Share

فرحة اخرى

Author: مايا
last update publish date: 2026-08-15 04:36:40

منذ أن عاد فهد إلى البيت بعد سنوات من الألم والمعاناة، أصبحت الأسرة كلها تعيش على أمل واحد: أن يراه واقفًا على قدميه من جديد.

كان الأطباء قد أخبروهم أن هناك عملية جراحية دقيقة يمكن أن تمنحه فرصة حقيقية لاستعادة القدرة على تحريك ساقيه، لكنها عملية معقدة تحتاج إلى طبيب متخصص وفترة طويلة من العلاج والتأهيل. لم يكن أحد يستطيع أن يضمن النتيجة، لكن الأطباء أكدوا أن فرص النجاح موجودة، وأن التأخير قد يجعل الأمر أكثر صعوبة.

لهذا السبب، اجتمعت الأسرة ذات مساء حول فهد.

قال أحد أفراد العائلة بحذر:

"فهد، إلى متى ستبقى تؤجل؟ أنت تعرف أن العملية قد تكون فرصتك الأخيرة."

تنهد فهد، وأدار وجهه بعيدًا.

"قلت لكم إنني لا أريدها."

ساد الصمت.

كانت الأسرة قد سمعت الجملة نفسها عشرات المرات. كلما حدد الطبيب موعدًا جديدًا، تراجع فهد في اللحظة الأخيرة. مرة بحجة أنه غير مستعد نفسيًا، ومرة لأنه يخشى الفشل، ومرة لأنه كان يعتقد أن العملية لن تغير شيئًا.

لكن الحقيقة التي لم يكن يعترف بها كانت أعمق من ذلك.

كان فهد خائفًا.

خائفًا من أن يدخل غرفة العمليات ثم يخرج منها كما دخل، فيشعر أن آخر أمل له قد انتهى.

قالت والدته بحنان:

"يا بني، نحن لا نريد أن نضغط عليك. نريد فقط أن تمنح نفسك فرصة."

أجاب بصوت متعب:

"وإذا فشلت؟"

اقترب منه أحد أفراد الأسرة وقال:

"وإذا نجحت؟ لماذا لا تفكر في هذا الاحتمال أيضًا؟"

لم يجد فهد جوابًا.

وبينما استمرت الأسرة في محاولة إقناعه، كانت زوجته المفضلة تراقبه بصمت. كانت تعرف زوجها أكثر من أي شخص آخر. تعرف عناده، وتعرف مخاوفه، وتعرف أيضًا أن القسوة لن تنفع معه.

لذلك لم تجادله.

في اليوم التالي، دخلت غرفته بابتسامتها المعتادة، وجلست إلى جواره وكأنها جاءت لتحدثه في أمر عادي.

قالت وهي تبتسم:

"صباح الخير أيها الرجل العنيد."

نظر إليها فهد باستغراب.

"عنيد؟ أنا؟"

ضحكت وقالت:

"طبعًا أنت. لو كان هناك لقب لأكثر رجل يهرب من المستشفى، لحصلت عليه دون منافس."

ابتسم فهد رغمًا عنه.

"وأنتِ ماذا تريدين الآن؟"

قالت وهي ترفع حاجبيها:

"لا شيء. جئت فقط لأتأكد أنك ما زلت تستطيع الابتسام."

ثم أضافت ممازحة:

"لكن لدي طلب صغير."

"ما هو؟"

"أن تذهب إلى الطبيب."

تغيرت ملامح فهد فورًا.

"بدأنا من جديد؟"

هزت رأسها قائلة:

"لا، هذه المرة لن أجادلك."

نظر إليها باستغراب.

تابعت:

"لن أقول لك إن العملية سهلة، ولن أعدك بأنك ستخرج راكضًا من المستشفى. ولن أقول إنني لا أخاف عليك، لأنني أخاف عليك أكثر مما تتخيل."

سكتت للحظة، ثم أمسكت يده.

"لكنني أريد منك شيئًا واحدًا فقط... ألا تحرم نفسك من الأمل."

ظل فهد ينظر إليها.

قالت بابتسامة صغيرة:

"تذكر عندما كنت تقول لي إن الحياة لا تعطي الإنسان ما يريد بسهولة؟ كنت أنت من علمني أن نحاول مرة أخرى عندما نفشل."

ابتسم فهد وقال:

"كنت أقول ذلك؟"

"نعم، وكنت تزعجني بهذه الفلسفة أيضًا."

ضحك الاثنان.

