وردة في عرين السلطان

وردة في عرين السلطان

last updateLast Updated : 2026-06-03
By:  بدر رمضانUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
36Chapters
25views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في قلب الصعيد، حيث للثأر صوت يعلو فوق صوت الحق، وللكبرياء قوانين تُكتب بالدم، تجد "ليلى" نفسها مجبرة على دفع ثمن ذنب لم تقترفه. تُساق كـ "دية" إلى عاصفة "سلطان الجبل"، الرجل الذي أقسم ألا ينحني مرتين، والذي يسكن قلبه وجع قديم وخيانة غامضة تركت في نفسه ندوباً لا تندمل. بين جدران قصرٍ يحكمه الشك، ومؤامرات تُحاك بدم بارد في الخفاء، تحاول "ليلى" مداواة جراح ماضٍ لم تكن جزءاً منه، لتجد نفسها تخوض معركة شرسة لامتلاك قلب "السلطان" العصي على الانكسار. ولكن.. حين تشتعل نيران الغيرة وتنكشف خيوط الخديعة الكبرى، تكتشف "ليلى" أن الحرب لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو من بطن الجبل! فهل تكون هي الطوق الذي ينقذ السلطان من الغرق، أم الضحية الجديدة التي ستلتهمها نيران الثأر؟

View More

Chapter 1

"موكب الطاعة.. وزفة الدم"

السواد لم يكن مجرد لون اتشحت به نساء دار "أبو المجد"، بل كان كائناً حياً يتنفس في الزوايا، يمتص البقايا الأخيرة من ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الخشبية العتيقة. في وسط المندرة الكبيرة، كانت "ليلى" تقف كتمثال من مرمر وسط عاصفة من النحيب والصرخات المكتومة. يداها الباردتان كانتا تختبئان داخل أكمام ثوبها الأسود الفضفاض، بينما عيناها الواسعتان، اللتان كانتا يوماً ما بلون بحيرات صافية، تجمدتا على الفراغ.

لقد رُفعت الرايات البيضاء فوق الدار، لكنها لم تكن رايات سلام، بل كانت رايات استسلام لـ "سلطان الجبل".

ـ "يا مري يا بنيتي.. عيسوقوكي كيف النعجة لدار اللي قتلوا ولدنا؟ كيف يا عثمان توافق على الذل ده واصل؟!"

كان هذا صوت عمتها وهي تلطم خديها بـ قهر، بينما عمها "عثمان أبو المجد" كان يجلس على مقعده الخشبي المذهب، مطأطأ الرأس، كبريائه الصعيدي الذي ناطح السحاب لسنوات تفتت تحت وطأة الرصاص الذي حصد رجال العائلة في ليلة واحدة. مسك عثمان عصاه الأبنوسية بيد ترتعش، وقال بصوت متحشرج خرج من أعماق صدره الجريح:

ـ "امسكي لسانك يا حرمة! ماريدش حديت عاد.. الجبل مابيرحمش، وقاسم الراوي لو مالقاش الدية واصلة لباب سرايته قبل ما الشمس تغيب، عيمحي اسم أبو المجد من النجع كله. التار عياكل الأخضر واليابس، وروح 'فرحة' اللي هربت وطينت راسنا بالطين هي السبب في كل ده!"

عند سماع اسم أختها "فرحة"، انتفض قلب ليلى. فرحة.. الأخت التوأم، الوردة التي عشقها سلطان الجبل، والتي اختفت في ليلة زفافها لتترك وراءها بركاناً من الشك والدم. الجميع يقول إنها هربت مع "أدهم الهواري"، والجميع يرى أن ليلى هي البديلة التي يجب أن تدفع الثمن، أن تُقدم كقربان لتهدئة وحش كاسر لا يعرف الرحمة.

أخذت ليلى نفساً عميقاً، وشعرت بالغصة تخنق حلقها. التفتت إلى عمها وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، لكنه يحمل نبرة قوة لم يعهدوها فيها:

ـ "خلاص يا عمي.. الحديث مابقاش ليه عازة. أنا قايمة لـ نصيبي. بس افتكر زين.. أنا داخلة دار الراوي راسي مرفوعة، مش داخلة مكسورة. ليلى أبو المجد مابتنحنيش."

