Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / أطيافُ العرشِ الجديد

Share

أطيافُ العرشِ الجديد

last update publish date: 2026-05-22 08:14:09

لم يكن الفجر الذي بَزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً؛ بل كان غسيلاً تطهرت به أرض نجع الراوي من دماء الخيانة التي تلوثت بها لسنوات. رائحة البارود التي كانت تخنق الأنفاس بدأت تتلاشى، تاركةً المكان لنسمات الصباح الباردة التي تحمل ريح الجبل العليل.

في أعلى شرفة السرايا الكبيرة، التي أُعيد ترميم الجزء الأكبر منها بفضل سواعد مئات الرجال الذين عملوا دون انقطاع، كانت "ليلى" تقف كملكة توجتها النيران. كانت ترتدي ثوباً صعيدياً فاخراً من الحرير المخملي ذي اللون الأخضر الداكن، المطرز بخيوط القصب الذهبية عند الصدر والأكمام، وفوق رأسها شال أسود رقيق يبرز بياض وجهها وصفاء عينيها اللتين استقر فيهما أخيراً هدوء المنتصرين. لم تعد تلك "البديلة" المنكسرة التي دخلت الدار كـ "دية" لحقن الدماء؛ بل أصبحت، وباعتراف الجميع، سلطانة هذا العرين بلا منازع.

من مكانها، كانت تراقب باحة السرايا الواسعة. كان "قاسم" يقف في المنتصف، محاطاً بكبار رجال النجع والوجهاء الذين جاءوا من شتى بقاع الصعيد لتقديم فروض الولاء والمباركة بالسرايا الجديدة والعهد الجديد. كان يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً، وفوق كتفيه عباءة كشميرية فاخرة، وعمامته الصعيدية ملفوفة بكبرياء يلامس السماء. جراحه لم تكن سوى أوسمة شرف تزيد من هيبته الطاغية، وعيناه الصقريتان كانتا تدوران في المكان بـ حسم، وكأنه يثبت دعائم مملكته التي بناها من رماد الغدر.

بخطوات وئيدة، ثقيلة ومهيبة، أنهى قاسم حديثه مع الرجال، والتفت برأسه نحو الأعلى. التقت عيناه بعيني ليلى، ولثانية واحدة، اتمسحت كل القسوة عن وجهه الحاد لتظهر تلك الابتسامة الخفيفة الدافئة التي لا يملكها أحد في الكون غيرها. تحرك نحو الداخل، ودقات حذائه على الدرج الرخامي العريض كانت تبدو لقلب ليلى كـ دقات طبول تعلن اقتراب الأمان.

انفتح باب الشرفة برفق، ودخل السلطان. انبعثت معه رائحة عطره النفاذة الممزوجة بريح الرجولة الطاغية والتبغ الثقيل. وقف يتأملها لثوانٍ بصمت، وعيناه تتفرسان في ملامحها وكأنه ما زال لا يصدق أن الوردة صمدت وسط كل هذا الإعصار.

ـ "صباح الخير يا سلطانة الجبل.." قالها قاسم بصوته الرخيم العميق، وهو يتقدم نحوها بخطوات بطيئة حاصرتها عند سور الشرفة.

التفتت إليه ليلى، ورفعت رأسها لتبادله النظرة بعناد رقيق يعشقه:

ـ "صباح النور يا سلطان.. شايف النجع كله اهنه النهار ده، الكل جاي يبارك ويبايع العهد الجديد."

امتدت يده الضخمة ذات الأصابع القوية، وأمسكت بذقنها برفق حاسم يرفع وجهها إليه أكثر، وهمس بأنفاس حارة لفحت وجنتيها:

ـ "النجع كله مايهمنيش واصل يا ليلى.. النجع ده كله تحت رجلي بكلمة مني، بس اللي يهمني هو الوردة اللي ملكت قلب السلطان وتحدت الجبل بلي فيه. إنتي خابرة إنتي عتعملي إيه في كياني بنظرة عيونك دي؟"

شعرت ليلى بقلبها ينبض بعنف، بركان العشق والتملك الذي يخفيه قاسم كان يتدفق عبر كلماته وقربه الطاغي. وضعت كفيها الصغيرين على صدره العريض، وشعرت بدقات قلبه القوية المتلاحمة، وقالت بنبرة تفيض بالعاطفة:

ـ "خابرة يا قاسم.. وخابرة كمان إن ماليش أمان ولا دار في الدنيا دي كلها غير بين ضلوعك، حتى لو كنت في يوم من الأيام سجاني وقاسي عليا."

