LOGINفي قلب الصعيد، حيث للثأر صوت يعلو فوق صوت الحق، وللكبرياء قوانين تُكتب بالدم، تجد "ليلى" نفسها مجبرة على دفع ثمن ذنب لم تقترفه. تُساق كـ "دية" إلى عاصفة "سلطان الجبل"، الرجل الذي أقسم ألا ينحني مرتين، والذي يسكن قلبه وجع قديم وخيانة غامضة تركت في نفسه ندوباً لا تندمل. بين جدران قصرٍ يحكمه الشك، ومؤامرات تُحاك بدم بارد في الخفاء، تحاول "ليلى" مداواة جراح ماضٍ لم تكن جزءاً منه، لتجد نفسها تخوض معركة شرسة لامتلاك قلب "السلطان" العصي على الانكسار. ولكن.. حين تشتعل نيران الغيرة وتنكشف خيوط الخديعة الكبرى، تكتشف "ليلى" أن الحرب لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو من بطن الجبل! فهل تكون هي الطوق الذي ينقذ السلطان من الغرق، أم الضحية الجديدة التي ستلتهمها نيران الثأر؟
View Moreالسواد لم يكن مجرد لون اتشحت به نساء دار "أبو المجد"، بل كان كائناً حياً يتنفس في الزوايا، يمتص البقايا الأخيرة من ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الخشبية العتيقة. في وسط المندرة الكبيرة، كانت "ليلى" تقف كتمثال من مرمر وسط عاصفة من النحيب والصرخات المكتومة. يداها الباردتان كانتا تختبئان داخل أكمام ثوبها الأسود الفضفاض، بينما عيناها الواسعتان، اللتان كانتا يوماً ما بلون بحيرات صافية، تجمدتا على الفراغ.
لقد رُفعت الرايات البيضاء فوق الدار، لكنها لم تكن رايات سلام، بل كانت رايات استسلام لـ "سلطان الجبل".
ـ "يا مري يا بنيتي.. عيسوقوكي كيف النعجة لدار اللي قتلوا ولدنا؟ كيف يا عثمان توافق على الذل ده واصل؟!"
كان هذا صوت عمتها وهي تلطم خديها بـ قهر، بينما عمها "عثمان أبو المجد" كان يجلس على مقعده الخشبي المذهب، مطأطأ الرأس، كبريائه الصعيدي الذي ناطح السحاب لسنوات تفتت تحت وطأة الرصاص الذي حصد رجال العائلة في ليلة واحدة. مسك عثمان عصاه الأبنوسية بيد ترتعش، وقال بصوت متحشرج خرج من أعماق صدره الجريح:
ـ "امسكي لسانك يا حرمة! ماريدش حديت عاد.. الجبل مابيرحمش، وقاسم الراوي لو مالقاش الدية واصلة لباب سرايته قبل ما الشمس تغيب، عيمحي اسم أبو المجد من النجع كله. التار عياكل الأخضر واليابس، وروح 'فرحة' اللي هربت وطينت راسنا بالطين هي السبب في كل ده!"
عند سماع اسم أختها "فرحة"، انتفض قلب ليلى. فرحة.. الأخت التوأم، الوردة التي عشقها سلطان الجبل، والتي اختفت في ليلة زفافها لتترك وراءها بركاناً من الشك والدم. الجميع يقول إنها هربت مع "أدهم الهواري"، والجميع يرى أن ليلى هي البديلة التي يجب أن تدفع الثمن، أن تُقدم كقربان لتهدئة وحش كاسر لا يعرف الرحمة.
أخذت ليلى نفساً عميقاً، وشعرت بالغصة تخنق حلقها. التفتت إلى عمها وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، لكنه يحمل نبرة قوة لم يعهدوها فيها:
ـ "خلاص يا عمي.. الحديث مابقاش ليه عازة. أنا قايمة لـ نصيبي. بس افتكر زين.. أنا داخلة دار الراوي راسي مرفوعة، مش داخلة مكسورة. ليلى أبو المجد مابتنحنيش."
في الخارج، كان صوت أبواق السيارات وهتافات رجال "الراوي" تقترب كطبول حرب. لم تكن زفة عروس، بل كانت موكباً لاستعراض القوة والتملك. أطلقت السيارات العنان لأعيرتها النارية في الهواء، رصاصات متتالية هزت أركان النجع، تعلن للجميع أن "البديلة" في طريقها إلى العرين.
