LOGINلم يكن صوت الفحيح الميكانيكي المنبعث من جهاز اللاسلكي الملقى فوق الفراش المخملي مجرد نعيٍ لـ كبرياء نجع الراوي، بل كان عاصفة صاعقة اقتلعت جذور الأمان من صدر "قاسم الراوي" لتتركه وحشاً كاسراً جُرِّد من روحه. تجمعت الأنفاس في صدره العريض، وبرزت عروق جبهته كـ حبال قُدّت من جمر بركاني ثائر. عيناه الصقريتان اللتان حدقتا في أثر غاز الاختطاف الأزرق وفي شال سلطانه الأسود المطمور بالتراب، تحولتا إلى كتلتين من اللهب القاتل الذي يهد الصخور.
عشر دقائق! ستمائة ثانية فقط تفصل بين حياة "ليلى" وتحولها إلى جثة مهدورة الدم تحت نصل أبيها الملعون "جلال السيوفي" في "مذبح الصخر القديم" بأعلى قمم الجبل الشرقي.
لم يلتفت قاسم لجراحه النازفة بوضوح من كتفه وصدره، ولم يهتم لـ سم الخنجر الشناوي الذي كان يغلي في عروقه؛ فـ غيرة التملك الشرسة والجنون الأعمى لـ وردته ليلى فجرت في أوصاله قوة غاشمة لا تحكمها قوانين البشر. سحب بندقيته الآلية الثقيلة بـ كف حديدية برزت عظامها، وعمّرها بصوت حديدي مرعب تردد صداه كـ زئير الرعد في أركان السرايا الفارغة، وزأر بصوت جهوري شق سكون الفجر:
ـ "يا هوارة واصل!! السلاح!! ميتين مقاتل يطوقوا قمم الجبل الشرقي في ثوانٍ معدودة! الخيل والسيارات تتحرك كـ الإعصار، وال والـله الليلة مفيش أسير ومفيش رحمة.. اللي ع يقف بيني وبين ليلى، ع يكون كفنه تراب الجبل للحال النهار ده!!"
انطلق قاسم كـ السهم الموتور؛ ركب جواده الأسود وعم الفوضى والذعر في باحة السرايا الكبيرة وهو يندفع بـ سرعة البرق يقطع دروب الجبل الصخرية الوعرة، وخلفه انطلقت مدرعات وسيارات رجاله الثقات يثيرون عاصفة من الغبار الكثيف غطت وجه الشمس الضحية البازغة خفية وراء السحب الرمادية. كان يركض والوقت يحترق في عقله كـ بارود مشتعل، وروحه تصرخ بـ اسم واحد ذبحت به الغيرة ضلوعه: "ليلى.. سلطانة قلبي".
وفي ذات الساعات المخنوقة بالأنفاس، عند "مذبح الصخر القديم" بأعلى قمة الجبل الشرقي، حيث تلتقي السماء بـ الصخور الصارمة الحادة، كان المشهد يوقف الدماء في العروق.
الرياح العاتية كانت تطلق صفيراً مخيفاً يشبه نحيب الأشباح، وتحت ضوء مشاعل زيتية ضخمة زرعها رجال جلال السيوفي، كانت "ليلى" راكعة على ركبتيها، مقيدة بـ سلاسل حديدية ثقيلة إلى صخرة المذبح العتيقة الملطخة بـ دماء التار القديم. ثوبها الأبيض الحريري الناعم كان ممزقاً عند الأكتاف ومغطى بـ غبار الاختطاف، وشعرها الأسود الطويل ينسدل كشلال غسق متمرج فوق كتفيها النحيلين، لكن عينيها الواسعتين لم يكن فيهما رعب واصل؛ بل كان فيهما نور الكبرياء والجبروت الذي تشربته من أحضان قاسم.
وبجانبها كانت تقف نورهان وفرحة بـ قيود حديدية غليظة، ودموعهما تنهمر بـ لوعة وانكسار. وحولهم ينتشر عشرون من رجال الكوماندوز الأشداء بـ حُفلهم العسكرية السوداء وأسلحتهم الحديثة الكاتمة للصوت. وفي منتصفهم، كان يقف الطاغية "جلال السيوفي".. معطفه الجليدي الفاخر يطير مع ريح الجبل، وساعته الذهبية تلمع بـ وميض مريب، وعيناه الزرقاوان الباردتان تقطران بـ لؤم ومكر شيطاني لا يرحم.