في الخارج، كان صوت أبواق السيارات وهتافات رجال "الراوي" تقترب كطبول حرب. لم تكن زفة عروس، بل كانت موكباً لاستعراض القوة والتملك. أطلقت السيارات العنان لأعيرتها النارية في الهواء، رصاصات متتالية هزت أركان النجع، تعلن للجميع أن "البديلة" في طريقها إلى العرين.

نزلت ليلى من درج الدار الكبيرة، يرافقها عمها الذي ألقى فوق رأسها شالاً أسود ثقيلاً حجب وجهها عن الأعين. خطت خطواتها نحو السيارة السوداء الفارهة التي كانت تنتظرها عند الباب. كان يقف بجانب السيارة رجل ضخم الجثة، ذو ملامح صارمة، يرتدي جلباباً صعيدياً داكناً ويحمل سلاحاً آلياً على كتفه. نظر إلى ليلى بنظرة خالية من أي مشاعر، وفتح لها الباب الخلفي قائلاً بجفاء:

ـ "اتفضلي يا ست ليلى.. السلطان مستني في السرايا، ومابيحبش التأخير واصل."

ركبت ليلى السيارة، وأُغلق الباب خلفها بصوت قوي تردد صداه في عقلها كأنه صوت قفل سجن أبدي. تحركت السيارة وسط غبار الطرقات الترابية، تاركة وراءها دار عائلتها، وتاركة وراءها الفتاة التي كانتها بالأمس. طوال الطريق، كانت تنظر إلى يدها، إلى الأصابع التي كانت تعزف على أوتار الفرح يوماً، وكيف أصبحت الآن مقيدة بوعود الدم والثأر. لم تبكِ، فالدموع رفاهية لا تملكها "الدية".

وصل الموكب إلى سرايا عائلة الراوي. كانت قلعة حصينة تقف في حضن الجبل الشرقي، جدرانها العالية المبنية من الحجر الصلد تبث الرعب في النفوس. الحراس ينتشرون في كل مكان، والعيون تترصد الوافدة الجديدة بفضول ممزوج بالشماتة.

نزلت ليلى من السيارة، وتقدمت بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الخفي في ركبتيها. دخلت من البوابة الحديدية الضخمة إلى البهو الكبير. المكان كان واسعاً، تتدلى من سقفه ثريا كريستالية ضخمة تحاكي قصور الملوك، لكن برودتها كانت تلف المكان. في نهاية البهو، كان هناك درج دائري عريض، وفي أعلاه.. كان يقف هو.

"قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

كان يقف بجسده الفارع، متكئاً على سور الشرفة الداخلية. يرتدي جلباباً أسود فاخراً، وفوق كتفيه عباءة مطرزة بخيوط القصب الراقية. لمت رأسه عمامة صعيدية أتقن لفها، تبرز ملامح وجهه الحادة كالسيف. لحية خفيفة مهذبة بدقة تحيط بفك عريض وقاسٍ. عيناه الحادتان كصقر يتربص بفريسته، كانتا تشعان ببريق غامض.. بريق يمتزج فيه الغضب المتأجج بالوجع الدفين. كان في الثلاثين من عمره، لكن هيبته تجعله يبدو كملك يحكم النجع بكلمة واحدة.

نظر ليلى إليه، ورفعت رأسها لتبادله النظرة عبر الشال الخفيف الذي يغطي وجهها. التقت الأعين، وشعرت ليلى وكأن الهواء سُحب من صدرها. لم يكن رجلاً عادياً، كان إعصاراً متحركاً.

نزل قاسم الدرج ببطء، دقات حذائه على الرخام كانت تبدو لليلى كعد تنازلي لشيء مرعب. وقف أمامها مباشرة، تفصله عنها خطوات قليلة. رائحة عطره النفاذة، الممزوجة برائحة التبغ والبارود، اقتحمت حواسها. رفع يده ببطء، وبتمريرة واحدة قاسية، أزاح الشال عن وجهها.

