INICIAR SESIÓNوسط أجواء السعادة والأخوة التي سادت المكان باحتفال عيد ميلاد أروى ، وصل آدم وشهد معاً في سيارة واحدة. كانت الأنوار الملونة تزيّن حديقة المنزل، وأصوات ضحكات الأهل والأصدقاء تتعالى في أرجاء المكان، مما أضفى دفئاً خاصاً أذاب جانباً من الجمود الذي رافق طريقهما. فور أن لمحتهما أروى، أسرعت نحوهما بابتسامة عريضة يملؤها الحب، واحتضنت شهد بحفاوة وشوق ، ثم نظرت إليها بلومٍ أخوي لطيف قائلة: — «أخيراً شرفتنا مدام شهد؟! هل تأتي أختي الوحيدة وملاذي الآمن مثل الناس الغريبة متأخرة هكذا في يوم ميلادي؟!» ابتسمت شهد برقة وقبلت وجنتيها بدفء: — «كل عام وأنتِ بخير يا حبيبتي، سامحيني... كانت أوراق الشركة واجتماعات العمل أطول مما توقعت ، ولكن لم أكن لأفوّت هذه الليلة أبداً.» تقدم آدم بخطواته المهيبة المنتظمة، ومد يده برقي وود ليسلم على أروى، مستطرداً بنبرة رجولية دافئة: — «كل عام وأنتِ بطلة ومشرقة يا أروى.. . أنا سعيد جداً لأنني كنتُ في بالكِ ودعوتِني لأكون بينكم اليوم.» تطلعت أروى في وجه آدم بتقدير، وشدت على يده بحرارة وهي تجيبه بنبرة تفيض بالامتنان والصدق: — «بالطبع يا آدم
عقدت شهد اجتماعاً مع مجلس الإدارة بعد عدة أيام، واعتلت رأس الطاولة برصانة وشموخ. نظرت إلى الحاضرين وقالت بلهجة قيادية واثقة: — «أردت جمعكم اليوم لأبلغكم أنني، بعد دراسة المناقصة جيداً، قررتُ عدم العمل عليها نهائياً... فقد تبين أن رأي آدم بيه حول هذه الشركة كان صحيحاً ومحكَمًا، فهي شركة غير موثوق بها بالمرّة.» ثم تابعت وهي تشير إلى الملفات الأنيقة المفرودة أمام الأعضاء: — «ولكن عُرِض عليّ مشروعٌ آخر اود توزيعه عليكم الآن لدراسته بتمعّن، ثم نناقش تفاصيله في اجتماعنا القادم... شكراً لكم جميعاً.» بدأ الأعضاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، بينما انتظر آدم خروج الجميع وظلّ في مقعده، ينظر إليها بعينين تلمعان بالإعجاب والدفء. قام ببطء وخطا نحوها قائلاً: — «أريد أن أهنئكِ يا شهد...» نظرت إليه باستغراب ورفعت حاجبها: — «ولماذا تهنئني؟» ابتسم بعذوبة وقال: — «لأنكِ الآن أصبحتِ سيدة أعمال حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة.» ضحكت شهد بسخرية خفيفة: — «ولماذا تقول ذلك الآن؟» رد بصدق ونبرة حنونة: — «لأنكِ نحّيتِ الخلافات الشخصية جانباً وتنازلتِ عن عنادكِ أمام مصلح
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس توزع أشعتها الهادئة على أرجاء مقر مجموعة شركات يحيى، كانت شهد جالسة خلف مكتبها الواسع تغرق في أطنان من الأوراق والعقود. انفتح باب المكتب بهدوء ودخلت السكرتيرة بخطوات مترددة، وقالت باحترام: — «شهد هانم... السيد رائد بالخارج، ويريد مقابلتكِ بشكل عاجل.» رفعت شهد رأسها عن الملفات، وعقدت حاجبيها بملامح جادة، وقالت بصوت صارم: — «ليس لدي وقت اليوم نهائياً... وثانياً، عليه أن يتصل ويحجز موعداً مسبقاً قبل المجيء إلى مقر الشركة هكذا!» استدارت السكرتيرة وخرجت إلى صالة الاستقبال، واعتذرت لرائد بلطف: — «أنا آسفة يا رائد بيه... شهد هانم مشغولة جداً وليس لديها وقت اليوم، فلنحدد موعداً آخر يناسبك.» لكن رائد هز رأسه بابتسامة واثقة وقال بإصرار: — «أرجوكِ... أخبريها أن الأمر طارئ للغاية ، ويتعلق مباشرة بالمناقصة الهامة التي تنوي الشركة دخولها اليوم . من فضلكِ، أبلغيها مرة أخرى.» عادت السكرتيرة إلى المكتب بخطوات سريعة، وقالت بنبرة معتذرة: — «عذراً مدام شهد... رائد بيه مصمم على مقابلتكِ، ويقول إن الأمر شديد الأهمية ويخص المناقصة الحال