كان جلال يمسك بـ يده اليمنى خنجراً مسموماً طويلاً، نصله الفضي يلمع بـ بريق خبيث تحت ضوء المشاعل الراقصة. اقترب من ليلى بـ خطوات ثقيلة، ورفع وجهها الحاد بـ أصابعه القاسية بـ عنف اعتصر أنفاسها، وقال بصوت أجش ضاحك:
ـ "العداد ع يتحرك بـ سرعة يا سلطانة قاسم الراوي واصل! قاسم خرج من سجن طرة بـ كلمتي، ودلوقت ع يعود لـ داره المهدوم عشان يشوف ورث الدم الحقيقي! لو مأجاش ومأركلش تحت رجلي ومضى على قرار الوراثة للمنظمة الكبرى بـ مصر، فـ أنا ع أكون جزاركِ الليلة بـ الخنجر المسموم ده بـ دم بارد، وع أدفن اسم عيلة الراوي تحت صخر المذبح ده في ثوانٍ معدودة!"
رفعت ليلى رأسها بـ ثبات وعناد زلزل ثقة الحراس من حولها، وبصقت تحت قدميه بـ كبرياء صعيدي أصيل، وقالت بصوت قوي جهوري:
ـ "اضرب.. اعمل اللي ع تدر عليه يا خاين يا كلب واصل! بس خابر زين؟ قاسم الراوي ملوش دم من دمك العفن، وقاسم سلطان الجبل بعهد العشق والحق اللي انكتب بيننا بالدم والنار! لو فكرت تلمس طرف شالي، فـ زوجي الليلة ع يقلب القمم دي فوق راسك وع يطحن عيلتك وجيوشك بـ يديه العاريتين! إحنا طهرنا الأرض من تعالبك، وإنت مجرد شبح ملوش قبر واصل اهنه!!"
ـ "اخرسي!!" زعق جلال بـ غضب صاعق، وقرب النصل المسموم الحاد من عنقها المخملي المكشوف حتى سالت قطرة دم حمراء قانية صبغت ثوبها الأبيض، وصاح بـ جنون تملك: "قاسم ابني بـ أوراق وأختام الدولة القديمة، وع يعود لـ طاعتي بـ غصب أو طوع الليلة، وإنتي ع تكوني الثمن!"
[ 00:52 ] .. [ 00:51 ] .. [ 00:50 ]
أقل من دقيقة واحدة تفصل المذبح عن الفناء والذبح الشامل! الأرقام الحمراء القانية للجهاز اللاسلكي المعلق بـ حزام جلال كانت تتحرك بـ سرعة مروعة تحبس الأنفاس وتجمد الدماء في العروق.
وفجأة، وبدون أي مقدمات، انفتحت أبواب الجحيم عند المنحدر الشرقي للمذبح! دوت صرخة حرب رعدية وصاخبة شقت عنان السماء وزلزلت أركان الجبل الشرقي بالكامل، متبوعة بـ صوت ضرب نار كثيف وغاشم من البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة!
تحطمت المشاعل الزيتية وتطاير الشرر كالمطر المشتعل وسط الدخان الكثيف، وانطلقت صيحات الذعر بين رجال الكوماندوز:
ـ "الغدر جِه من بطن الصخر!! السلطااان!! سلطان الجبل وصل اهنه ومعه جيش من المقاتلين واصل!!"
انفجر الحائط الصخري الأمامي للمذبح بـ قذيفة يدوية أطلقها رجال قاسم بـ خطة محكمة، ومن بين سحب الدخان والوميض البرتقالي للنيران، اندفع "قاسم الراوي" كـ المارد الجريح الكاسر الموتور. لم يكن يبدو كبشر؛ بل كان إعصاراً مدمراً من الغضب والتملك الشرس والغيرة المجنونة لحماية سلطانة قلبه. عباءته السوداء كانت تطير خلفه كالعاصفة، وصدره العاري المملوء بالدماء يعلو ويهبط بـ عنف، وعيناه الصقريتان تروح وتيجي بـ بريق أحمر قاتل.