اتسعت عيناه لثانية واحدة، ثانية واحدة فقط ظهرت فيها صدمة مكتومة. ملامحها كانت نسخة طبق الأصل من "فرحة".. نفس العيون الواسعة، نفس الشفاه المرسومة، لكن الفارق كان في النظرة. فرحة كانت رقيقة، منكسرة، كالعصفور. أما ليلى.. فكانت نظرتها قوية، تتحدى كبرياءه.

تصلبت ملامح قاسم فوراً، واختفت الصدمة ليحل محلها جمود مرعب. اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس جبينها، وقال بصوت جهوري، عميق وبارد كأعماق الجبل:

ـ "نورتي جحيمك يا بنت أبو المجد.. كنت فاكر إنهم عيبعتوا لي 'دية' تعوضني عن اللي راح، ماكنتش خابر إنهم عيبعتوا لي 'نسخة مشوهة' من الخاينة اللي هربت!"

نزلت الكلمات على ليلى كجلدات السوط، لكنها لم تطرف بعينها. ضغطت على أسنانها وردت بصوت واثق:

ـ "أنا مش نسخة من حد يا سلطان الجبل.. وأختي مش خاينة، والأيام عتبين لك الحقيقة. أما وجودي اهنه، فهو عشان حقن الدم، مش عشان أسمع كلام مالوش عازة."

اشتعلت النار في عيني قاسم من جراء ترفعها وعنادها. قبض على ذراعها بقوة جعلتها تحبس أنفاسها من الألم، وهمس بفحيح مرعب:

ـ "الحقيقة أنا اللي بكتبها بيدي اهنه في النجع ده يا ليلى.. ومن النهاردة، إنتي مابقاش ليكي اسم، إنتي 'البديلة'.. وعقد امتلاكك انكتب بالدم، والي ليلة عتعرفي فيها كيف الجبل لما بينهار، بيسحق الورد اللي تحتيه!"

ألقى بذراعها بقوة، والتفت إلى الخدم والحراس الذين كانوا يقفون بترقب، وزعق بصوت زلزل جدران السرايا:

ـ "خدوها على الأوضة الجوانية.. ومحدش يدخل لها واصل لحد ما أجي لها بليل. الليلة.. عتبدأ زفة الحق!"

مشيت ليلى مع الخادمة وهي تشعر بأن ذراعها كاد ينكسر من قبضته، لكنها لم تلتفت خلفها. كانت تعلم أن خلف هذه السرايا المحصنة، وأمام هذا الرجل الذي يقسم ألا يلين، ينتظرها صراع لا يرحم.. صراع ستكون فيه إما الضحية، أو السلطانة التي تروض الجبل.

