Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / أقنعةُ النجع.. والسرُّ المدفون

Share

أقنعةُ النجع.. والسرُّ المدفون

last update publish date: 2026-05-22 00:48:51

السكون الذي حلّ بالساحة بعد دوي الرصاصة الأخيرة كان أثقل من صخور الجبل ذاته. جثة أدهم الهواري الملقاة على التراب أصبحت صفحة من الماضي، لكن الصندوق الحديدي الصغير الذي يحمله الحارس كان بمثابة بركان جديد يوشك أن ينفجر تحت أقدام الجميع.

تقدم قاسم بخطوات بطيئة، وعيناه الصقريتان تلمعان ببريق غامض. انتزع الصندوق من يد الحارس بقوة، وجلس على ركبته الواحدة فوق تراب الساحة، واضعاً الصندوق أمامه. سحبت ليلى أختها فرحة، التي كانت ما زالت ترتجف وتبكي بقهر، وأجلستها على عتبة الدار، ثم اقتربت من قاسم، ووقفت خلفه ترقب ما سيسفر عنه هذا السر الجديد.

بضربة قوية من مقبض مسدسه، كسر قاسم القفل الحديدي للصندوق. انفتح الغطاء ليصدر صريراً مزعجاً، وظهرت بداخله حزمة من الأوراق القديمة، ودفتر حسابات صغير مغلف بالجلد الأسود، وفوقهم.. "خاتم فضي" محفور عليه شعار غريب لم يكن ينتمي لعائلة الراوي ولا لعائلة أبو المجد.

امتدت يد قاسم الملطخة بغبار المعركة وسحبت الدفتر. بدأ يقلب الصفحات بسرعة، وعروق جبهته برزت مجدداً كحبال مشتعلة. الكلمات المكتوبة بالحبر الأسود كانت عبارة عن تواريخ وشحنات سلاح، وبجانب كل شحنة، كان هناك اسم مشفر يتكرر دائماً: «الكبير.. ذئب الجبل الشرقي».

ـ "كيف كدة؟!" همس قاسم بصوت رخيم عميق، خرج كأنه زئير مكتوم من أعماق صدره. "الحسابات دي عتقول إن الشحنات لسه واصلة للنجع لحد الأسبوع اللي فات! يعني منصور الراوي وعثمان أبو المجد ماكنوش هما 'الكبير'.. دول كانوا مجرد عيون ولعبة في إيد حد أعير (أقوى) وأخبث منهم!"

وقفت ليلى بذهول، وشعرت برعشة تسري في أوصالها. التفتت نحو فرحة وسألتها بصوت مرتعش:

ـ "فرحة.. أنتي كنتِ محبوسة في المغارة سنين، عمرك ما شفتي حد واصل بيجي لـ أدهم غير منصور وعثمان؟ انطقي يا أختي، فيه حد تاني كان عيدير الحرب دي من وراهم؟"

مسحت فرحة دموعها بيدين ترتعدان، وقالت بصوت متقطع يحمل بقايا الرعب:

ـ "والله يا ليلى مكنتش عأشوف غيرهم.. بس.. بس خابرة؟ في ليلة الحريق الكبيرة في الجبل، قبل ما أدهم يهرب بيا، سمعته بيتخانق مع عثمان وعيقوله: 'الكبير مش عيرحمك لو الصلح تم، الكبير عوزها ولعة ومش عيريد سلاحه يقف واصل'.. أدهم كان خايف منيه، خايف من اسم مكنش عيرضي ينطقه!"

نهض قاسم واقفاً بكامل طوله الفارع، والتفت نحو كبار العيلتين الذين كانوا يقفون بترقب وجل في الساحة. قبض على الدفتر بقوة كادت تمزقه، وزعق بصوت زلزل جدران الدار:

ـ "اسمعوا زين يا رجال النجع! الحرب مخلصتش الليلة.. الخاين لسه عايش وسطنا، بياكل من عيشنا وبيعطش من دمنا! من ليلتكم دي، النجع كله تحت الحراسة، ومفيش غريب عيدخل ولا واصل عيطلع لحد ما أجيب 'الذئب' ده من جحره بيدي!"

