Se connecterانسحبت أروى في هدوء تام، بعدما شعرت أنها تقف في زمان ومكان لا يتسع إلا لقلبين اشتعلا عشقاً، فتركت شهد وآدم هائمين في عالم من النظرات الساحرة التي أذابت كل جدران العتاب السابقة. خرج صوت شهد مبحوحاً يرتجف بالذهول والمشاعر المتضاربة: — «هل... هل فعلت كل هذا حقاً لأجلي يا آدم؟!». اقترب منها آدم خطوة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية تفيض بالشهامة والتملك، وقال بنبرة دافئة ملتهبة: — «منذ اللحظة التي علمتُ فيها أنه حاول مضايقتكِ والمساس بكرامتكِ، أقسمتُ بيني وبين نفسي أن أجعله يبكي دماً على ما اقترفه.. لا عاش ولا كان من يمس شعرة منكِ وأنا على قيد الحياة!». ترقرق الدمع في عيني شهد، ونظرت إليه بامتنان جارف أذاب كل حصونها، وقالت بخجل: — «شكراً لك يا آدم.. حقاً لا أستطيع أن أوفيك حقك، لقد ظلمتك كثيراً بظنوني وشكوكي الغبية!». انحنى آدم بجسده نحوها، وغمز بعينيه بلطف وخبث ساحر: — «لا بأس.. سأرضى بقبلة واحدة فقط تمحو كل أثر لظلمكِ لي!». أنزلت شهد عينيها سريعاً بخجل عارم، وارتبكت أنفاسها وهي تتطلع حولها: — «آدم! أرجوك.. نحن داخل المكتب!». لم يمنحه هذا ال
تنهد آدم بعمق، وظلت نظراته الحادة المليئة بالوعيد مصوبةً كالسهم نحو مراد. حاولت شهد بشتى الطرق الاندحار والابتعاد عن أحضانه بعد أن نهشت كلمات مراد السامة كبرياءها وأثارت شكوكها ، إلا أن آدم تشبث بكتفها بقوة أكبر، وضمها بعمق وإصرار أشد إلى صدره، وكأنه يثبت للعالم أجمع ملكيته لها. وجه آدم كلماته بثبات وقسوة إلى مراد: — «لقد باءت محاولتك الرخيصة للتفرقة بيننا بالفشل الذريع يا مراد.. أليس من الأفضل لك الآن أن تهرب من أمامي فوراً قبل أن أكمل عليك وأكسر ما تبقى منك؟!». استدار مراد بخطوات متثاقلة متجهاً نحو الباب، وقبل أن يغادر، ناداه آدم بنبرة جليلة: «انتظر! لقد أرسلت المحامي الخاص بي لينهي جميع العقود والشراكات المبرمة بيننا بالكامل». استدار مراد ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة مليئة بالاستخفاف: «ولكنك لم تحسب في حساباتك الذكية قيمة الشرط الجزائي الباهظ جداً يا بنداري!». في هذه اللحظة، ترك آدم شهد بخفة، فتراجعت هي للوراء بقلب يخفق بالخوف وهي تتأمل المشكلة المعقدة التي أوقعت آدم فيها، وتبادلت مع أروى نظرات توجس وقلق جارف. توجه آدم بثقة
اندفعت أروى وشهد باتجاه آدم، وأمسكتا بذراعيه العريضتين بكل ما أوتيتا من قوة لمحاولة كبحه وإبعاده عن جسد مراد الملقى على السجاد الفاخر. كان صدر آدم يعلو ويهبط بأجواء متوترة، وعيناه تشتعلان بغضب كاسح يهدد بإحراق كل من حوله. التفت آدم إليهما بنبرة صارمة حادة خنقها الغضب: — «هيا.. اخرجا الآن! اتركونا بمفردنا أنا وهو!». اقتربت أروى منه وضاقت عيناها بتوسل ورجاء، وهمست بصوت مبحوح: — «آدم.. أرجوك ابتعد عنه وكَفَّ عن هذا التهور! أنت تعلم جيداً مكانة مراد عند والدي. . لا تدعه يغضب منك أو تسوء الأمور أكثر!». مسح آدم وجهه بيده ببطء حثيث ، وسحب نفساً عميقاً وعميقاً ليطفئ جمر انفعاله، ثم قال بنبرة جافة كالصلب: — «أبوكِ هو السبب الوحيد الذي يمنعني الآن من الإمساك برقبته وقضمها إلى نصفين! فلا تقلقي.. القليل من الضرب لن يقتله!». في تلك اللحظة، نهض مراد بتثاقل من الأرض، ورفع يده المرتجفة ليمسح خط الدماء الحارقة السائل من طرف فمه. وقف يحاول استعادة هيئته، ثم رمق آدم بنظرة تفيض بالسخرية والمرارة، وقال بنبرة خبيثة يحاول بها غرس الخنجر: — «هل يمكنني أن أعرف لما