تزاحمت الظلال على جدران الغرفة "الجوانية" كأنها أشباح تتربص بالوافدة الجديدة.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
36 Chapters
"موكب الطاعة.. وزفة الدم"
السواد لم يكن مجرد لون اتشحت به نساء دار "أبو المجد"، بل كان كائناً حياً يتنفس في الزوايا، يمتص البقايا الأخيرة من ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الخشبية العتيقة. في وسط المندرة الكبيرة، كانت "ليلى" تقف كتمثال من مرمر وسط عاصفة من النحيب والصرخات المكتومة. يداها الباردتان كانتا تختبئان داخل أكمام ثوبها الأسود الفضفاض، بينما عيناها الواسعتان، اللتان كانتا يوماً ما بلون بحيرات صافية، تجمدتا على الفراغ.لقد رُفعت الرايات البيضاء فوق الدار، لكنها لم تكن رايات سلام، بل كانت رايات استسلام لـ "سلطان الجبل".ـ "يا مري يا بنيتي.. عيسوقوكي كيف النعجة لدار اللي قتلوا ولدنا؟ كيف يا عثمان توافق على الذل ده واصل؟!"كان هذا صوت عمتها وهي تلطم خديها بـ قهر، بينما عمها "عثمان أبو المجد" كان يجلس على مقعده الخشبي المذهب، مطأطأ الرأس، كبريائه الصعيدي الذي ناطح السحاب لسنوات تفتت تحت وطأة الرصاص الذي حصد رجال العائلة في ليلة واحدة. مسك عثمان عصاه الأبنوسية بيد ترتعش، وقال بصوت متحشرج خرج من أعماق صدره الجريح:ـ "امسكي لسانك يا حرمة! ماريدش حديت عاد.. الجبل مابيرحمش، وقاسم الراوي لو مالقاش الدية واصلة لباب
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
"قُضبان من حرير.. وغواية الثأر"
تزاحمت الظلال على جدران الغرفة "الجوانية" كأنها أشباح تتربص بالوافدة الجديدة. لم تكن الغرفة مهملة، بل كانت على قدر كبير من الفخامة الصعيدية؛ سرير ضخم من الخشب الزان المحفور بنقوش عتيقة، ومفروشات من الحرير القرمزي الذي بدا لليلى في عتمة الغرفة كأنه بحر من الدماء المتخثرة. فتحت الخادمة الباب ووقفت جانباً مطأطئة الرأس، تشير لليلى بالدخول بوجل، قبل أن تغلق الباب خلفها بسرعة، وكأنها تهرب من لعنة حلت بالمكان.وقفت ليلى في منتصف الغرفة، استدارت ببطء تتأمل سجنها الجديد. اتجهت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخلفية للسرايا، ومن ورائها يرتفع الجبل الشرقي كعملاق أسود يسد الأفق. أسنَدت جبهتها الباردة على زجاج النافذة، وأطلقت تنهيدة طويلة حررت بعضاً من الوجع المحبوس في صدرها.ـ "هربتِ يا فرحة.. هربتِ وسبتِني لوعير الجبل ينهش في لحمي.." همست ليلى لنفسها والدموع تكاد تفر من مآقيها، لكنها سرعان ما مسحت طرف عينها بقسوة. لا، لن تبكي. البكاء في عرين قاسم الراوي هو إعلان هزيمة، وهي ابنة "أبو المجد"، حتى لو غدر بها الزمان وأقرب الناس إليها.فجأة، تحرك مقبض الباب ببطء. التفتت ليلى بجسدها كله، متأ
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
"وسمُ الراوي.. ونبش القبور"