مع حلول المساء، عاد قاسم وليلى وفرحة إلى السرايا الكبيرة. الجزء المحترق من البهو كان قد أُغلق، وتم تجهيز المندرة الجوانية لتكون مقراً مؤقتاً. كانت ليلى تجلس بجانب أختها فرحة، تطعمها بيدها وتحاول تهدئة روعها، بينما كان قاسم يقف عند النافذة الكبيرة، عيونه تراقب الجبل وعقله ينسج خيوط اللغز الجديد.

التفت قاسم ببطء، ونظر إلى الأختين التوأم. الغيرة الصعيدية المتملكة بدأت تتحرك في صدره مجدداً، لكنها هذه المرة لم تكن غيرة الشك، بل كانت غيرة "السلطان" الذي يرى أن ليلى أصبحت روحه التي لا يقبل أن يشاركها فيها أحد، حتى أختها.

اقترب بخطوات وئيدة، وأمسك بيد ليلى بلطف حاسم، وسحبها بعيداً عن فرحة نحو زاوية الغرفة المظلمة. حاصرها بجسده العريض وضغط برفق على كتفيها، وهمس بأنفاس حارة لفحت وجهها:

ـ "فرحة عترجع أوضتها القديمة مع الحراسة يا ليلى.. مكانها مش اهنه معاكي في داري."

نظرت ليلى في عينيه بعناد ورقة:

ـ "دي أختي يا قاسم.. دبلانة وتعبانة ومحتاجاني جمبها. ليه القسوة دي عاد؟"

تصلبت ملامح قاسم، واقترب بوجهه أكثر حتى تلاقت نظراتهما الحارقة، وقال بصوت منخفض يحمل تملكاً جنونياً:

ـ "مش قسوة يا وردتي.. دي غيرة السلطان اللي مابيريدش حد يشارك وردته حتى في حضن أختها! إنتي بقيتي ملكي.. مِلكي بالدم والعشق، وماريدش عيون فرحة تذكرني بالماضي اللي دفنته بيدي. إنتي سلطانة الجبل اهنه، ومكانك في حضني أنا وبس، خابرة إياك؟"

شعرت ليلى بقلبها يدق بعنف، بركان العشق الذي يخفيه قاسم تحت قسوته كان يتدفق في كلماته ونظراته. وضعت كفها الصغير على صدره، وهمست بثقة:

ـ "خابرة يا سلطان.. وأنا مابقاش ليا دار ولا أمان غير في عرينك."

وقبل أن تكتمل لحظة صمتهما الدافئة، انفتح باب المندرة فجأة وبقوة. دخل أحد الحراس الثقات، ووجهه شاحب كأنه رأى الموت يتجول في الرواق الخارجي. سقط الحارس على ركبتيه وهو يلهث برعب شديد، وصرخ بصوت مرتعش:

ـ "يا سلطان الجبل!! الحقنا!! 'السرايا القديمة' اللي فيها الحاجة نبيلة.. هجمت عليها رجالة ملثمين دلوقت، وقتلوا الحراس كلهم!!"

انتفض قاسم كالملسوع، وسحب سلاحه بغضب صاعق:

ـ "وأمي فين؟! الحاجة نبيلة جرى لها إيه؟!"

ابتلع الحارس ريقه بصعوبة وقال بكلمات جمدت الدماء في عروق ليلى وقاسم:

ـ "الملثمين ما خطفوهاش يا سلطان.. المهاجمين لقوا الحاجة نبيلة مدبوحة في وسط الأوضة.. وجنب جثتها، سابوا الخاتم الفضي بتاع 'الكبير'.. ومكتوب بدمها على الحيطة: «الدور الجاي على البديلة يا سلطان الجبل!»"

صرخت ليلى برعب وارتمت في حضن قاسم، بينما اشتعلت النار في عيون السلطان بـ جنون وتحدٍ أعمى، فـ الفخ القاتل تمدد، والشيطان الأكبر بدأ يتحرك بدم بارد ليحرق النجع بمن فيه!

الخبر نزل على النجع كالصاعقة التي شقت عنان السماء في ليلة خريفية مظلمة. مقتل الحاجة نبيلة، وب تلك الطريقة البشعة داخل سجنها في السرايا القديمة، لم يكن مجرد جريمة قتل؛ بل كان إعلاناً صريحاً للحرب، وصفعة قوية وجهها "الكبير" لـ كبرياء سلطان الجبل في عقر داره.