تراجع آدم إلى الخلف قليلاً ، ورسّخ ظهر استرخائه على مقعده الجلدي الفاخر، ثم أردف ببرود ورزانة: — «شهد.. نحن لا نتجادل هنا، ولكني أقول هذا من واقع خبرتي الطويلة والقاسية بالحياة. وعموماً.. عندما تبدأ المقابلات وتتواصلين معهم بنفسكِ ، سترين الحقيقة بعينيكِ». تحدته شهد بعينين لمعتا بالإصرار: — «حسناً.. سأثبت لك صحة كلامي ورأي القائل بأن النوايا الطيبة موجودة في كل مكان!». ابتسم آدم ابتسامة جانبية خبيثة، وانحنى بجسده نحوها قليلاً وهو ينظر إليها بنظرة اخترقت ثنايا جسدها وأربكت أنفاسها: — «اتفقنا.. إذا كان كلامكِ صحيحاً، اطلبي مني ما شئتِ وسأنفذه فوراً.. ولكن إن كنتُ أنا المحق، ستفعلين ما أريده أنا بلا اعتراض!». ارتبكت شهد ونبض قلبها بقوة، ثم سألته بتوجس: «وما هو الشيء الذي تريده بالضبط؟!». رد بابتسامة غامضة ونظرة تفيض بالتملك: «ستعرفين وقتها.. في اللحظة المناسبة!». قاطعت أروى حوارهما المكهرب بالتوتر والجاذبية، وقالت وهي تفتح دفتر مدوناتها: — «حسناً يا رفاق.. نحن بحاجة الآن لتشكيل لجنة تنفيذية وإنشاء مقر رئيسي للجمعية الخيرية للبدء فعليا». بادرت شهد بلهفة
اكمل ادم كلامه اليها الأهم الآن أن (أروى) ستصل بعد قليل لتبحث معنا ما ستفعله بالحى، إذا كانت لديكِ الرغبة في الانضمام إلى الاجتماع بالطبع!». ردت بسرعة وسعادة: «بالتأكيد سأنضم! ولكن.. استمر في التدليك لدقيقة أخرى أرجوك!». ابتسم آدم بسخرية ساحرة وانحنى ليرد: «لا يا شهد.. كان هذا العرض مجانياً ولأسباب إنسانية، أما إذا أردتِ الاستمرار فله مقابل باهظ!». التفتت إليه بابتسامة رقيقة وذكية: «لا.. سأكتفي بالعرض المجاني إذن!». انحنى آدم فجأة وبغتة، وقبل رقبتها بحرارة وشغف عند موضع ألمها، وهمس في أذنها بأنفاسه الملتهبة: — «آسف على إغضابكِ هذا الصباح..». تنهدت شهد بجنون، واقشعر بدنها بالكامل من سحر قبلته، فأغمضت عينيها وغرقت في نهر من القشعريرة والذوبان. سحب آدم نفسه ورجع خطوتين للوراء ووقف بالقرب من الباب يبتسم بغرور وتملك وهو يرصد ذوبانها واستسلامها الكامل من مجرد قبلة واحدة خاطفة ، ثم قال بنبرة دافئة: — «عندما تعودين إلى وعيكِ وتستجمعين شتات نفسكِ.. ننتظركِ في مكتبي!». خرج آدم وأغلق الباب خلفه ببطء، وابتسامة واثقة ترتسم على شفتيه. كان عقله يحل
نظرت حور إلى شهد بنظرة ثاقبة يملؤها الحب والذكاء، وابتسمت بتهكم دافئ وهي تقول: — «أرى أنكِ تستدرجينني وتغيرين مجرى الحديث فقط حتى تتنصلي من الإجابة! أجيبي أنتِ بصراحة يا شهد.. هل تحبين آدم؟». تسمرت شهد في مكانها فور سماع السؤال ، وكأن الكلمات اخترقت حصونها المنيعة. انحبس الكلام في حلقها، ونزلت دمعة حارة ساخنة من عينها انشطرت على وجنتها الشاحبة. صمتت لثوانٍ تحاول استجماع شتات نفسها المخضبة بالوجع، ثم قالت بصوت مكسور يقطر حزناً وألماً: — «لم يكن من المفترض أن أحبه أبداً يا حور.. ولكنني أحببته رغماً عني! لقد وعدتُ نفسي سابقاً أن أنتقم منه؛ لأجلكِ أنتِ أولاً ولاجلكِ خصيصاً وما فعله بكِ من قسوة، ثم لأجلي أنا وما تجرعته من ذل وإهانات متكررة وأنا أعمل معه .. ولكن للأسف الشديد، بعد كل ما حدث ، وجدتُ نفسي أقع في حبه، بل أعشقه لحد الجنون! أصبحتُ أخاف أن أخسره، ولا أعرف ماذا أفعل بعاطفتي هذه أمام كبريائي وقسوته!». لم تتطابق الكلمات في جوفها أكثر من ذلك، فارتمت شهد في أحضان حور بانهيار تام، وظلت تبكي بحرقة وتنتحب بصوت خفيض يمزق القلوب . احتضنتها






