المدينة، وأنا أغرق أكثر في زحام نفسي الذي لا يهدأ✧ الفصل الثلاثون: حَصَادُ الثلاثِينَ.. رَقْصَةُ الدُّمْيَةِ الـمَنْسِيَّة ✧★★★ثَلاثُونَ يَوْمًا وَالأَنِينُ يُعَاوِدُ وَقَلْبِي عَلَى نَارِ الـمَوَاجِعِ راكِدُ خَطَطْتُ بِكَفِّي مَا يَشِينُ سَرِيرَتِي وَصِرْتُ لِحُزْنِي فِي المَسَاءِ أُعَاهِدُ أَنَا الدُّمْيَةُ الـخَرْسَاءُ تَحْيَا بِخَيْطِهِ وَرَاقِصَةٌ.. وَالجُرْحُ فِيهَا يُشَاهِدُ أَحَبُّ حَيَاتِي.. ثُمَّ أَمْقُتُ بَعْضَهَا وَفِي بَرْزَخِ التَّقْطِيرِ.. نَفْسِي تُجَاهِدُ✧ ✧ ثلاثون يوماً مرّت كأنها قرنٌ من الزمان. شهرٌ كامل منذ أن وطئت قدما إليزابيث عتبة مشفى الدكتور مايكل، وشهرٌ منذ أن بدأت يدها تمزق ستر الصمت لتخطّ هذه اليوميات التي تسميها "قذارة" لأنها لا تعرف التجميل. لم يكن الشهر مجرد وقتٍ انقضى، بل كان زلزالاً صامتاً أعاد ترتيب جغرافيا روحها؛ لم يهدم الجدران، لكنه غيّر أماكنها، ليحبسها في زوايا جديدة لم تكن تعرفها من قبل. تقف اليوم أمام مرآة أيامها لتعلن أنها لم تعد تلك الفتاة التي بدأت، بل مسخاً جميلاً مشوهاً بالتناقضات والتعاكسات✧ ✧✧ شهرٌ كامل مر كمرور الريح . ثلاثون يوماً من النبش في القبور المنسية داخل رأسي.
الفصل التاسع والعشرون: وَعْيُ الـمَسَافَةِ الصِّفْر.. مَا بَعْدَ الانهِيَار ✧☆☆☆أَنَا مَا هُزِمْتُ.. وَإِنْ بَدَوْتُ حُطَامَا لَكِنْ جَعَلْتُ مِنَ الأَنِينِ وِسَامَاكَانَ الأَسَى صَدراً يَضِيقُ بِنَبْضِهِ فَغَدَا لِعَقْلِي جَدْوَلًا وَغَمَامَالا تَعْجَبُوا إِنْ جَفَّ دَمْعِيَ فَجْأَةً فَالبَحْرُ يَهْدَأُ.. كَيْ يَبُثَّ سَلامَامَا عُدْتُ أَرْجُو مِنْ زَمَانِيَ نَجْدَةً فِي الكَاتِبَاتِ.. وَجَدْتُ لِي مَقَامَاخَرَجَتْ "كَفَى" مِنْ جَوْفِ قَلْبِي حُرَّةً لِتُعِيدَ لِي.. مَا ضَاعَ مِنِّي عَامَا...كَفَى..قلتها وسأقولها مجددا فَالصَّوْتُ فِي صَدْرِي اسْتَحَال لنَحِيباً يَقْطَعُ الرُّوحَ اغْتِيَالا أَمَدُّ يَدِي لِتَرْمِيمِ كسوري.. فَأَلْقَى بِأَنَّ الـحُزْنَ قَدْ طَاولَ الـجِبَالا وَمَا كَانَ الهَوَى إِلا خِدَاعاً وَكُلُّ خَلاصِنَا.. أَمْسَى مُحَالا أَنَا البَاقِي رَغِمَ الـجُرْحِ وَعْياً يَرَى الصِّدْقَ الـمُقَدَّرَ لا الـخَيَالا✧ ✧ تستيقظ إليزابيث اليوم بنوع مختلف من الهدوء؛ ليس هدوء الاستسلام، بل هدوء الإدراك. لقد صرخت "كفى" في وجه ماضيها وحاضرها، وحتى مستقبلها ذاك العالم الغيب