بـ لمح البصر، وقبل أن يرفع الحراس أسلحتهم الحديثة، انطلقت الرصاصات من بندقية قاسم بـ دقة مروعة حصدت الأرواح بدم بارد. تساقط أربعة من رجال الكوماندوز صرعى في ثوانٍ معدودة، وتلوثت الصخور بدمائهم العفنة. التفت جلال السيوفي بـ رعب وذهول مطلق، وحاول سحب نصل خنجره لـ ذبح ليلى فوراً لإنهاء الحكاية، لكن قاسم كان أسرع من خطف البصر بـ قوة العشق الطاغية.
ألقى قاسم بـ بندقيته عندما نفدت الذخيرة، وبـ حركة انتحارية غاشمة، اندفع بـ كامل جسده الضخم وفوقه عبء جراحه ونزيفه، وألقى بـ نفسه فوق أبيه الملعون جلال السيوفي! التحم الاثنان في معركة دموية طاحنة فوق صخر المذبح القديم؛ كان قاسم يضربه بـ قبضتيه الحديديتين بـ غل وجنون تملك روحه لأجل ليلى، وصوته الرخيم العميق يخرج كـ زئير وحش يمزق أحشاء الليل:
ـ "عاوز تلمس مرتي يا كلب؟! عاوز تذبح سلطانة الجبل والقلب في داري؟! الأوراق وال نَسَب الملعون ده ع أدفنه بدمك الليلة جوة باطن الأرض واصل!! أنا مانيش ابنك، أنا السلطان بعهد الحق والعناد!!"
حاول جلال السيوفي بـ مكره ودهاء الأفاعي طعنه بـ خنجر خفي كان يخبئه في معطفه الفاخر، ليستقر النصل بـ عمق في كتف قاسم المصابة مجدداً بـ ذبح حارق! أطلق قاسم صرخة ألم مكتومة ورعدية هزت قمم الجبل، لكن الألم فجر في عروقه قوة صعيدية خارقة وجنون عشق لا يلين؛ قبض على معصم جلال وبكل قوته لواه لـ يسمع صوت تفتت وتحطم عظام يده بوضوح، لـ يطلق الطاغية صرخة قهر رعباً من جبروت السلطان.
انتزع قاسم الخنجر من كتفه بدم بارد، وبكل ما أوتي من غل وتملك، غرس النصل بـ عمق في صدر أبيه الملعون جلال السيوفي بـ ضربة واحدة صاعقة حطمت ضلوعه وأنهت حياته في ثوانٍ! اتسعت عينا جلال بذهول مطلق وشحوب قاتل وهو ينظر لـ ولده، وتهاوى جسده الفاره جثة هامدة تتلوى وسط تراب المذبح، لتنتهي صفحة الشيطان الأكبر والممول الأول للسلاح للابد بدم بارد وتحت مداس رجلين السلطان.
هدأت المعركة فجأة في أركان المذبح بعد أن قهر رجال قاسم بقايا الكوماندوز بـ لمح البصر. ساد القمة سكون رهيب، دافئ، لم يقطعه سوى أنفاس قاسم المتلاحقة والثقيلة وهو يقف وسط أدخنة البارود. التفت ببطء نحو الصخرة العتيقة حيث ليلى مقيدة بـ السلاسل؛ سقط الخنجر من يده الملطخة بالدماء، وتحولت عيناه الصقريتان الموتورتان في ثانية واحدة لـ نظرات تفيض بـ لوعة وعشق وخوف قاتل لم يختبره طوال حياته.
ركض نحوها بـ خطوات متعثرة، وجثا على ركبتيه أمامها بـ ضعف عاشق استعاد روحه وعرشه من جوف القبر. بـ استخدام قطعة حديدية وبندقيته، أخذ يضرب السلاسل بـ جنون واستماتة هستيرية حتى تكسرت الأقفال وتحررت يداها الباردتان النحيلتان.
بمجرد أن تحررت، لم تتردد ليلى لـ ثانية واحدة؛ ارتمت بـ كامل جسدها في حضنه العريض، ودفنت وجهها في عنقه وهي تبكي بـ حرقة وقهر، واختلطت دموعها الصافية بـ دماء جراحه الساخنة في مشهد رومانسي طاغٍ زلزل كيان الجبل الشرقي بأسره. سحبها قاسم لـ أحضانه بـ قوة هائلة كادت تطحن عظام صدرها، يعانقها بـ جنون ملك استعاد سلطانة قلبه وعمره كله، وطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم الدموع بـ حرارة البارود والتملك الأعمى الشرس، غمرها بـ أحضانه كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من رصاص الغدر وشكوك النَسَب الملعون.
