LOGINانقضى الأسبوع بلمح البصر ، وكأن الأيام تسابقت لتسليم حور إلى ليلتها الموعودة . احتضنت أروى وفريدة وشهد العروس بحبٍّ صادق ؛ يتبادلن الضحكات ، ويحِفنها بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح ليلة العمر رونقها الخاص . كل زرٍّ يُخاط، وكل طية نور بحاجة إلى تعديل، كانت تُنجَز بأنامل مفعمة بالدفء والمودة، وكأنهنّ يغزلن معاً درعاً من البهجة ليحمين به قلبهنّ المفضّل. وفي الليلة الموعودة، تجلّت القاعة كتحفة معمارية تنبض بالثراء والأناقة الأسطورية؛ سُقفٌ كريستالي يتلألأ بأضواءٍ خافتة تُحاكي نجوم السماء، وسجادٌ مخملي فاخر يتنقل عليه الحضور، بينما انتشرت في الأركان شلالاتٌ من الزهور البيضاء النادرة والياسمين التي تفوح بعطرٍ ثقيل يأسر الأنفاس. عزفت الموسيقى الحية بألحانٍ سيمفونية دافئة، لتضفي على الفخامة المفرطة هالةً من الرومانسية الساحرة. وسط هذا الزَخَم الفاره، كانت حور الملكة المتوجة بلا منازع؛ أطلت بفستان زفافٍ أبيض كالثلج، مُطرزٍ بحبيبات اللؤلؤ والدانتيل الفرنسي الناعم، ينساب بحيوية ملكية يُبهر الأبصار . كانت طرحتها الطويلة تتسلل خلفها كغيمة هادئة، ووجهها ال
نظرت شهد إلى يحيى بيه، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة ودافئة حاولت بها كسر الجمود المحيط بالمكان ، ثم تابعت بنبرة رجاء هادئة: — «هل يمكنني أن آخذ إجازة لنهاية الأسبوع يا يحيى بيه؟ أريد أن أكون مع حور ولنرتب معاً كل متطلبات الزفاف.» تأملها يحيى لبرهة، وكانت ملامحه تشي بحزن مكتوم وثقل استقر في أوراق صدره عقب انصراف ابنه عامر عنه وتعمده الاستقلال بنفسه بعيداً عن ظله. تنفس بعمق وقال بنبرة أبوية متعبة: — «لا بأس يا شهد.. لكِ ما أردتِ، ولكن اتفقي معي أنه لا إجازات أخرى حتى نهاية هذا الشهر ، فالعمل يتطلب وجودكِ.» شعرت شهد بالامتنان وتنهدت براحة: — «شكراً جزيلاً لك يا يحيى بيه، أعدك ألا أقصّر.» في تلك اللحظة، تدخل آدم بنبرة جليدية تهكمية ، ونظراته تخترق شهد بكبرياء صارم: — «يبدو أنك تدلل موظفيك أكثر من اللازم يا يحيى بيه. . الإجازات تُمنح للإنجاز لا للمناسبات!» استدارت شهد إليه فوراً، وتبدلت تعابير السعادة على وجهها إلى شرارات متطايرة من الغضب، وكادت أن ترد، لكن يحيى أنصفها بوقار ورزانة قاطعاً الطريق على آدم: — «شهد موظفة مجتهدة وملتزمة يا آدم ، وأنا على يقين تا
أنفاسٌ متصاعدة، وجوٌّ مشحونٌ ببركانٍ من الغيرة والتوتر عقب انتهاء اجتماع المناقصة المشهود. انفضّ الاجتماع وألمح يحيى بنظرة حادة ونبرة آمرة إلى آدم قائلاً: — «لا تغادر يا آدم.. أَنْتَظِرُك في مكتبي». هزّ آدم رأسه ببرود ظاهري وهو يرفع هاتفه ليجري مكالمة سريعة، متظاهراً بعدم الإكتراث بما يجري حوله، بينما اتجه يحيى بخطوات واثقة نحو مكتبه ، وتلته شهد بوقار ورزانة وهي تحمل ملفات الاجتماع. بعد خمس دقائق، عبر آدم الممر المؤدي لمكتب يحيى بخطوات ثقيلة ومحسوبة. توقف أمام مكتب شهد، ونظر إليها بنظرة جليدية يغلفها كبرياء جريح، وقال بنبرة طافحة بالاستعلاء: — «أعطي رئيسكِ خبراً أنني هنا!». رفعت شهد رأسها بجمود، ولم ترد على أن أشارت بيدها بخفة ونبرة جافة نحو باب المكتب المغلق: — «تفضّل.. إنه ينتظرك في الداخل». تسمّر آدم في مكانه، واقترب منها خطوة خطيرة جعلتها ترتجف داخلياً، ثم قال بصوت خفيض يقطر بالتهكم والغيرة المشتعلة: — «أَلَنْ تفتحي الباب؟! أليس هذا من ضمن عملكِ كسكرتيرة مكتب.. أم أنكِ ما زلتِ بحاجة إلى سالم ليحتضنكِ كما فعل في القاعة؟!». وقفت شهد فجأة، واشتعل وجهها بحمر
