Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / زئيرُ العاصفة.. ووشاحُ العشقِ المغموسِ بالدم

Share

زئيرُ العاصفة.. ووشاحُ العشقِ المغموسِ بالدم

last update publish date: 2026-05-22 17:00:00

الليل في الجبل الشرقي لم يكن مجرد غياب للشمس، بل كان كفناً أسود يلتف حول الصخور الحادة، يبتلع الأصوات ويخفي في طياته أسراراً عمرها عقود. لكن الليلة، انكسر صمت الجبل تحت وطأة حوافر الخيل وصوت محركات سيارات الدفع الرباعي التي كانت تقيد الصخور بـ وميض كشافاتها القوية.

في المقدمة، كان "قاسم الراوي" يقود الإعصار. لم يكن يرى أمامه سوى وجه "ليلى"، عيناه الصقريتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بالدم، كانتا تخترقان عتمة الليل بحثاً عن أي أثر لوردته المخـتطفة. العباءة الكشميرية الفاخرة ألقاها خلفه في باحة السرايا، وبقي بجلبابه الأبيض الذي تلطخ سريعاً بغبار الجبل، وسلاحه الآلي الثقيل معلق على كتفه كأنه امتداد لجسده الضخم.

عروق جبهته كانت بارزة كحبال من نار، وكلما تذكر كلمات "فرحة" ونحيبها، كان يضغط على مقود جواده بقوة كادت تحطم العظام.

ـ "يا سلطان!!" ركض أحد الحراس الثقات بجواده حتى حاذاه، وصاح بصوت مرتجف من هول غضب السلطان: "رجالتنا قفلوا كل المنافذ اللي عتودي للمركز، والنجع الجواني كله تحت رجلينا.. بس مطاريد الجبل خابرين دروب سرية تحت الأرض، والظاهر إنهم سحبوا الست ليلى للمغارة القديمة بتاعة أدهم الهواري!"

لم يلتفت قاسم إليه، بل خرج صوته زئيراً جريحاً هز أركان الصخور:

ـ "لو كانت تحت الأرض عأحفر الصخر بظافري وأطلعها! ولو كانت في حواشي الموت عآخذها من يد عزرائيل واصل! السلاح يا رجال!! الليلة مفيش أسرى.. اللي عيقف قدامنا، ملوش دية غير طلقة بين عيونه!"

في تلك الأثناء، في عمق الجبل الشرقي، داخل مغارة عتيقة تفوح منها رائحة الرطوبة والبارود القديم، كانت "ليلى" تبدأ في استعادة وعيها ببطء. شعرت بثقل شديد في رأسها، وجفاف حارق في حلقها جراء الغاز المخدر. حاولت تحريك يديها، لتكتشف أنها مقيدة بسلاسل حديدية غليظة إلى عمود صخري في منتصف المغارة.

فتحت عينيها بتثاقل، لتجد نفسها محاطة بخمسة من الرجال الملثمين، يرتدون ثياباً رثة ويحملون بنادق قديمة.. بقايا رجالة أدهم الهواري ومطاريد الجبل الذين رفضوا أن تنتهي الحرب. وفي منتصفهم، كان يقف رجل ضخم الجثة، ذو عين واحدة مشوهة، يمسك في يده كرباجاً جلدياً غليظاً، وينظر إليها بغل دفين.

ـ "صحيـتِ يا سلطانة الجبل؟" قالها الرجل ذو العين الواحدة بصوت أجش مقزز، وهو يقترب منها ويهز الكرباج في الهواء ليرن صوته في المغارة. "كنتِ فاكرة إن بموت عثمان ومنصور وأبو المجد، النجع عيصفى ليكي و لـ ولد الراوي؟ لا يا بنت أبو المجد.. الحرب دي إحنا اللي قيدناها، وإحنا اللي ع ننهيها الليلة بدمك!"

رفعت ليلى رأسها بكبرياء صعيدي أصيل، رغم التعب والألم الذي يعصف بجسدها. نظرت في عينه الواحدة بثبات مذهل، ولم تطرف رموشها، وقالت بنبرة حاسمة هزت ثقة الملثمين من حولها:

ـ "اضرب.. اعمل اللي ع تدر عليه يا خاين! بس خابر؟ سلطان الجبل مش ع يسيبكم واصل.. قاسم الليلة ع يقلب الصخور دي فوق رؤوسكم، واللي ع يمس طرف شالي، ع يكون بيمضي على كفنه بيده! إحنا طهرنا النجع من أسيادكم، وإنتو شوية تعالب مالكمش جحور!"