ضحك قاسم ضحكة ساخرة دافئة، وسحبها إلى حضنه بقوة هائلة جعلتها تشعر وكأنها تذوب داخل ألوح صدره العريضة. كانت ضمة تملك طاغية، ضمة ملك يعلن للعالم أن هذه المرأة هي خط أحمر، ومن يجرؤ على الاقتراب منها سيكون كفنه بيده. همس فوق رأسها:

ـ "كنت قاسي عشان كنت عمي، كنت شايف فيكي ذنب مش ذنبك.. بس النهار ده، لو طلبتي روحي عأقدمها ليكي على كفي يا سلطانة قلبي."

لكن الصعيد لا يترك أحداً ينعم بالسلام طويلاً؛ فبينما كان العشق يولد من جديد بين أحضان السلطان وسلطانته، كانت هناك خيوط ومؤامرات جديدة تُحاك في عتمة النجع الجواني.

في مندل السرايا السفلي، كانت "فرحة" تجلس بجانب النافذة، ملامحها ما زالت تحمل شحوب سنوات الأسر، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بنظرات غامضة وهي تراقب حراس السرايا. فرحة التي أعلن قاسم موت مكانها في قلبه، أصبحت تعيش في جناح منفصل، معززة مكرمة كـ ابنة عيلة، لكن كبرياءها الأنثوي جُرح بـ شدة عندما رأت أختها التوأم ليلى تتربع على العرش الذي كان يفترض أن يكون لها.

تحركت خادمة صغيرة بخطوات حذرة داخل غرفتها، ووضعت ورقة مطوية صغيرة تحت كوب الماء، وهمست برعب:

ـ "الست فرحة.. الورقة دي جت من بره السرايا، من حد عيقلك إنه من بقايا رجالة أدهم الهواري.. وعيقولك إن التار لسه ماماتش!"

اتسعت عينا فرحة، وسحبت الورقة بسرعة بمجرد خروج الخادمة. فتحتها بيدين ترتعدان، وقرأت الكلمات المكتوبة بحبر أحمر كـ الدم: «سلطان الجبل أخد أرضك وعشقك وادّاها لأختك البديلة.. لو عوزة حقك يرجع والسرايا دي تتهد فوق رؤوسهم، اسمعي الكلام وافتحي الباب الجواني للمطبخ الليلة بليل.. الكبير مات بس رجاله لسه صاحيين!».

تصلب جسد فرحة، وتصارعت الأفكار في رأسها؛ هل تسلم أختها وقاسم للموت انتقاماً لكبريائها الجريح؟ أم تظل وفية لدمها؟ الغيرة والغل اللذان زرعتهما سنوات العذاب في المغارة بدآ يتحركان في جوفها كالأفاعي.

مع حلول المساء، أقام قاسم مأدبة عشاء كبرى لكبار النجع للاحتفال بانتهاء أعمال الترميم. كانت المندرة الكبيرة تضج بالأصوات والضحكات، وليلى تجلس بجانب قاسم كالملكة، وعيناه لا تفارقها لحظة واحدة. كانت غيرة التملك الصعيدية تظهر في كل حركة؛ فكلما حاول أحد الوجهاء توجيه نظرة أو حديث لـ ليلى، كانت نظرات قاسم الصقرية تلجمه وتجبره على طأطأة الرأس.

ـ "كفاية واقفتك اهنه وسط الرجال يا ليلى.." همس قاسم في أذنها بنبرة رخيمة آمرة تحمل كل معاني التملك والغيرة الحارقة. "اطلعي على أوضتك الجوانية، وماريدش عيون حد من الغرب تلمح طرف ثوبك واصل."

ابتسمت ليلى بـ ترفع وعناد يعشقه، وأومأت برأسها:

ـ "حاضر يا سلطان.. طالعة عشان خاطرك وخاطر غيرتك اللي عتحرق النجع دي."