تدخلت شهد سريعاً بذكاءٍ وصرامة لتنهي الصراع المشتعل بينهما، فور أن أحست أن بركان غيرة آدم على وشك الانفجار وتهشيم المكان: — «رائد بيه... أنا وآدم شركاء عمل في كيان استثماري كبير ، وانفصالنا الشخصي لا يعني أبداً أننا أعداء في السوق!» تراجع رائد خطوة إلى الخلف، وابتسم بدبلوماسية مستفزة: — «بالطبع، أنا فقط أمزح... فآدم صديق قديم ونعرف بعضنا جيداً.» ثم نظر رائد في ساعة يده الذهبية، والتفت نحو شهد بابتسامة دافئة: — «أعتقد أن هذا هو موعد انصرافكِ المحدد يا شهد هانم... هل يمكن أن نكمل حديثنا العملي والشخصي ونحن نتناول طعام الغداء معاً؟» التفتت شهد نحو آدم، وانتفض قلبها رعباً وشغفاً من مرأى شرار الغيرة المشتعل في عينيه وعضلات فكه المكبوسة، إلا أن عنادها وكبرياءها الجريح قاداها لرفض الخضوع له ؛ فابتسمت لرائد وقالت: — «بالتأكيد... فاليوم كان مجهداً جداً بالنسبة لي وأحتاج لتناول وجبة غداء هادئة الآن.» قال رائد بتهذيب وهو يفتح لها الباب: — «تفضلي أمامي... بعد إذنك يا آدم بيه.» خرجا سوياً، بينما تمتم آدم بين سنانه بصوتٍ حارق يملؤه الغل والتملك: (أيتها الغبية
كانت شهد تعيش صراعًا محتدمًا بين نارين؛ الأولى كبرياؤها الذي يمنعها من التسليم لرأي آدم بسهولة كي لا تبدو ضعيفة أمامه أو تابعة لنفوذه، والثانية عقليتها الإدارية التي تدرك تمامًا أن لآدم خبرة تجارية فذة وأسبابًا قوية وخلفية لا يمكن تجاهلها عند الرفض. استجمعت شهد ثباتها، وأنهت الاجتماع بحرفية ودبلوماسية عالية قائله — «حسناً... سنكثف الدراسة أكثر حول هذه الصفقة والخيارات المتاحة، ونتقابل بعد يومين لاتخاذ القرار النهائي المناسب. يُرفع الاجتماع.» نهض الجميع وتبادلوا التحيات الرسمية. وقبل أن ينصرف آدم، دخلت السكرتيرة بخطواتٍ متسارعة، ومدت يدها بكارت زيارة أنيق نحو شهد: — «شهد هانم... رائد بيه موجود بالخارج ويطلب مقابلتكِ لأمر هام.» قطعت شهد حاجبها باستغراب: — «من رائد بيه؟» أجابت السكرتيرة باحترام: — «إنه رجل أعمال كبير جداً وله استثمارات وفروع متعددة في الخارج، وعاد إلى البلاد منذ أيام قليلة فقط.» لمحت شهد بطرف عينها آدم الذي توقف فجأة عند الباب، وتيبست خطواته ونظراته تشتعل بالغموض. تعمدت شهد إظهار اللامبالاة، ونظرت إلى سكرتيرتها بثبات : — «ح
أصرت شهد بصلابةٍ وشموخ على استقلال سيارتها الخاصة ، وأشارت لسائقها بالبقاء في مكانه. نظرت إلى آدم بنظرةٍ حادة تحدت نفوذه وتملكه، وقالت ببرودٍ قاطع: — «تفضل أنت وجميلة في سيارتك... وأنا سأتبعكما بسيارتي.» استسلم آدم أمام إصرارها، وركب سيارته وهو يزفر بضيقٍ مكتوم. أدار المحرك وانطلق، بينما ظلت حدقتاه في المرآة العاكسة تترقبان سيارة شهد التي تتبعه في الظلام بخطواتٍ منتظمة. وصلوا إلى مطعمٍ وكافيه هادئ يطل على مساحة واسعة من الأضواء الخافتة. هبط آدم وفتح باب السيارة لجميلة، فنزلت وهي في قمة سعادتها وبشرتها تتوهج بهجة؛ فقد تحقق اليوم ما كانت تحلم به منذ سنوات، وأصبحت تتحدث مع آدم البنداري شخصياً وتجلس معه وجهاً لوجه. توقفت سيارة شهد في الساحة، وسارع سائقها بالهبوط ليفتح لها الباب، لكن آدم كان أسرع منه؛ قفز بخطواتٍ واسعة وفتح الباب بنفسه ومد يده إليها. سحبت شهد يدها بذكاء، ونزلت بوقار دون أن تلمسه، وابتسمت لجميلة ببرود ثم تحركت بجوارها نحو الداخل دون أن تلتفت لآدم أو تمنحه نظرة واحدة. وما إن وصلوا إلى الطاولة ودخلوا العتمة الشاعرة بالكافيه ، حتى