أنفاسه الحارقة كانت تقيدها أكثر من قبضته الحديدية التي تعتصر معصمها. لم يكن قاسم الراوي مجرد زوج غاضب، كان إعصاراً من الكبرياء الجريح يوشك أن يقتلع الأخضر واليابس. نظراته التي كانت تتفرس في ملامحها بدأت تتغير، لم تعد ملامح "فرحة" هي ما يراه، بل بدأ يرى هذا التحدي الصامد في عيني "ليلى"، التحدي الذي لم يجرؤ مخلوق في الصعيد على مجابهته به.أطلق معصمها فجأة بدفعة خفيفة جعلتها ترتد خطوة للخلف، لكنها حافظت على توازنها ولم تنزل عينيها عنه. تحرك نحو طاولة خشبية عتيقة في زاوية الغرفة، وسحب من فوقها صندوقاً خشبياً صغيراً، مطعماً بالصدف والنحاس، كان قد جلبه معه. ألقى بالصندوق على الفراش القرمزي، ليصدر صوتاً مكتوماً زاد من توتر الأجواء.ـ "عارفة إيه ده يا بنت أبو المجد؟" قالها قاسم وهو يلتفت إليها، وعيونه تضيق كصقر يوشك على الانقضاض. "ده الصندوق اللي رجالتنا لقوه في المغارة الجوانية ورا النجع.. المكان اللي كانت فرحة عتقابل فيه أدهم الهواري من ورايا! الصندوق ده فيه ريحة الغدر اللي عتفوح من عيلتكم!"تقدمت ليلى بخطوات بطيئة نحو الفراش، وعيناها معلقتان بالصندوق. شعرت ببرودة تسري في أوصالها، لكنها جاه
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
"ممراتُ العتمة.. وصيحةُ الثعلب"
انهارت ليلى على ركبتيها فوق السجادة العتيقة، ودفنت وجهها بين كفيها وهي تنتحب بقهر كسر صمت الليل. قاسم وقف مكانه كالمصعوق، يراقب انهيارها. لأول مرة، يرى "البديلة" بهذا الضعف، ولأول مرة يشعر بأن القسوة التي تسلح بها طوال اليوم بدأت تتفتت أمام صدق دموعها.انحنى ببطء، وأمسك بكتفيها ليرفعها عن الأرض برفق غريب لم تعهده فيه من قبل. أجلسها على طرف الفراش، وبقي واقفاً أمامها، وعيناه تراقبان رجفتها. همس بصوت رخيم يحمل نبرة وعيد تزلزل الكيان:ـ "الحق مش عيموت الليلة يا بنت أبو المجد.. إذا كان أبوي فاكر إنه بيمشي السلطان على عماه، وإذا كان أدهم الهواري فاكر إنه هرب بفعلته، فالجبل الليلة عيتقلب فوق رؤوس الكل. الحرب اللي عاوزينها تولع، أنا عأطفيها بدم الغدارين!"وفجأة، وقبل أن تستوعب ليلى كلماته، سمعا صوت جلبة عنيفة في الأسفل. أصوات الحرس كانت تتعالى، وصوت الحاجة نبيلة (والدة قاسم) كان يصرخ بنبرة هستيرية تملؤها الصدمة والخوف الشديد.التفت قاسم كالملسوع نحو الباب، وخرج بسرعة الصقر إلى الشرفة الداخلية المطلة على البهو الكبير للسرايا، واندفعت ليلى وراءه وهي تلم شالها الأسود حول جسدها المرتجف.من أعلى
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
"ملحمةُ الجبل.. ورمادُ البدايات"
صوت قاسم الذي شق سكون الليل لم يكن مجرد نداء، بل كان زئير جريح نفض الغبار عن صخور الجبل الشرقي. وقف "سلطان الجبل" على حافة المرتفع الصخري كأنه مارد خرج من جوف الأرض؛ ثيابه ممزقة، وجهه ملطخ برماد الحريق ودماء جرح غائر في جبهته، لكن عينيه كانتا تشعان بنور مرعب.. نور التملك الأعمى الذي أقسم ألا يترك "وردته" تذبل في يد الغدارين.تجمد عثمان أبو المجد في مكانه، وتحولت ضحكته الهستيرية إلى تكشيرة غيظ شوّهت ملامحه العجوز. لم ينزل السلاح الموجه نحو رأس ليلى، بل تراجع خطوة إلى الوراء، ساحباً إياها من ذراعها بقسوة جعلتها تصرخ ألما، ليحتمي بجسدها كدرع بشري أمام طلقات قاسم.ـ "نورت يا سلطان النجع!" هتف عثمان بصوت أجش يحمل نبرة التحدي والموت. "كنت فاكر إنك عتموت وسط حريق السرايا مع أبوك منصور، بس الظاهر إن عمرك طويل.. بس خابرة يا ولد الراوي؟ الخطوة اللي عتخطيها لـ قدام، تمنها هيكون طلقة في راس البديلة دي! دم بنت أخويا عيسيل على الصخر اهنه لو ما نزلتش سلاحك واصل!"نظرت ليلى نحو قاسم بعينين ملأتهما الدموع والرجاء، صرخت بأعلى صوتها وهي تحاول الإفلات من قبضة عمها الحاقد:ـ "ماتسمعش كلامه يا قاسم!! عثمان
