Masukبدأت القاعة تمتلئ بالضيوف قبل موعد مراسم الخطوبة بوقت كافٍ. لم يكن الحفل ضخمًا أو مبالغًا في فخامته، لكنه كان مرتبًا بعناية ويحمل طابعًا عائليًا دافئًا، جعل المكان يبدو مريحًا رغم ازدياد عدد الحاضرين وتداخل أصوات الأحاديث والضحكات في أرجائه.كانت الطاولات موزعة حول القاعة، وقد وُضعت عليها أطباق خفيفة ومشروبات، بينما امتزجت أصوات الأقارب ببعضها كلما التقى شخص بآخر لم يره منذ فترة طويلة، فتتجدد الذكريات والأسئلة والتهاني قبل أن تبدأ المراسم رسميًا.وقفت لميس إلى جوار والدة ياسين، تستقبل الضيوف بابتسامة هادئة، بينما كانت والدته تتولى تقديمها إلى الأقارب والمعارف الذين وصلوا تباعًا. كانت تذكر أسماءهم وتشرح صلة القرابة عند الحاجة، فيما تحاول لميس حفظ الأسماء والرد على كل تهنئة بكلمات لطيفة، رغم أنها كانت تشعر بأن عدد الوجوه التي عليها تذكرها أكبر من قدرتها على الاستيعاب في يوم واحد.كان توترها واضحًا بطريقة بسيطة؛ فكلما انتهت من مصافحة أحدهم كانت تضم أصابعها إلى بعضها للحظات، ثم تستعيد هدوءها عندما تسمع كلمة طيبة أو ابتسامة مشجعة من إحدى السيدات. لم تكن خائفة م
مرت الأيام التالية بهدوء، وبدأت ليان تتأقلم مع تفاصيل حياتها الجديدة شيئًا فشيئًا. في البداية كانت تتحرك في الفيلا بحذر، وكأنها لا تزال تخشى أن تلمس شيئًا ليس من حقها، لكنها مع مرور الوقت بدأت تتخلى عن ذلك الشعور. أصبحت تعرف طريقها إلى المطبخ والحديقة والمكتبة، وصارت تعرف أي نافذة يدخل منها ضوء الصباح إلى غرفة الرسم. وكان المرسم أكثر الأماكن التي جذبتها. تقضي فيه ساعات طويلة كل يوم، أحيانًا أمام النافذة ترسم ما تراه، وأحيانًا أمام لوحة بيضاء تظل تحدق فيها طويلًا قبل أن تبدأ أول خطوطها. أما آدم، فعاد تدريجيًا إلى عمله. عادت اجتماعاته ومكالماته وساعات العمل الطويلة، لكن عودته إلى العمل لم تعنِ عودة المسافة القديمة بينهما. كان يخبرها عندما يتأخر، ويرسل لها رسالة قصيرة إذا تغير موعد عودته، وحين يدخل المنزل لم يعد يتجه مباشرة إلى مكتبه كما اعتاد. كان يسألها أولًا عن يومها. عن لوحتها الجدي
لم تعرف ليان أن الصندوق الطويل الذي وصل إلى الفيلا في ذلك الصباح كان قد وُضع في زاوية قريبة من المدخل، بعيدًا عن حركة الموظفين. كانت منشغلة تمامًا بما أمامها؛ فالملابس أحاطت بها من كل جانب، وأصبحت كل موظفة تحمل قطعة مختلفة، تحاول معرفة ما إذا كانت ستناسب ذوقها. كانت إحداهن ترتب الفساتين فوق الأريكة، بينما وقفت أخرى أمام مجموعة من الصناديق تبحث عن مقاس معين، وجلست ثالثة قرب الطاولة تسجل القطع التي أعجبت ليان. رفعت ليان فستانًا آخر أمام جسدها، ثم أدارت رأسها نحو آدم الذي كان يقف بالقرب من الأريكة، وقد بدا أكثر هدوءًا من الجميع. «ما رأيك بهذا؟» سألت وهي تنظر إليه من خلال المرآة. رفع آدم عينيه إليها، وتأمل الفستان للحظات قبل أن يعيد نظره إلى وجهها. «جميل.» ضيقت ليان عينيها بشك، ثم أنزلت الفستان قليلًا وقالت بنبرة عتاب: «قلت الشيء نفسه عن الفستان السابق.» رفع آدم حاجبه ووضع هاتفه على الطاولة. «لأن الفستان السابق كان جميلًا أيضًا.»