نزلت ليلى من درج الدار الكبيرة، يرافقها عمها الذي ألقى فوق رأسها شالاً أسود ثقيلاً حجب وجهها عن الأعين. خطت خطواتها نحو السيارة السوداء الفارهة التي كانت تنتظرها عند الباب. كان يقف بجانب السيارة رجل ضخم الجثة، ذو ملامح صارمة، يرتدي جلباباً صعيدياً داكناً ويحمل سلاحاً آلياً على كتفه. نظر إلى ليلى بنظرة خالية من أي مشاعر، وفتح لها الباب الخلفي قائلاً بجفاء:
ـ "اتفضلي يا ست ليلى.. السلطان مستني في السرايا، ومابيحبش التأخير واصل."
ركبت ليلى السيارة، وأُغلق الباب خلفها بصوت قوي تردد صداه في عقلها كأنه صوت قفل سجن أبدي. تحركت السيارة وسط غبار الطرقات الترابية، تاركة وراءها دار عائلتها، وتاركة وراءها الفتاة التي كانتها بالأمس. طوال الطريق، كانت تنظر إلى يدها، إلى الأصابع التي كانت تعزف على أوتار الفرح يوماً، وكيف أصبحت الآن مقيدة بوعود الدم والثأر. لم تبكِ، فالدموع رفاهية لا تملكها "الدية".
وصل الموكب إلى سرايا عائلة الراوي. كانت قلعة حصينة تقف في حضن الجبل الشرقي، جدرانها العالية المبنية من الحجر الصلد تبث الرعب في النفوس. الحراس ينتشرون في كل مكان، والعيون تترصد الوافدة الجديدة بفضول ممزوج بالشماتة.
نزلت ليلى من السيارة، وتقدمت بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الخفي في ركبتيها. دخلت من البوابة الحديدية الضخمة إلى البهو الكبير. المكان كان واسعاً، تتدلى من سقفه ثريا كريستالية ضخمة تحاكي قصور الملوك، لكن برودتها كانت تلف المكان. في نهاية البهو، كان هناك درج دائري عريض، وفي أعلاه.. كان يقف هو.
"قاسم الراوي".. سلطان الجبل.
كان يقف بجسده الفارع، متكئاً على سور الشرفة الداخلية. يرتدي جلباباً أسود فاخراً، وفوق كتفيه عباءة مطرزة بخيوط القصب الراقية. لمت رأسه عمامة صعيدية أتقن لفها، تبرز ملامح وجهه الحادة كالسيف. لحية خفيفة مهذبة بدقة تحيط بفك عريض وقاسٍ. عيناه الحادتان كصقر يتربص بفريسته، كانتا تشعان ببريق غامض.. بريق يمتزج فيه الغضب المتأجج بالوجع الدفين. كان في الثلاثين من عمره، لكن هيبته تجعله يبدو كملك يحكم النجع بكلمة واحدة.
نظر ليلى إليه، ورفعت رأسها لتبادله النظرة عبر الشال الخفيف الذي يغطي وجهها. التقت الأعين، وشعرت ليلى وكأن الهواء سُحب من صدرها. لم يكن رجلاً عادياً، كان إعصاراً متحركاً.
نزل قاسم الدرج ببطء، دقات حذائه على الرخام كانت تبدو لليلى كعد تنازلي لشيء مرعب. وقف أمامها مباشرة، تفصله عنها خطوات قليلة. رائحة عطره النفاذة، الممزوجة برائحة التبغ والبارود، اقتحمت حواسها. رفع يده ببطء، وبتمريرة واحدة قاسية، أزاح الشال عن وجهها.
اتسعت عيناه لثانية واحدة، ثانية واحدة فقط ظهرت فيها صدمة مكتومة. ملامحها كانت نسخة طبق الأصل من "فرحة".. نفس العيون الواسعة، نفس الشفاه المرسومة، لكن الفارق كان في النظرة. فرحة كانت رقيقة، منكسرة، كالعصفور. أما ليلى.. فكانت نظرتها قوية، تتحدى كبرياءه.
تصلبت ملامح قاسم فوراً، واختفت الصدمة ليحل محلها جمود مرعب. اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس جبينها، وقال بصوت جهوري، عميق وبارد كأعماق الجبل:
ـ "نورتي جحيمك يا بنت أبو المجد.. كنت فاكر إنهم عيبعتوا لي 'دية' تعوضني عن اللي راح، ماكنتش خابر إنهم عيبعتوا لي 'نسخة مشوهة' من الخاينة اللي هربت!"