ـ "ليلى.. إنتي زينة يا روح السلطان واصل؟! عملوا فيكي حاجة؟! انطقي قبل ما روحي تطلع!" همس قاسم بـ صوت مخنوق تملؤه الرجفة لأول مرة في حياته، وهو يمسك بـ وجهها بين كفيه الضخمين ويمسح الغبار والدم عن وجنتيها بـ حنان ولوعة لا تصدق.
نظرت ليلى في عينيه الحمراوين، وبيدين ترتعدان مسحت الدماء عن جبهته وفكه العريض، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية الحارقة والعشق الشرس:
ـ "أنا زينة طالما إنت جمبي وفي حضنك يا قاسم واصل.. كنت خابرة إنك عتيجي تكسر قضبان الحديد وسجون مصر عشان وردتك وسلطانتك! أنا ماليش عمر ولا دار بره حدود ضلوعك، وعشقي ليك ع يفضل قايد ويحرق كل خائن ومؤامرة في الدنيا دي كلها! إنت سلطاني وحبيبي وزوجي ليوم الدين!"
أنزل قاسم رأسه وطبع قبلة عميقة دافئة على شفتيها ثبتت عهد تملكه الجنوني لها، وانضمت نورهان وفرحة بـ دموع صافية غسلت أوجاع الماضي وقهر التار القديم، لـ يتعانق التوائم الثلاثة بـ أمان وسلام طهر أرض المذبح من غدر السنين بـ فضل قلب السلطان وجبروته.
حمل قاسم ليلى بين يديه الضخمتين بـ رفق شديد كأنها جوهرة العرش، وخرج بها وبـ شقيقاتها نورهان وفرحة وسط حراسة مئات الرجال الشجعان، وأركب ليلى أمامه على ظهر جواده الأسود ولف حول جسدها وشاحه الصوفي الثقيل ليحميها من برد الصباح، وتحرك الموكب المهيب العاصف عائداً نحو السرايا الكبيرة بـ نصر أسطوري زلزل الصعيد بحاله. أُشعلت الأنوار بالكامل، وانطلقت الزغاريد بـ الآلاف من نساء نجع الراوي وعائلات أبو المجد الذين خرجوا بـ فرحة وهتافات هزت أركان الجبل الشرقي؛ فـ السرايا صمدت بـ كبرياء ملوك الصعيد، وجلال السيوفي تفحم تحت أقدام العرين، والصلح النهائي انكتب بالدم والعشق الحارق.
وقف قاسم الراوي بـ طوله الفارع وجلابه الأسود وضخامته الطاغية في الشرفة الكبيرة المطلة على الساحة، ويداه متشابكتان بـ قوة بـ يد ليلى، وبجانبهما نورهان وفرحة والأم نبيلة بـ دموع صافية تمنت لـ ولدها وزوجته السعادة والاستقرار، لـ يعلن للكون كله تربع العشق الحقيقي فوق عرش الجبل بعهد الحق والكرامة. انحنى قاسم برأسه نحو ليلى، وطبع قبلة حارة طويلة فوق وشم الوردة المرسوم على يدها، ونظر في عينيها الواسعتين بـ نظرة تملك رهيبة وقاتلة عتقول "إنتي وبس"، وهمس لها وسط هتافات النجع وصوت المزامير الصاخبة:
ـ "الوردة خلاص نبتت في صخر الجبل يا وردتي.. وعشقنا عيفضل عايش اهنه ويحرق أي خائن ومؤامرة لحد ما الموت يفرق بيننا. إنتي سلطانة عمري كله واصل."
ابتسمت ليلى وعيناها تلتمعان بـ بريق النصر والحب، ودفنت رأسها في صدره العريض، لتنتهي معركة جلال السيوفي بـ انتصار العشق الأسطوري الحقيقي الذي روض الجبال.