تغيرت ملامحه قليلًا، واختفت ابتسامته العابرة. مد يده وأشار لها بأن تجلس، لكنها بقيت واقفة أمامه تنتظر الإجابة، فرفع عينيه إليها وقال بجدية: «لأنني لا أريدك أن تضطري إلى ارتداء شيء يذكرك بحياة تحاولين تجاوزها.» توقفت ليان عن الكلام. نظرت إليه للحظات، ثم انخفضت عيناها نحو القميص الذي ترتديه، وكأنها فهمت ما يقصده. لم يكن يحاول شراء الملابس لمجرد إظهار ثرائه أمامها، ولم يكن يريد أن يجعلها تنسى ماضيها بمجموعة من الفساتين. كان يعرف أن بعض الأشياء التي تركتها خلفها تحمل معها ذكريات لا تريد الاحتفاظ بها، وأن انتقالها إلى حياته لا يعني أن عليها أن تعيش وسط آثار حياتها السابقة. كان يريد أن يمنحها شيئًا آخر؛ فرصة أن تنظر إلى خزانة جديدة دون أن ترى خلف كل قطعة ذكرى قديمة. اقتربت إحدى الموظفات وهي تحمل فستانًا، ثم توقفت أمام ليان تنتظر رأيها. نظرت ليان إلى الفستان، ثم رفعت عينيها نحو آدم، فوجدته يراقبها بابتسامة هادئة. مررت أصابعها على القماش، ثم رفعت رأسها إليه وقالت بن
استيقظت ليان على هدوء غريب يملأ الغرفة. مدت يدها بشكل عفوي نحو الجانب الآخر من السرير، لكنها لم تجد سوى ملاءة باردة ووسادة احتفظت برائحة النعناع التي اعتادت أن ترتبط بها رائحة آدم. بقيت للحظات تحدق في المكان الفارغ، ثم عادت إليها ذكريات الليلة الماضية تدريجيًا، ابتداءً من الخاتم الذي استقر في إصبعها، وصولًا إلى اللحظة التي انتهت فيها السهرة وهي بين ذراعيه، فشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجهها رغم أنها كانت وحدها. رفعت يدها أمام وجهها وتأملت الخاتم للحظات، ثم مررت إصبعها فوقه بحركة بطيئة. كان من الصعب عليها أن تستوعب أن كل شيء تغير خلال يوم واحد فقط؛ بالأمس كانت تستعد لمغادرة حياتها القديمة، أما الآن فقد استيقظت في منزل زوجها، وفي إصبعها دليل واضح على أن حياتها أصبحت مختلفة بالفعل. جلست ببطء، ومسحت وجهها بكفها قبل أن تنهض وتتجه إلى الحمام. وبعد أن اغتسلت، اختارت ملابسها، ثم وقفت أمام خزانة الملابس للحظات قبل أن تختار قميصًا أبيض واسعًا من ملابس آدم دون أن تفكر
بعد أن غادرا الحديقة، لم يُعد آدم ليان مباشرة إلى غرفة الطعام، بل قادها عبر ممر جانبي في الطابق الأرضي. كانت خطواته هادئة، بينما مشت إلى جواره وهي لا تزال تستعيد في ذهنها تفاصيل الحديقة والأرجوحة التي لم تتوقع وجودها في منزله. وبينما كانت تحاول تخمين المكان الذي يقودها إليه، توقف بعد عدة خطوات أمام باب خشبي فاتح اللون، ووضع يده على المقبض قبل أن يلتفت إليها بنظرة قصيرة. «لدينا مكان آخر أريد أن أريكِ إياه.» رفعت ليان حاجبها، ثم نظرت إلى الباب بشيء من الفضول. «مكان آخر؟» لم يجبها، واكتفى بإدارة المقبض وفتح الباب. ما إن دخلت حتى توقفت في مكانها. كانت الغرفة واسعة ومضيئة، تتسلل إليها إضاءة دافئة من مصابيح موزعة بعناية، بينما امتدت نوافذ كبيرة على أحد الجدران تطل مباشرة على الحديقة. كان المنظر الخارجي واضحًا من الداخل، مما جعل المكان يبدو أكثر اتساعًا وراحة. وفي منتصف الغرفة استقرت طاولة رسم طويلة، فوقها أوراق بيضاء بأحجام مختلفة، وقد رتبت حولها الألوان