لم تستطع شهد النوم؛ كان جسدها ينفض برداً مبهماً تسلل إلى أطرافها. قامت من فراشها بتثاقل متجهة نحو النافذة لتغلقها، وفي تلك اللحظة بالذات، دارت محركات سيارة أدام جبارة في الشارع المعتم أسفل البناية، وانطلقت مبتعدة. لمحت شهد السيارة من بعيد وهي تبتعد تحت أضواء الأعمدة الباهتة. تجمدت يدها على إطار النافذة لثوانٍ، وسرت قشعريرة في جسدها، لكنها ابتسمت بسخرية مريرة وهزت رأسها قائلة لنفسها: «أنتِ تتوهمين بالتأكيد يا شهد.. إنها مجرد سيارة تشبه سيارته، هو الآن يقسي قلبه ولا يفكر بكِ». أغلقت النافذة بإحكام، وعادت إلى فراشها لتستسلم لنومٍ خفيف استعداداً لمعركة الغد التي تأجلت بسببه. أشرقت شمس اليوم التالي محمّلة بتوتر مكتوم. استيقظت شهد وهي تحمل في داخلها إصراراً جديداً؛ أرتدت بدلتها الرسمية الأنيقة، واختارت أسفل السترة "توب" مفتوح الصدر قليلاً بشكل يبرز جمالها المثير بكبرياء ودون ابتذال، ورفعت شعرها الذهبي بطريقة جذابة كشفت عن طول عنقها المرمري ونعومته. كانت طلتها كفيلة بأسز كل الأنظار وجعلها محط الاهتمام بمجرد دخولها أي مكان. وفي الجانب الآخر، كان آدم ينهي ارت
لم يستوعب آدم كلمة واحدة مما دُار في مناقشة المناقصة ؛ كان ذهنه مُعطلاً تماماً، وعيناه الشاخصتان تلاحقان حركات شهد المتزنة بجوار خصمه اللدود. قطع يحيى هذا الصمت المخيم عليه بنبرة تحمل من الاستفزاز أوجَه، حين التفت إليه مستفسراً: — «ما رأيك يا آدم بيه؟ هل أنت معنا في هذه الشراكة أم لك رأي آخر؟». لم يجبه آدم عن المناقصة، بل أدار رأسه نحو شهد بثبات جليدي، ونطق بأمرٍ حاد قاطع يقطر بالاستعلاء: — «أحضري لي ماءً!». تدخل يحيى فوراً وبلهجة دبلوماسية حاول بها حمايتها من تحكمات آدم: — «من فضلكِ يا شهد، أرسلي أحد العمال ليجلب الماء لآدم بيه». لكن شهد ابتسمت ببرود، وقالت بلهجة عملية ومستقرة: — «سأحضره بنفسي لآدم بيه.. لا مشكلة». تحركت بخطوات واثقة، وعادت بعد لحظات تحمل زجاجة ماء وكوباً زجاجياً شامخاً. اقتربت من مقعده، وانحنت أمامه بتمهل أظهر إتقانها لدورها الجديد. فتحت الزجاجة بهدوء، وصبت الماء في الكوب بتركيز، وما إن رفعت يدها لتمد الكوب نحو قبضته، حتى أفلتته سريعاً بحركة متقنة ومفاجئة ، لينسكب السائل البارد بكامله غزيراً على صدره وقميصه! تجمّد الم
مرّ أسبوع كامل منذ أن وطأت قدم شهد مقر شركة "يحيي للإنشاءات" بصفة سكرتيرة خاصة ليحيى. وطوال تلك الأيام، اكتشفت جانباً مختلفاً تماماً في هذا الرجل؛ لم يكن فقط الشخص الماكر الذي يحيط نفسه بالشبهات ، بل كان رجلاً حازماً، دقيقاً، وله وزن وثقل كبيران في السوق العقاري . كانت شهد تراقبه وتسجل كل تفصيلة عمل في صمت، تمتص الخبرة وتستوعب آليات إدارة هذه الامبراطورية بسرعة فائقة. وفي المقابل، لم يكن يحيى غافلاً عنها؛ بل كان يرقبها بعين صقر لا تنام . ألقى أمامها بذكاء خبيث ملفات ومعلومات ذات أهمية بالغة ليختبر مدى إخلاصها وجدارتها بالثقة، فدهشه ما رآه. كانت شهد نموذجاً للانضباط والاجتهاد ؛ تناقشه في تفاصيل التقارير بوعي ودقة وكأنها تعمل في هذا المجال منذ سنوات، مما أثار إعجابه وجعله يتيقن من كفاءتها. دنت شهد من مكتبه بخطوات متزنة، وقالت بنبرة عملية واثقة: — «يحيى بيه، موعد اجتماعك مع أعضاء مجلس الإدارة بعد ربع ساعة». رفع يحيى رأسه من بين الأوراق ، وأومأ بنظرة فاحصة: — «حسناً يا شهد.. احضري معكِ أوراق المناقصة الجديدة. هل جهزتِ التقارير جلياً كما ط