في بهو السرايا الكبيرة، التي بدأت آثار الحريق تختفي من جدرانها بفضل حشد العمال، كان النحيب يعلو من جديد. نساء النجع اتشحن بالسواد، لكن ليلى كانت تقف بعيداً، شاحبة الوجه، وعيناها معلقتان بعبارة التهديد التي نُقلت إليها: «الدور الجاي على البديلة يا سلطان الجبل!». شعرت ليلى بأن الموت أصبح يطاردها كظلها، وأنها مهما حاولت الهروب، فإن دماء عائلتها والراوي ملتفة حول عنقها كطوق من نار.

أما قاسم.. فقد تحول بالكامل إلى كتلة من الصخر الصامت المرعب. كان يجلس في صدر المندرة، يرتدي جلباباً أسود شديد القتامة، ولف رأسه بعمامة بيضاء كسر بها حداد ثيابه، لكن ملامح وجهه كانت خالية من أي تعبير، عدا عن عينيه اللتين استقر فيهما جنون وتحدٍ أعمى. كان يمسك في يده الخاتم الفضي الذي وُجد بجوار جثة والدته، يقلبه بين أصابعه بخشونة كادت تطحن المعدن.

ـ "قاسم.." همست ليلى وهي تقترب منه بخطوات وجلة بعد أن غادر كبار النجع المندرة. وضعت يدها المرتعشة على كتفه المصاب، وتابعت بصوت مخنوق بالدموع: "أنا خايفة.. خايفة عليك وعلى فرحة. الشيطان ده مابيرحمش، ودام قطع رقبة أمك اللي كانت شريكته في يوم من الأيام، يبقى مش عيهمه حد واصل!"

التفت قاسم إليها ببطء. سحب يدها بـ رفق حاسم، وأجلسها بجانبه على المقعد الخشبي العريض. نظر في عينيها الواسعتين بنظرة تملك رهيبة، غيرة السلطان وخوفه على روحه تجليا في نبرة صوته الرخيمة العميقة:

ـ "ماتخافيش وأنا فوق الأرض يا ليلى.. الكلب ده غلط غلطة عمره لما كتب اسمك بالدم على الحيطة. هو فاكر إنه عيرعبني عشان أهمل النجع وأهرب بيكي، بس ماخابرش إن الجبل مابيهربش واصل. من الليلة دي، إنتي وفرحة مش عتتحركوا خطوة واحدة بره الأوضة الجوانية، ورجالتي الثقات عيقفلوا عليها بـ قفل حديد، ومفيش لقمة ولا شربة مية عتدخل جوفكم إلا لما أدوقها بيدي الأول!"

نزلت الكلمات على ليلى بمزيج من الخوف والراحة؛ فقاسم مستعد لتحويل السرايا إلى سجن حصين لحمايتها. أومأت برأسها طاعةً له، وقالت بعناد رقيق:

ـ "أنا معاك في أي حاجة يا قاسم.. بس خيوط الأوراق اللي لقيناها في دار أبو المجد، ماوصلتكش لحاجة واصل؟ الخاتم ده ملوش مثيل في النجع؟"

فتح قاسم كفه لينظر إلى الخاتم الفضي، وضيق عينيه الصقريتين بقسوة:

ـ "الخاتم ده محفور عليه 'رأس ذئب'.. وده مش شعار عيلة في نجع الراوي ولا النجع الجواني. ده شعار مطاريد الجبل الشرقي القدام، الرجالة اللي هربوا من أحكام الإعدام من تلاتين سنة وعاشوا في المغارات. عثمان وأبويا كانوا عيشتروا منهم السلاح، بس الظاهر إن فيه واحد من المطاريد دول كبر، وبقى هو اللي بيمشي النجع كله على عماه!"

مع حلول منتصف الليل، ساد السرايا سكون مريب، سكون يسبق العواصف الطاحنة. كانت ليلى تجلس في الغرفة المحصنة بجانب أختها فرحة التي نامت أخيراً بفعل الإرهاق والخوف. كانت ليلى تداعب خصلات شعر أختها بأسى، وتتذكر كيف تبدلت الأحوال؛ فرحة التي كانت العروس المنتظرة أصبحت دبلانة مكسورة الجناح، وهي التي دخلت كـ "بديلة" أصبحت سلطانة هذا العرين.

فجأة، تحرك مقبض الباب الحديدي الخارجي. انقبض قلب ليلى، وقامت واقفة بتأهب، سحبت خنجراً صغيراً كان قاسم قد تركه معها للحماية. انفتح الباب ببطء، ودخل قاسم. كان يحمل في يده شمعة واحدة، وفي اليد الأخرى الدفتر الأسود القديم الذي وجدوه في الصندوق.

كان وجهه شاحباً بشكل مرعب، وعيناه تدوران بذهول وصدمة بدت أعنف من صدمة مقتل والدته.

ـ "قاسم؟! في إيه؟" سألته ليلى وهي تتقدم نحوه برعب. "ملامحك عتقول إنك شفت عفريت واصل!"

أغلق قاسم الباب خلفه برفق، ووضع الشمعة على الطاولة. تقدم منها وحاصرها بجسده الفارع، وأمسك بكتفيها بيدين ترتعدان لأول مرة. نظر في عينيها وقال بصوت متحشرج خرج بصعوبة من بين أسنانة المتلاحمة:

ـ "فكيت الشفرة الأخيرة في الدفتر يا ليلى.. الشفرة اللي كاتبها عثمان أبو المجد بيده قبل ما يموت. الدفتر ده مش بس حسابات سلاح.. ده فيه أسماء الناس اللي دفعوا فلوس عشان الحرب تكمل وسيل الدم مايقفش واصل."

بلعت ليلى ريقها بصعوبة وسألت بقلب ينبض كطبول الحرب:

ـ "مين يا قاسم؟! انطق قولي مين هو الكبير؟!"

ضغط قاسم على كتفيها بقوة كادت تطحن عظامها، وهمس بفحيح مرعب زلزل كيانها وعصف بكل ما تؤمن به في هذه الحياة:

ـ "الكبير مش من مطاريد الجبل يا ليلى.. الكبير هو الرجل اللي النجع كله فاكره مات من عشر سنين.. الرجل اللي كتب عثمان بيده إنه عيموله من مصر بالفلوس والسلاح.. الكبير يبقى 'أبو المجد'.. أبوكي إنتي وفرحة يا ليلى!! أبوكي ماماتش.. أبوكي هو الشيطان الأكبر اللي دبح أمي الليلة!!"

اتسعت عينا ليلى بذهول مطلق، وسقط الخنجر من يدها ليرن على الأرض بصوت حاد، بينما تداخلت أنفاسها المذعورة مع صرخة فرحة التي استيقظت فجأة من نومها على هول الكلمة، لتشتعل الملحمة وتصل إلى ذروة الفخ القاتل!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   غسق النصر

    تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو

  • وردة في عرين السلطان   قيامة العرين وسعير الوجد

    زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع

  • وردة في عرين السلطان   جمر العناق ونذير الغسق

    تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من

  • وردة في عرين السلطان   لظى العهد وسعير العناق

    مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار

  • وردة في عرين السلطان   الندوب الغالية

    ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق

  • وردة في عرين السلطان   ترانيم الفداء والهاوية

    غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا

  • وردة في عرين السلطان   نَسجُ الأفاعي في الخفاء

    لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن

  • وردة في عرين السلطان   رمادُ الانفجارِ.. وولادةُ بركانِ الثأرِ الخفيّ

    الدويّ الذي زلزل أركان الجبل الشرقي لم يكن مجرد صوت عابر؛ بل كان زئيراً للأرض انشق من جوفها لهب أحمر لعق عنان السماء، ليتفتت بناء السرايا القديمة العتيق في ثوانٍ معدودة. انهار السقف الخرساني، وتطايرت الصخور الحجرية كقذائف مشتعلة في كل اتجاه، لتغرق الباحة بأكملها في غيمة كاحلة من الرماد الأسود وال

  • وردة في عرين السلطان   معموديةُ النار.. وعِناقُ الموتِ المستعر

    الدخان الأسود الكثيف لم يكن مجرد غاز يخنق الأنفاس، بل كان كائناً غاشماً تمدد في أركان المندرة القديمة، ليمتص ما تبقى من ضوء كشافات الحراس، ويترك المكان لوميض النيران البرتقالية التي اندلعت من جوف السرداب السفلي. تداخلت أصوات الانفجارات المتتالية مع زئير الرصاص الآلي، ليتحول البناء المهجور في ثوان

  • وردة في عرين السلطان   مواقدُ الأسرارِ.. والعهدُ المكتوبُ بنورِ الشمس

    توقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status