تحركت ليلى نحو الجناح العلوي، ودخلت غرفتها الفاخرة. استلقت على الفراش الحريري وهي تشعر بـ إرهاق شديد بعد يوم طويل. وفجأة، شعرت بحركة غريبة ورائحة بخور نفاذة غير معتادة بدأت تتسلل من تحت الباب. حاولت النهوض، لكن رأسها بدأ يدور بـ ثقل شديد، وشعرت بأن أطرافها تتخدر.. لم يكن بخوراً عادياً، بل كان غازاً مخدراً يُرش عبر فتحات التهوية الخشبية العتيقة للسرايا!

ـ "قاسم..." حاولت ليلى الصراخ، لكن صوتها خرج كهمسة مخنوقة قبل أن تسقط فاقدة الوعي فوق الفراش.

في نفس اللحظة، كانت فرحة تقف عند باب المطبخ السفلي للسرايا، ويدها ترتعش وهي تفتح المزلاج الحديدي الثقيل بدم بارد، ليتسلل من خلاله ثلاثة رجال ملثمين يحملون خناجر وأسلحة كاتمة للصوت! تقدم الملثمون بخطوات الأشباح نحو الأعلى، مستغلين انشغال قاسم ورجاله بالمأدبة الكبيرة في المندرة الخارجية.

انفتح باب غرفة ليلى ببطء، ودخل الملثمون. تقدم أحدهم نحو الفراش، وسحب غطاء أسود ثقيلاً ليلفه حول جسد ليلى الفاقدة للوعي، بينما وقف الآخر يحرس الممر. وبـ لمح البصر، حملوا سلطانة الجبل وتحركوا بها نحو السرداب الخلفي الذي فتحت فرحة أبوابه!

في المندرة الخارجية، شعر قاسم بـ انقباض مفاجئ في صدره، كأن سكيناً غُرست في قلبه بدون مقدمات. انتفض واقفاً من مكانه وسط ذهول الحاضرين، واعتذر منهم بـ حسم، واندفع نحو الجناح العلوي بسرعة الصقر. كان قلبه ينبض بـ دقات مرعبة تخبره بأن وردته في خطر.

وصل إلى باب الغرفة الجوانية، ليجده موارباً، ورائحة المخدر النفاذة ما زالت عالقة في الأجواء. اندفع إلى الداخل، ليتسمر في مكانه والذهول والصدمة يزلزلان كيانه بالكامل.. الفراش كان خالياً، ووشاح ليلى الأخضر ممزق وملقى على الأرض، وبجانبه.. كانت تقف "فرحة" تبكي بـ رعب وندم شديد بعد أن أدركت بشاعة ما فعلت!

ـ "ليلى فين يا فرحة؟!!" صرخ قاسم بـ زئير جريح كاد يمزق جدران السرايا، وقبض على ذراع فرحة بقوة هائلة جعلتها تجثو على ركبتيها. "انطقي قبل ما أدفنك اهنه مكانها بيدي!! ليلى فين؟!!"

ـ "أخدوها يا قاسم!! أخدوها بقايا رجالة أدهم الهواري!" صرخت فرحة بهستيرية والدموع تغسل وجهها الشاحب. "أنا اللي فتحت لهم الباب.. الغل عَمى عيوني مكنتش أعرف إنهم عياخدوها عشان يقتلوها! قالوا لي عياخدوا أرضك بس! سامحني يا قاسم!! ليلى عتموت بسببي!"

سقطت الكلمات كالصاعقة فوق رأس السلطان. تراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بـ جنون وتحدٍ لم يشهد له الصعيد مثيلاً. لم يبكِ ولم يتردد؛ بل سحب سلاحه الآلي وعمرّه بـ صوت حديدي مرعب تردد صداه في أركان السرايا، وبـ صوت زلزل الأرض من تحت قدمي فرحة، زعق بالحراس الذين ركضوا نحو الأعلى:

ـ "يا هوارة!! السلاح!! الجبل كله يقفل من الليلة!! اللي عيمس طرف شال ليلى، عيكون بيمضي على شهادة وفاته بيده الليلة! أنا عأحرق الصعيد كله عشانها، وعأجيب سلطانة قلبي من جوف الموت بيدي!!"

اندفع قاسم إلى الخارج كالإعصار الغاضب، وخلفه مئات الرجال المسلحين، لتشتعل الملحمة وتصل إلى ذروتها الأكثر دموية وتحدياً في بطن الجبل الشرقي!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status