ثم اقتربت منه أكثر وقالت:

"أنا لا أطلب منك أن تكون شجاعًا طوال الوقت. يمكنك أن تخاف. يمكنك أن تقلق. يمكنك حتى أن تقول إنك لا تريد العملية. لكن لا تتخذ قرارك وأنت خائف."

كانت كلماتها مختلفة عن كل ما سمعه طوال الأيام الماضية.

لم تضغط عليه، ولم تهدده، ولم تبالغ في وعودها.

فقط جعلته يشعر بأنه لن يكون وحده.

قال فهد بعد صمت طويل:

"وماذا لو لم أستطع؟"

أجابته فورًا:

"سأكون هناك."

"وإذا خفت؟"

"سأضحك معك حتى تنسى خوفك."

"وإذا فشلت العملية؟"

توقفت للحظة، ثم قالت:

"سنواجه النتيجة معًا. لكنني أريد أن نصل إلى تلك النتيجة بعد أن نحاول، لا بعد أن نهرب."

خفض فهد رأسه، وبقي صامتًا لعدة ثوانٍ.

ثم رفع عينيه إليها وقال:

"حسنًا."

لم تصدق ما سمعته.

"حسنًا ماذا؟"

قال:

"سأجري العملية."

قفزت من مكانها بسعادة، وصفقت بيديها قائلة:

"أخيرًا! لقد انتصرت!"

ضحك فهد:

"كنتِ تخططين لهذا منذ البداية!"

أجابته وهي تضحك:

"طبعًا، لكنني كنت أحتاج إلى أن تقرر بنفسك."

وعندما علمت الأسرة بالخبر، امتلأ البيت بالفرح. لم تكن فرحتهم لأن العملية مضمونة النجاح، بل لأن فهد قرر أخيرًا أن يمنح نفسه فرصة.

وفي صباح يوم العملية، تجمع الجميع حوله قبل أن ينقلوه إلى غرفة العمليات.

كانت زوجته إلى جواره، تمسك يده وتقول:

"لا تنسَ... عندما تخرج، لدي حساب طويل معك لأنك أخفتنا كل هذه المدة."

ضحك فهد وقال:

"إذا خرجت واقفًا، سأعوضك عن كل شيء."

أجابته بابتسامة:

"لا أريد شيئًا منك. أريد فقط أن تعود إلينا بخير."

ثم تحرك السرير ببطء نحو غرفة العمليات.

ظل فهد ينظر إليها حتى ابتعد عنه، وكانت ابتسامتها آخر شيء رآه قبل أن تغلق أبواب غرفة الجراحة.

وفي الخارج، بدأت الأسرة تنتظر.

لم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث، لكن للمرة الأولى منذ سنوات، كان هناك أمل حقيقي.

أما زوجته، فجلست وهي تردد في قلبها:

"هذه المرة لن نهرب من القدر... سنواجهه معًا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ومن الحب ما قتل   الوصية

    ماتت علياء...وفي اللحظة التي أُعلن فيها خبر وفاتها، خيّم الصمت على قصر الشامي، وكأن جدرانه نفسها فقدت القدرة على الكلام.لم يكن أحد مستعداً لهذه الضربة الجديدة.فمنذ ثلاثة أشهر فقط، ودّعت العائلة السيد فهد، الرجل الذي كان عماد القصر وصاحب الكلمة الأولى في الشركة والمنجم. واليوم، ها هي زوجته علياء تلحق به، تاركة خلفها أبناءً لم يستوعبوا بعد فراق والدهم.كان رحيلها أشبه بالضربة القاضية.جلست زينب وزليخة وليان في إحدى زوايا القصر، متشبثات ببعضهن، والدموع لا تتوقف عن الانهمار من أعينهن. أما سعد فكان يقف بعيداً عن الجميع، شارد النظرات، عاجزاً عن تصديق أن والدته التي كانت تناديه وتوبخه وتحتضنه، لن تناديه بعد اليوم.قالت ليان بصوت مخنوق:— أمي رحلت... الآن أصبحنا بلا أب ولا أم.لم تجد زينب جواباً.أما زليخة فرفعت عينيها نحو صورة والديها المعلقة على الجدار وقالت:— لماذا أخذ القدر الاثنين بهذه السرعة؟أقيمت لعلياء جنازة مهيبة تليق بمكانتها. حضر أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء وموظفو الشركة وعمال المنجم، وامتلأت ساحة القصر بالمعزين.وحين حان وقت الرحيل الأخير، حُمل جثمان علياء وسط بكاء أبنائ