نزلت الكلمات على ليلى كجلدات السوط، لكنها لم تطرف بعينها. ضغطت على أسنانها وردت بصوت واثق:
ـ "أنا مش نسخة من حد يا سلطان الجبل.. وأختي مش خاينة، والأيام عتبين لك الحقيقة. أما وجودي اهنه، فهو عشان حقن الدم، مش عشان أسمع كلام مالوش عازة."
اشتعلت النار في عيني قاسم من جراء ترفعها وعنادها. قبض على ذراعها بقوة جعلتها تحبس أنفاسها من الألم، وهمس بفحيح مرعب:
ـ "الحقيقة أنا اللي بكتبها بيدي اهنه في النجع ده يا ليلى.. ومن النهاردة، إنتي مابقاش ليكي اسم، إنتي 'البديلة'.. وعقد امتلاكك انكتب بالدم، والي ليلة عتعرفي فيها كيف الجبل لما بينهار، بيسحق الورد اللي تحتيه!"
ألقى بذراعها بقوة، والتفت إلى الخدم والحراس الذين كانوا يقفون بترقب، وزعق بصوت زلزل جدران السرايا:
ـ "خدوها على الأوضة الجوانية.. ومحدش يدخل لها واصل لحد ما أجي لها بليل. الليلة.. عتبدأ زفة الحق!"
مشيت ليلى مع الخادمة وهي تشعر بأن ذراعها كاد ينكسر من قبضته، لكنها لم تلتفت خلفها. كانت تعلم أن خلف هذه السرايا المحصنة، وأمام هذا الرجل الذي يقسم ألا يلين، ينتظرها صراع لا يرحم.. صراع ستكون فيه إما الضحية، أو السلطانة التي تروض الجبل.
تزاحمت الظلال على جدران الغرفة "الجوانية" كأنها أشباح تتربص بالوافدة الجديدة.
لم تكن الأجزاء المتبقية من الثواني الثلاث التي نطق بها الخائن "عوض السواح" مجرد أرقام تتحرك على شاشة الموت؛ بل كانت فصلاً جديداً يُكتب بالجمر والدم في تاريخ نجع الراوي، حيث تحولت رائحة الليمون الشتوية الباردة في ثانية واحدة إلى ريح مشبعة بالموت البيولوجي المستورد من روما. غاصت الأنفاس في الصدور، وتسمرت الأقدام فوق تراب الباحة المهدومة، بينما كان الصمت في خيمة التوائم أثقل من كبرياء الجبال التي عاصرت المذابح.في منتصف الخيمة، كان "قاسم الراوي" يقف كالمارد الجريح، وجسده الضخم العاري يعلو ويهبط بأنفاس حارة حارقة تمزق ضلوعه. برزت عروق جبهته كحبال قُدت من جمر ثائر، وعيناه الصقريتان اللتان تحولتا إلى كتلتين من اللهب القاتل دارتا بين جثث أمه وشقيقات زوجته اللواتي يتلوين على الأرض بـ أثر السّم، وبين فوهة مسدسه التي طلب الخائن أن يوجهها إلى رأسه.لم يكن قاسم يخشى الموت واصل؛ فالرجل الذي روض الجبل بـ سلاحه لا يعرف قلبه الخوف، لكن غيرة التملك الشرسة والجنون الأعمى لـ وردته "ليلى" ولـ دمه جعلت جوفه يغلي ببركان من القسوة والغضب الطاغي. كان يعلم بـ غريزته الصقرية أن رصاصة واحدة من بندقيته نحو عوض ع
لم تكن ريح الشمال التي هبّت فجأة من وراء المنحدرات الغربية لـ نجع الراوي تحمل رطوبة الصيف المعتادة، بل كانت ريحاً شتوية مبكرة، قارسة، عوت بين فروع أشجار الرمان المحترقة كأنها أنفاسٌ باردة لـ وحش كوني يستعد لابتلاع ما تبقى من كبرياء السرايا. الغبار الرمادي الذي خلّفته الطائرات السوداء كان ما يزال معلقاً في الهواء، يكسو الضوء الباهت للشمس بـ غشاوة نحاسية كئيبة، بينما كانت المدرعات المصفحة التابعة لـ "شاهين السيوفي" تقف كأطياف من الفولاذ الداكن، محاصرةً الباحة الرئيسية بـ صمت مرعب يجمد الدماء في العروق.