في اليوم الثامن والعشرين، تخلع إليزابيث قناع المحاربة، وتتوقف حتى عن الغضب. هي الآن في حضرة الطبيب مايكل، لكنها لا تطلب دواءً، بل تطلب "شهادة وفاء" لآلامها. لقد تحول الحزن من شعور إلى "هوية"، وصار الصمت الذي يغلف قلبها ضجيجا يفترش روحها وليس راحة كما تتوهم ، بل هو "تصحّر" الروح التي اكتفت من النزيف. والتزييف✧ الفصل الثامن والعشرون: فَلْسَفَةُ التَّصَحُّرِ وَخَرَسُ القَلْبِ الـمُتْعَب ✧***يَا دُكْتُورُ.. لا تَرْجُ لِي مِنْكَ الشِّفَاءَ فَقَدْ جَعَلْتُ مِنَ السُّقْمِ الرِّدَاءَ أَتَيْتُكَ وَالـحُطَامُ يَسِيرُ خَلْفِي أَبُثُّكَ فِي الـمَدَى هَذَا الشَّقَاءَ قُلْتُ لِقَلْبِي: "اخْرَسْ".. فَمَا لَانَ طَوْعاً وَلَكِنْ.. مَلَّ مِنْ جُرْحِي البُكَاءَ أَنَا لا الـمَوْتُ يَبْغِينِي مَلاذاً وَلا الدُّنْيَا.. تُعِيدُ لِيَ الرَّجَاءَ...✧ دخلت إليزابيث العيادة هذه المرة بهدوءٍ مخيف، هدوء يسبق الوداع أو ربما يسبق السقوط الأخير. لم يعد في عينيها ذلك الشرر الغاضب، بل كانت نظراتها زجاجية، مستقرة في نقطة بعيدة خلف جدران الغرفة. حين جلست أمام الدكتور مايكل، لم تفتح حقيبتها، بل فتحت فجوة في رو
الفصل السابع والعشرون: تآكُلُ المَرَايَا الصدئة وَهَذَيَانُ الرِّئَةِ الـمُتْعَبَة ✧✧ ✧نَفَرُوا مَجِيئِي.. كَأَنَّنِي بِيَ عِلَّةُ أَوْ أَنَّ نَفْسِيَ بِالـجُذَامِ تَعَلَّتُ هَجَرُوا رِحَابِي.. وَالصَّدَى فِي غُرْفَتِي نَارٌ بِقَلْبِي لِلظَّلَامِ اسْتَسْلَمَتُ أَمْشِي وَثِقْلُ الجِبَالِ فَوْقَ حُشَاشَتِي رِئَتِي عَنِ الأَنْفَاسِ قَدْ كَلَّتْ وَأَنْ هَانَتُ أَنَا مَيِّتٌ.. لَكِنْ بِرُوحٍ تَرْتَجِي دَرْباً لِنَفْسِي.. بَعْدَمَا قَدْ ضَلَّتُ✧ ✧✧ منذ ذلك اليوم الذي انفجرتُ فيه كقنبلة موقوتة في وجه إيميليا وصفعتها، لم تعد هذه الأخيرة تقترب من عتبة غرفتي، ولا تجرؤ حتى على النظر في عينيّ إذا ما صادفتني صدفةً في الرواق. هذا الجفاء القسري أزعج كبريائي قليلاً، لكنه في الحقيقة أراح روحي المنهكة؛ فلقد كفّ الجميع عن محاولاتهم اليائسة لاستدراجي إلى عالمهم التافه. منذ ذلك الحين، صار الكل يتحاشاني كما يتحاشى المرء "مرضاً معدياً" يخشى أن يسلب منه طمأنينته.وهذا الصمت المطبق حولي جعلني أدرك، بيقينٍ لا يقبل الجدل، أن إيميليا قد وزعت منشورات "اختلالي العقلي" على الجميع؛ لقد وصمتني بـ "المختلة"،
reviews