  • ومن الحب ما قتل   موت علياء وسر المفتاح

    وبينما كانت علياء تجلس في الحديقة الواسعة للقصر، تستنشق بعض الهواء في محاولة للتخفيف عن قلبها المثقل بالحزن بعد رحيل زوجها فهد، شعرت فجأة بنغزة حادة في صدرها.وضعت يدها على قلبها، وحاولت أن تستجمع أنفاسها، لكن الألم اشتدّ فجأة، ثم ترنحت وسقطت أرضًا.— أمي!تعالت صرخة ليان، قبل أن تركض زينب وزليخة وسعد نحوها. تجمعوا حولها في حالة من الذعر، بينما كانت علياء شاحبة الوجه، بالكاد تستجيب لهم.— أمي، افتحي عينيك! أرجوكِ!اتصل سعد بالإسعاف، ولم تمر سوى دقائق حتى نُقلت علياء على وجه السرعة إلى المستشفى.وبعد الفحوصات، خرج الطبيب بملامح قلقة وأخبرهم أن علياء تعرضت لنوبة قلبية، وأن حالتها تستدعي نقلها فورًا إلى قسم الإنعاش.مرت الساعات ثقيلة كأن عقارب الساعة توقفت.كانت زينب وزليخة وليان وسعد يجلسون في ممر المستشفى، عاجزين عن استيعاب ما يحدث.لقد فقدوا والدهم فهد منذ وقت قصير، وها هي والدتهم الآن تصارع الموت.قالت زينب وهي تخفي دموعها:— لا أستطيع أن أفقد أبي وأمي في الوقت نفسه...أما زليخة فكانت تمسك بيد ليان، بينما ظل سعد واقفًا أمام باب الإنعاش، يحدق فيه بصمت وكأنه ينتظر معجزة.وفي ساعة متأخر

  • ومن الحب ما قتل   اخد حق المرحوم فهد

    لم يتقبل والد فهد بالتبني، كبير عائلة الشامي، قرار طرده من القصر وتجميد أصوله وحساباته في الشركة والمنجم. كان يرى أن ما حدث إهانة لا يمكن أن يغفرها، وأن فهد قد سلبه كل شيء كان يعتقد أنه ملكه.ومنذ تلك اللحظة، تحولت مشاعر الغضب داخله إلى رغبة عمياء في الانتقام.كان هو العقل المدبر وراء الجريمة.لقد دس السم في طعام فهد، وأخفى مكوّن الفول السوداني في التحلية، مستغلاً حساسيته الشديدة منه، حتى بدا موته في البداية وكأنه حادث مأساوي ناتج عن حساسية مفاجئة.لكن علياء لم تصدق الرواية.كانت هناك تفاصيل صغيرة لم تستطع تجاهلها، وثغرات في القصة جعلتها تشعر بأن موت فهد لم يكن طبيعياً.وبعد أن تكشفت الخيوط، أمرت الشرطة بتكثيف البحث عنه، وألا يتركوا حجراً دون أن يقلبوه.مرت الأيام...ثم الأسابيع...ثم الأشهر.ومضى ثلاثة أشهر كاملة على وفاة فهد، بينما ظل الرجل هارباً، يختبئ ويتنقل من مكان إلى آخر محاولاً الإفلات من العدالة. كان يغير ملامحه وملابسه، ويستخدم أسماء مستعارة، ولا يمكث في مكان أكثر من ليلة أو ليلتين. وكلما سمع صوت سيارة شرطة أو لمح رجلاً يراقبه، كان قلبه يقفز في صدره، لكنه واصل الهرب، متشبثا