ـ "اخرسي!!" صرخ الرجل بغضب صاعق، وهوى بالكرباج بقوة على الأرض بجانب قدميها، ليطير الغبار في وجهها. "قاسم الراوي ملتهي دلوقت في سرايته، ورجالنا قفلوا عليه الطرق.. وإنتي ع تكوني القربان اللي ع نكسر بيه هيبته! أدهم الهواري مات بسببه، وأبو المجد تفحم بسببه، والنهاردة ع نبعت له جثتك في شوال عشان يعرف إن السلطان مابيحكمش الجبل لوحده واصل!"

تقدم الرجل نحوها وسحب نصل سكين حاد من جيبه، وقربه من عنقها بدم بارد. لكن ليلى لم تبكِ ولم تتوسل؛ كانت مغمضة عينيها وهي تهمس باسم واحد فقط.. الاسم الذي أصبح ينبض به قلبها بدلاً من الدماء: "يا قاسم.. يا سلطاني"، كانت تعلم في أعماق روحها أن بركان عشقه لن يتركها تحترق وحدها.

وفجأة، وبدون أي مقدمات، دوت صرخة رعب من خارج المغارة، متبوعة بصوت ضرب نار كثيف وغاشم زلزل أركان الكهف الصخري. تساقطت بعض الحجارة الصغيرة من السقف، وتعالت صيحات الملثمين بالخارج:

ـ "الغدر جِه من تحت الأرض!! السلطااان!! سلطان الجبل اهنه!!"

انفجر باب المغارة الضيق بعد أن دكته قذيفة يدوية أطلقها رجال قاسم. وتطايرت الشظايا وسط الدخان الكثيف، ومن بين الوميض البرتقالي للنيران، اندفع قاسم الراوي كالفهد الكاسر الموتور. لم يكن يبدو كبشر؛ بل كان إعصاراً من الغضب والتملك الأعمى.

بـ لمح البصر، وقبل أن يرفع الحراس أسلحتهم، انطلقت الرصاصات من بندقية قاسم بدقة قاتلة ومروعة. تساقط ثلاثة من الملثمين صرعى في ثوانٍ معدودة، والدماء تلوثت بها جدران المغارة. التفت الرجل ذو العين الواحدة برعب، وحاول سحب ليلى ليتخذها درعاً بشرياً مجدداً، لكن قاسم كان أسرع من خطف البصر.

ألقى قاسم بسلاحه جانباً عندما نفدت الذخيرة، واندفع بكامل جسده الضخم وفوقه عبء جراحه القديمة، وألقى بنفسه فوق الرجل. التحم الاثنان في معركة دموية طاحنة فوق صخور المغارة. كان قاسم يضربه بقبضتيه الحديديتين بـ غل وجنون لم يسبق له مثيل، وصوته يخرج كزئير وحش يدافع عن أنثاه:

ـ "عاوز تلمس مرتي يا كلب؟! عاوز تمس سلطانة الجبل؟! الليلة ع أقطع خبرك بيدي!!"

حاول الرجل طعنه بالسكين، ليستقر النصل في ذراع قاسم المصابة. أطلق قاسم صرخة ألم مكتومة، لكن الألم فجر في عروقه قوة مضاعفة؛ قبض على يد الرجل وبكل قوته كسر معصمه ليسمع صوت تفتت العظام في رعب المغارة، ثم سحب السكين وغرسها في قلب الخائن ليتهاوى جثة هامدة وسط التراب.

هدأت المعركة فجأة، وساد المغارة صمت لم يقطعه سوى أنفاس قاسم المتلاحقة والثقيلة. التفت ببطء نحو العمود الصخري حيث كانت ليلى مقيدة. سقطت السكين من يده الملطخة بالدماء، وتحولت نظراته الصقرية المرعبة في ثانية واحدة إلى نظرات تفيض بـ لوعة وعشق وخوف قاتل لم يختبره طوال حياته.

ركض نحوها بخطوات متعثرة، وجثا على ركبتيه أمامها. بـ استخدام قطعة حديدية مدببة، أخذ يضرب السلاسل بـ جنون واستماتة حتى تكسرت الأقفال وتحررت يداها الباردتان.

بمجرد أن تحررت، لم تتردد ليلى لثانية واحدة؛ ارتمت بكامل جسدها في حضنه العريض، ودفنت وجهها في عنقه وهي تبكي بحرقة وقهر، واختلطت دموعها بدماء جراحه النازفة. سحبها قاسم لـ أحضانه بـ قوة هائلة كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليخفيها عن عيون الدنيا بأسرها. كانت ضمة طاغية، مجنونة، ضمة ملك كاد أن يفقد عرشه وروحه واستعادهما من جوف الموت.