ولكن، بينما كان النجع غارقاً في الزغاريد والاحتفالات بـ الفجر الجديد الصافي، تحركت فجأة الأرض من تحت أقدامهم في باحة السرايا الكبيرة بـ وميض مريب وصوت صفير الكتروني خافت للغاية! انقطعت أنفاس الحراس الثقات، وتجمدت الحركة في ثانية واحدة بـ ذعر وجنون؛ فـ قد تبين أن "جلال السيوفي" قبل صعوده للمذبح، كان قد زرع بـ خفاء تام "نظام تفجير هيدروليكي كيميائي صامت وحديث للغاية" تحت أساسات السرداب السفلي الرئيسي للسرايا، نظام مبرمج إلكترونياً لـ ينفجر تدميرياً بـ ارتداد زلزالي شامل يمحو النجع بـ كامله في حالة توقف نبضات قلب جلال بـ مسدس قاسم!
وفجأة، وبدون مقدمات، انطلقت الشاشة الرقمية الصغيرة المخبأة في عمود الشرفة الرئيسي لتضيء بـ أرقام حمراء قانية ومروعة، وبدأ العد التنازلي الانتحاري بـ سرعة مذهلة تحبس الأنفاس وتجمد الدماء في العروق:
[ 00:10 ] .. [ 00:09 ] .. [ 00:08 ]
أقل من عشر ثوانٍ فقط تفصل السرايا والتوائم الثلاثة والسلطان والنجع كله عن الفناء والزوال الشامل!! مفيش وقت للفرار، ومفيش مخرج ولا هرب واصل بره الأسوار، والأرقام الحمراء تتحرك نحو الصفر بـ سرعة البرق!
تصلبت ملامح قاسم الراوي بـ شكل مرعب لم يشهده الصعيد بـ أسرها، واشتعل البركان الصاعق والجنون الأعمى في عينيه الصقريتين بـ غيرة تملك شرسة وقاتلة، وبـ حركة طاغية ومجنونة بـ عشق جارف تخطى حدود الكون، قذف بـ جسده الضخم وبنيته العضلية الفارهة لـ يرتمي فوق جسد سلطانته ليلى وشقيقاتها نورهان وفرحة وأمه نبيلة بـ كامله، ويلف حولهم عباءته وبكل جوارحه لـ يحميهم بـ صدره العاري من الموت القادم، وعيناه الصقريتان تلاقت بـ عيني ليلى في ثانية واحدة حارقة تجمعت معها الأنفاس وتوقفت دقات القلوب بـ رعب مروع، بينما انخفض العداد الرقمي في ثانية واحدة لـ يصل لـ:
[ 00:01 ]
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟
بعد أن تجاوزا كهوف التاريخ، انفتح أمام ليلى وسليم ممرٌّ طبيعيٌ شاهقٌ يُعرف في أساطير الجبل بـ "وادي الصمت". لم يكن مجرد مكانٍ خالٍ من الضجيج، بل كان فراغاً مشحوناً بطاقةٍ غامضة، وكأن الهواء فيه كُثف ليصبح وسطاً ناقلاً للمشاعر لا للأصوات. بمجرد أن وطئت أقدامهما رماله الفضية، تلاشى هدير الرياح، وخمدت أنفاسهما القلقة، وكأن الوادي يمتص القدرة على النطق كما يمتص الغسقُ النورَ الأخير. كان الصمتُ هناك ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن ويثقل كاهل الروح، جاعلاً من أبسط حركةٍ تبدو وكأنها صرخةٌ مدوية.سار سليم في المقدمة، يده على خنجره، عيناه تجولان في الأفق بحذرٍ عسكريّ، بينما كانت ليلى تتبعه، تحاول بكل قوتها أن تضبط إيقاع أنفاسها. كان الصمت يضغط على أعصابهما لدرجة أن سليم أصبح يسمع دقات قلبه، وكان يشعر وكأن أفكارهما المتوترة تتصادم في الهواء كشراراتٍ مجهرية. لم يكن بوسعهما التحدث لكسر هذا الحصار الخانق، ففي "وادي الصمت"، يُقال إن أي كلمةٍ تنطقها قد تكون الأخيرة، لأنها تفتح ثغرةً في أمان المكان وتجذب الكيانات التي تعيش في طيات السكون.فجأة، وبدلاً من الحجارة الصماء، بدأت ليلى ترى شيئاً يلمع
استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجد