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
بين أنقاضِ العرين
الرائحة لم تكن رائحة الصباح الصعيدي المعتاد الذي يفوح بندى الزرع وتراب الأرض الطيبة؛ بل كانت رائحة رماد خانق، خليط من خشب الأبنوس المحترق، وتجارة السلاح المحرمة التي تفحمت في بهو السرايا الكبيرة.مع خيوط الفجر الأولى، كانت "ليلى" تقف على تلة مرتفعة في مواجهة السرايا. الشال الأسود كان يلتف حول كتفيها بقوة ليحميها من لسعات برد الجبل، لكن عينيها كانتا معلقتين بـ "قاسم". كان يقف في منتصف الباحة الواسعة، محاطاً بالعشرات من كبار عائلات النجع ورجاله المسلحين الذين جاءوا لتقديم الولاء لـ "السلطان" بعد ليلة لم يشهد الصعيد لها مثيلاً.جلبابه الأسود كان مغطى بالغبار، وضمادة بيضاء لُفت حول كتفه وجبهته، لكن وقفته لم تختل إنشاً واحداً. كان يتحدث مع الحراس بنبرة رخيمة حاسمة، وعيناه الصقريتان تراقبان كل زاوية، وكأنه يعيد رسم حدود مملكته بعد أن تخلصت من الخونة.ـ "كل الدفاتر القديمة عتتحرق يا رجال.." قالها قاسم وهو يلتفت لكبار النجع بصوت جهوري تردد صداه في حضن الجبل. "منصور الراوي مات في حريق السرايا، وعثمان أبو المجد هوى في السرداب. الحرب اللي قادت سنين بيننا وبين أبو المجد انطفأت الليلة بدم الغدارين
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
أقنعةُ النجع.. والسرُّ المدفون
السكون الذي حلّ بالساحة بعد دوي الرصاصة الأخيرة كان أثقل من صخور الجبل ذاته. جثة أدهم الهواري الملقاة على التراب أصبحت صفحة من الماضي، لكن الصندوق الحديدي الصغير الذي يحمله الحارس كان بمثابة بركان جديد يوشك أن ينفجر تحت أقدام الجميع.تقدم قاسم بخطوات بطيئة، وعيناه الصقريتان تلمعان ببريق غامض. انتزع الصندوق من يد الحارس بقوة، وجلس على ركبته الواحدة فوق تراب الساحة، واضعاً الصندوق أمامه. سحبت ليلى أختها فرحة، التي كانت ما زالت ترتجف وتبكي بقهر، وأجلستها على عتبة الدار، ثم اقتربت من قاسم، ووقفت خلفه ترقب ما سيسفر عنه هذا السر الجديد.بضربة قوية من مقبض مسدسه، كسر قاسم القفل الحديدي للصندوق. انفتح الغطاء ليصدر صريراً مزعجاً، وظهرت بداخله حزمة من الأوراق القديمة، ودفتر حسابات صغير مغلف بالجلد الأسود، وفوقهم.. "خاتم فضي" محفور عليه شعار غريب لم يكن ينتمي لعائلة الراوي ولا لعائلة أبو المجد.امتدت يد قاسم الملطخة بغبار المعركة وسحبت الدفتر. بدأ يقلب الصفحات بسرعة، وعروق جبهته برزت مجدداً كحبال مشتعلة. الكلمات المكتوبة بالحبر الأسود كانت عبارة عن تواريخ وشحنات سلاح، وبجانب كل شحنة، كان هناك اس
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
رمادُ الأقنعة
الكلمات لم تهبط على مسامع ليلى كالصاعقة فحسب، بل كانت كزلزالٍ شق الأرض من تحت قدميها وابتلع كل ما تؤمن به في هذه الحياة. انقطعت الأنفاس في صدرها، وتراجعت خطوات إلى الوراء وهي تنظر إلى قاسم بعينين متسعتين بذهول مطلق، كأنها تحاول استيعاب حقيقة مستحيلة. الخنجر الصغير الذي سقط من يدها كان يرتد على الأرض الرخامية بصوت معدني رنان، كأنه يعلن بداية النهاية.وفي زاوية الغرفة، انتفضت فرحة واقفة، وجسدها يرتعد بعنف وهستيرية، وصرخت بصوت متحشرج مزق سكون المندرة الجوانية:ـ "بوي؟! (أبويا) بوي أنا وليلى؟! كيف يا قاسم؟! كيف وعاد (أبو المجد) مات بين إيدينا من عشر سنين؟! إحنا بكينا عليه، والنجع كله مشى في جنازته! كيف يكون هو 'الكبير' اللي دبح الحاجة نبيلة وخرّب الديار؟! كدب.. كدب واصل!!"