في منتصف الساحة، كان "قاسم الراوي" يقف كـ عمود من الجرانيت الأسود الذي لا ينحني أمام العواصف. بـ رغم أن جسده العريض كان ينضح بـ دماء جراحه المفتوحة، وبـ رغم أن سم الخنجر الشناوي كان يغلي في عروق رقبة بارزة كحبال مشتعلة، إلا أن وقفته كانت مستقيمة كالسيف. عيناه الصقريتان لم تطرفا واصل؛ بل كانتا تثبتان على شقيقه الملعون، جلال، الراقد كجثة هامدة، ثم تتحولان نحو الطاغية الجديد "شاهين السيوفي" بـ نظرة وعيد تقطر بـ رغبة عارمة في التدمير والفتك.تصلبت أصابعه الحديدية حول مقبض بندقيته الآلية الثقي
لم يكن الرّقم القانع المتبقي في شاشة العدّ التنازليّ المخبأة في عمود الشرفة الرخاميّ مجرّد مؤشر زمنيّ؛ بل كان النَّفَس الأخير لـ مَلكوت عائلة السيوفي الذي أَبى إلا أن يجرّ الصعيد كله معه إلى الهاوية. انخفض المؤشر في أجزاء من الثانیة ليضرب الصفر المطلق. وفي تلك اللمحة المحبوسة بين الموت والحياة، لم تسمع الآذان دويّ الانفجار أولاً، بل سبقه سكونٌ مرعب انشقت له الأرض، كأن صخور الجبل الشرقيّ تُنزع من عروقها بـ قوة غاشمة لا ترحم.انفجرت القنابل الهيدروليكية الكيميائية المدفونة تحت أساسات السرداب السفليّ بـ ارتداد زلزاليّ أسطوريّ. تحوّلت الباحة الرخامية الفاخرة للسرايا الكبيرة إلى شظايا متطايرة كـ خناجر من الفضة، واندلعت ألسنة اللهب البرتقالية النفاذة لتلعق عنان السماء، ملتهمةً الجدران الحجرية العتيقة والستائر المخملية المطرزة بالذهب. تهاوت أعمدة المندرة الكبيرة بـ دويّ رعديّ شق أركان النجع، ليتصاعد غبار رمادي كثيف خانق حجب ضوء الصباح الجديد بالكامل، وكسا الكون بـ وشاح من العتمة والمأساة.تحت هذا الرماد المتساقط كالمطر الحارق، كان "قاسم الراوي" قد أحكم حصاره الأسطوريّ. لم يكن يحمي ليلى وشقيق
لم يكن صوت الفحيح الميكانيكي المنبعث من جهاز اللاسلكي الملقى فوق الفراش المخملي مجرد نعيٍ لـ كبرياء نجع الراوي، بل كان عاصفة صاعقة اقتلعت جذور الأمان من صدر "قاسم الراوي" لتتركه وحشاً كاسراً جُرِّد من روحه. تجمعت الأنفاس في صدره العريض، وبرزت عروق جبهته كـ حبال قُدّت من جمر بركاني ثائر. عيناه الصقريتان اللتان حدقتا في أثر غاز الاختطاف الأزرق وفي شال سلطانه الأسود المطمور بالتراب، تحولتا إلى كتلتين من اللهب القاتل الذي يهد الصخور.عشر دقائق! ستمائة ثانية فقط تفصل بين حياة "ليلى" وتحولها إلى جثة مهدورة الدم تحت نصل أبيها الملعون "جلال السيوفي" في "مذبح الصخر القديم" بأعلى قمم الجبل الشرقي.لم يلتفت قاسم لجراحه النازفة بوضوح من كتفه وصدره، ولم يهتم لـ سم الخنجر الشناوي الذي كان يغلي في عروقه؛ فـ غيرة التملك الشرسة والجنون الأعمى لـ وردته ليلى فجرت في أوصاله قوة غاشمة لا تحكمها قوانين البشر. سحب بندقيته الآلية الثقيلة بـ كف حديدية برزت عظامها، وعمّرها بصوت حديدي مرعب تردد صداه كـ زئير الرعد في أركان السرايا الفارغة، وزأر بصوت جهوري شق سكون الفجر:ـ "يا هوارة واصل!! السلاح!! ميتين مقاتل يط