ـ "ليلى.. إنتي زينة؟ عملوا فيكي حاجة واصل؟ انطقي يا روح السلطان!" همس قاسم بصوت مخنوق تملؤه الرجفة لأول مرة، وهو يمسك بوجهها بين كفيه الضخمين ويمسح الغبار عن وجنتيها بحنان لا يصدق.

نظرت ليلى في عينيه الحمراوين، وبيدين ترتعدان، مسحت الدماء النازفة من ذراعه وجبهته، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية والعشق الحارق الذي ولد من رحم هذا الجحيم:

ـ "أنا زينة طالما إنت جمبي يا قاسم.. كنت خابرة إنك ع تيجي، كنت خابرة إن الجبل مابيسيبش وردته تدبل في يد الغريب. أنا مابقاش ليا عمر بره حضنك يا سلطاني."

أنزل قاسم رأسه وطبع قبلة حارة، طويلة وعميقة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم الدموع بمرارة البارود وعذوبة العشق الحقيقي الذي تخطى كل جبال الكبرياء والشك. ضّمها إليه مجدداً وهو يهمس بفحيح تملك حاسم:

ـ "إنتي مابقيتيش مجرد مراتي يا ليلى.. إنتي بقيتي نفسي اللي ع أتنفسه، والنهاردة النجع كله ع يعرف إن اللي يفكر بس يمر قدام خيالك، ع يكون حسابه معايا في القبر واصل. عيلتكم وعيلتي ماتوا الليلة، ومبقاش فيه غير عرشنا إحنا وبس."

حملها قاسم بين يديه الضخمتين بـ رفق شديد كأنها قطعة من الزجاج الثمين، وخرج بها من المغارة وسط حراسة مئات الرجال الذين وقفوا يطأطئون رؤوسهم احتراماً وتأثيراً بـ هيبة السلطان وسلطانته.

أركبها أمامه على ظهره جواده الأسود، ولف حول جسدها وشاحه الخاص ليحميها من برد الفجر. تحرك الموكب عائداً نحو السرايا الكبيرة، والشمس بدأت تشرق من جديد فوق الصعيد، لتعلن انتهاء عهد المؤامرات والدم، وبداية قصة عشق أسطورية كُتبت بـ النار.. وتوجت فوق قمة الجبل!

ولكن.. بينما كانوا يقتربون من أسوار السرايا، ركضت "فرحة" نحو البوابة وهي تبكي بـ انكسار، تحمل في يدها رسالة أخيرة تركتها الخادمة المقتولة قبل الهجوم.. رسالة عتقول إن "الكبير" ترك وراءه صندوقاً أسود تحت أرض السرايا القديمة يحتوي على سر يخص "ليلى" بالذات، سر كفيل بـ قلب الموازين للمرة الأخيرة!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   غسق النصر

    تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو

  • وردة في عرين السلطان   قيامة العرين وسعير الوجد

    زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع

  • وردة في عرين السلطان   جمر العناق ونذير الغسق

    تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من

  • وردة في عرين السلطان   لظى العهد وسعير العناق

    مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار

  • وردة في عرين السلطان   الندوب الغالية

    ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق

  • وردة في عرين السلطان   ترانيم الفداء والهاوية

    غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا

  • وردة في عرين السلطان   نَسجُ الأفاعي في الخفاء

    لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن

  • وردة في عرين السلطان   رمادُ الانفجارِ.. وولادةُ بركانِ الثأرِ الخفيّ

    الدويّ الذي زلزل أركان الجبل الشرقي لم يكن مجرد صوت عابر؛ بل كان زئيراً للأرض انشق من جوفها لهب أحمر لعق عنان السماء، ليتفتت بناء السرايا القديمة العتيق في ثوانٍ معدودة. انهار السقف الخرساني، وتطايرت الصخور الحجرية كقذائف مشتعلة في كل اتجاه، لتغرق الباحة بأكملها في غيمة كاحلة من الرماد الأسود وال

  • وردة في عرين السلطان   معموديةُ النار.. وعِناقُ الموتِ المستعر

    الدخان الأسود الكثيف لم يكن مجرد غاز يخنق الأنفاس، بل كان كائناً غاشماً تمدد في أركان المندرة القديمة، ليمتص ما تبقى من ضوء كشافات الحراس، ويترك المكان لوميض النيران البرتقالية التي اندلعت من جوف السرداب السفلي. تداخلت أصوات الانفجارات المتتالية مع زئير الرصاص الآلي، ليتحول البناء المهجور في ثوان

  • وردة في عرين السلطان   مواقدُ الأسرارِ.. والعهدُ المكتوبُ بنورِ الشمس

    توقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status