  • ومن الحب ما قتل   ملابسات الحادثة

    نُقل جثمان السيد فهد الشامي في موكب مهيب إلى مقبرة العائلة، حيث كان ينتظره أحباؤه ليوارى الثرى إلى جانب أجداده وآبائه.كانت علياء تسير بخطوات ثقيلة، وكأن روحها لم تستوعب بعد أن الرجل الذي أحبته وعاشت معه أجمل وأقسى أيام حياتها أصبح الآن جثمانًا محمولًا على الأكتاف.إلى جانبها كانت نجلاء، والسيدة كوثر، وبنات العائلة، وسعد، وكل واحد منهم يحمل في قلبه حزنًا مختلفًا.بعد انتهاء مراسم الدفن، وقف الجميع أمام قبر فهد للحظات صامتة.انحنت علياء ومسحت دموعها، ثم همست:— وداعًا يا زوجي العزيز... لن أترك حقك يضيع.وفجأة اهتز هاتفها.نظرت إلى الرقم... كان مجهولًا.أجابت بصوت متردد:— من معي؟جاءها صوت رجل غامض وبارد:— لا تنبشي وراء الحقيقة يا علياء... لأن دورك قريب.تجمد الدم في عروقها.— ماذا تقصد؟ من أنت؟لكن الاتصال انقطع.بقيت تحدق في الهاتف، وملامح الرعب تكسو وجهها.وبعد ساعات قليلة، توجهت علياء إلى مقر الشرطة وهي مصممة على معرفة الحقيقة.لكن ما سمعته هناك كان أكثر صدمة من التهديد نفسه.قال لها الضابط:— السيدة علياء... لدينا خبر يتعلق بالطباخ.رفعت عينيها بسرعة.— ماذا حدث له؟تردد الضابط ل

  • ومن الحب ما قتل   مراسم تشييع جثمان السيد فهد

    أُقيمت جنازة السيد فهد في قصر الشامي، الذي غطّاه الحزن والسكون بعدما كان بالأمس يعجّ بالحياة والضحكات. بدت أروقته الواسعة غريبة في صمتها، كأن الجدران نفسها فقدت قدرتها على احتضان الأصوات التي اعتادت أن تملأها.حضرت نجلاء برفقة ليلى وزوجها الفرنسي يوهان وابنهما الصغير، كما حضرت عائلة الشامي بأكملها. واصطف موظفو الشركة وعمال المنجم في صمت ثقيل، وقد بدت الصدمة واضحة على وجوه الجميع؛ عيون زائغة، وشفاه عاجزة عن الكلام، وقلوب لم تستوعب بعد أن الغياب أصبح أبديًا. حتى كوثر، والدة فهد البيولوجية، حضرت وهي تحمل في عينيها حزنًا عميقًا على ابنٍ لم تستطع الأيام أن تعوّضها عنه.كان خبر وفاة السيد فهد قد نزل على الجميع كالصاعقة. فرجلٌ كان بالأمس يجلس بينهم، يضحك ويتحدث ويخطط للغد، أصبح اليوم جثمانًا مسجّى ينتظر أن يُوارى الثرى. وكلما مرّ أحدهم قرب نعشه، خفتت الأصوات أكثر، وكأن الجميع يخشى أن يوقظ الحقيقة القاسية التي استقرت في المكان.أما علياء، فكانت أكثرهم انكسارًا.جلست في أحد أركان القصر بثوب الحداد ووجه شاحب أنهكه البكاء. كانت تستقبل المعزّين بصمت، وتردّ على كلمات المواساة بإيماءة صغيرة، بينما

  • ومن الحب ما قتل   موت السيد فهد

    كان خبر وفاة السيد فهد كالسهم المسموم الذي اخترق قلوب عائلة الشامي دفعة واحدة، وترك في داخلهم جرحًا لا يعرفون كيف يضمّدونه...في ذلك اليوم المشؤوم، خيّم الصمت على أرجاء المكان قبل أن يصل الخبر رسميًا. فقد رحل فهد إثر نوبة حساسية حادة وتسممٍ ناتج عن الطعام، بعد أن تبيّن لاحقًا أن ما حدث لم يكن حادثًا عابرًا، بل أن أحدهم استهدفه في طعامه.كان الموت أسرع من أن يمنحهم فرصة للنجاة به، أو حتى لوداعه كما يليق بمن كان قلب البيت وسنده...وفي الوقت الذي كانت فيه علياء داخل القصر برفقة ابنتها ليان، تتفقدان بعض الأغراض الشخصية، رن هاتفهما.كان الطبيب على الطرف الآخر.— "السيدة علياء... لدي خبر مؤلم جدًا، وأرجو أن تكوني قوية."تجمدت ملامح علياء، وشعرت بانقباض بارد يطبق على صدرها. قبضت على الهاتف بكلتا يديها، كأنها تحاول أن تتشبث بشيء يمنع قلبها من السقوط.— "ماذا حدث؟ أين فهد؟!"ساد صمت ثقيل لثوانٍ، بدا خلالها أن العالم كله توقف عن الحركة، ثم جاء صوت الطبيب مترددًا:— "السيد فهد... توفاه الله."اتسعت عينا علياء، وكأن الكلمات وصلت إلى أذنيها دون أن تجد طريقها إلى عقلها.— "ماذا قلت؟!"ثم سقط الهاتف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status