لم يتحرك قاسم من مكانه، بل بقي واقفاً كجدار من الصخر الأسود، وعيناه الصقريتان تلمعان ببريق أحمر من فرط الغضب والوجع. تقدم نحو ليلى ببطء، وأمسك بكتفيها بيدين حديديتين، لكنهما كانتا ترتجفان لأول مرة. نظر في أعماق عينيها، وقال بصوت رخيم، عميق وبارد كأعماق القبور:ـ "يا ريتني كنت كداب يا بنت أبو المجد.. يا ريت الدفتر الملعو
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
أطيافُ العرشِ الجديد
لم يكن الفجر الذي بَزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً؛ بل كان غسيلاً تطهرت به أرض نجع الراوي من دماء الخيانة التي تلوثت بها لسنوات. رائحة البارود التي كانت تخنق الأنفاس بدأت تتلاشى، تاركةً المكان لنسمات الصباح الباردة التي تحمل ريح الجبل العليل.في أعلى شرفة السرايا الكبيرة، التي أُعيد ترميم الجزء الأكبر منها بفضل سواعد مئات الرجال الذين عملوا دون انقطاع، كانت "ليلى" تقف كملكة توجتها النيران. كانت ترتدي ثوباً صعيدياً فاخراً من الحرير المخملي ذي اللون الأخضر الداكن، المطرز بخيوط القصب الذهبية عند الصدر والأكمام، وفوق رأسها شال أسود رقيق يبرز بياض وجهها وصفاء عينيها اللتين استقر فيهما أخيراً هدوء المنتصرين. لم تعد تلك "البديلة" المنكسرة التي دخلت الدار كـ "دية" لحقن الدماء؛ بل أصبحت، وباعتراف الجميع، سلطانة هذا العرين بلا منازع.من مكانها، كانت تراقب باحة السرايا الواسعة. كان "قاسم" يقف في المنتصف، محاطاً بكبار رجال النجع والوجهاء الذين جاءوا من شتى بقاع الصعيد لتقديم فروض الولاء والمباركة بالسرايا الجديدة والعهد الجديد. كان يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً، وفوق كتفيه عباءة كشميرية فاخرة،
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
زئيرُ العاصفة.. ووشاحُ العشقِ المغموسِ بالدم
الليل في الجبل الشرقي لم يكن مجرد غياب للشمس، بل كان كفناً أسود يلتف حول الصخور الحادة، يبتلع الأصوات ويخفي في طياته أسراراً عمرها عقود. لكن الليلة، انكسر صمت الجبل تحت وطأة حوافر الخيل وصوت محركات سيارات الدفع الرباعي التي كانت تقيد الصخور بـ وميض كشافاتها القوية.في المقدمة، كان "قاسم الراوي" يقود الإعصار. لم يكن يرى أمامه سوى وجه "ليلى"، عيناه الصقريتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بالدم، كانتا تخترقان عتمة الليل بحثاً عن أي أثر لوردته المخـتطفة. العباءة الكشميرية الفاخرة ألقاها خلفه في باحة السرايا، وبقي بجلبابه الأبيض الذي تلطخ سريعاً بغبار الجبل، وسلاحه الآلي الثقيل معلق على كتفه كأنه امتداد لجسده الضخم.عروق جبهته كانت بارزة كحبال من نار، وكلما تذكر كلمات "فرحة" ونحيبها، كان يضغط على مقود جواده بقوة كادت تحطم العظام.ـ "يا سلطان!!" ركض أحد الحراس الثقات بجواده حتى حاذاه، وصاح بصوت مرتجف من هول غضب السلطان: "رجالتنا قفلوا كل المنافذ اللي عتودي للمركز، والنجع الجواني كله تحت رجلينا.. بس مطاريد الجبل خابرين دروب سرية تحت الأرض، والظاهر إنهم سحبوا الست ل
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status