Share

نجاح العملية

Author: مايا
last update publish date: 2026-08-15 20:13:05

Rédaction

الفصل: عودة الضحكة

كانت الأيام الماضية ثقيلة على عائلة الشامي، فقد عاش الجميع حالة من القلق والخوف منذ اللحظة التي قرر فيها فهد الخضوع للعملية الجراحية الدقيقة التي كانت الأمل الأخير أمامه ليستعيد قدرته على الحركة ويضع حدًا لسنوات طويلة من الألم والمعاناة.

وفي صباح العملية، اجتمع أفراد العائلة حوله في المستشفى، وكل واحد منهم يحاول إخفاء خوفه خلف كلمات التشجيع. أما زوجته، فكانت الأكثر هدوءًا بينهم، رغم أن قلبها كان يرتجف من الداخل. اقتربت منه قبل أن يدخل غرفة العمليات، أمسكت يده وابتسمت له ابتسامتها المشرقة التي اعتاد عليها، ثم قالت:

"أريدك أن تعود إليّ كما كنت… لا، بل أفضل مما كنت. وأعدك أن أول شيء سأفعله عندما تعود إلى البيت هو أن أزعجك بضحكاتي!"

ضحك فهد لأول مرة منذ أيام، وقال لها ممازحًا:

"حتى وأنا ذاهب إلى العملية لم تتركي لي فرصة للراحة!"

ضحكت زوجته، وكانت تلك الضحكة آخر ما سمعه قبل أن تغلق أبواب غرفة العمليات.

مرت الساعات ببطء شديد. كانت العائلة تنتظر في الخارج، والقلق يسيطر على الوجوه. أما زوجته فكانت ترفع يديها بالدعاء، ثم تعود لتطمئن والدته وإخوته، وتحاول أن تمنحهم القوة رغم حاجتها هي إلى من يطمئنها.

وبعد وقت طويل، خرج الطبيب أخيرًا.

تقدمت العائلة نحوه بسرعة، وكانت الكلمات الأولى التي نطق بها كافية لتعيد الحياة إلى قلوبهم:

"الحمد لله، العملية نجحت بشكل ممتاز، وفهد تجاوز المرحلة الصعبة بنجاح."

لم تتمالك زوجته دموعها، وانهمرت دموع الفرح من عينيها. أما والدته فرفعت يديها إلى السماء وهي تحمد الله، بينما تعانق أفراد العائلة بعضهم بعضًا وكأنهم خرجوا جميعًا من محنة طويلة.

مرت أيام التعافي الأولى، وبدأ فهد يستعيد عافيته شيئًا فشيئًا. كان عليه أن يخضع لجلسات العلاج الطبيعي، وأن يتعلم من جديد بعض الحركات التي كان يؤديها بسهولة في الماضي. ولم يكن الطريق سهلًا، فقد شعر أحيانًا بالإرهاق واليأس، لكنه في كل مرة كان يجد زوجته بجانبه.

كانت تدخل غرفته وهي تحمل كوب العصير، وتقول له بابتسامة:

"هيا يا بطل، انتهى وقت الكسل!"

فيجيبها:

"أنتِ لا تعرفين الرحمة!"

فترد ضاحكة:

"بل أعرفها، لكنني أعرف زوجي أكثر، وإذا تركتك ترتاح ستعلن استقالتك من العلاج!"

وكانت كلماتها البسيطة تجعل فهد يبتسم رغم الألم.

ومع مرور الأيام، بدأت المعجزة التي انتظرتها العائلة طويلًا تتحقق. استطاع فهد الوقوف بمساعدة الأطباء، ثم بدأ يخطو خطواته الأولى. وفي اليوم الذي تمكن فيه من المشي عدة خطوات دون مساعدة كبيرة، كانت زوجته أول من صفق له.

لم يكن تصفيقها مجرد فرحة عابرة، بل كان إعلانًا عن انتصار رجل رفض الاستسلام.

نظر إليها فهد طويلًا، ثم قال بصوت متأثر:

"لولاكِ، لا أعرف إن كنت سأصل إلى هنا."

اقتربت منه وقالت:

"بل كنت ستصل، لكنني فقط كنت أسرع معك الطريق."

سمعت عائلة الشامي تلك الكلمات، فازدادت محبتهم لها. لقد أدركوا أن هذه المرأة لم تكن مجرد زوجة لفهد، بل كانت سندًا حقيقيًا له في أصعب أيام حياته.

كانت والدته أكثر من شعر بذلك. اقتربت من زوجة ابنها ذات مساء، احتضنتها وقالت:

"منذ أن دخلتِ بيتنا وأنتِ تحملين الفرح معك. واليوم فهمت كم أنتِ نعمة في حياة ابني."

ابتسمت الزوجة بخجل وقالت:

"فهد هو الذي أعطاني سببًا لأبتسم."

لكن والدة فهد هزت رأسها قائلة:

"لا، أنتِ من أعاد إليه الابتسامة."

وهكذا أصبحت زوجة فهد محبوبة من الجميع أكثر من أي وقت مضى. فقد شاهدوا بأعينهم كيف وقفت بجانبه حين كان ضعيفًا، وكيف حولت لحظات الخوف إلى أمل، ولحظات الألم إلى ضحكات صغيرة.

وبعد أسابيع، عاد فهد إلى منزله بكامل عافيته تقريبًا. دخل البيت بخطوات ثابتة، فوجد العائلة كلها تنتظره. تعالت الزغاريد، وامتلأ المكان بالضحك والفرح.

أما زوجته، فكانت تقف في مقدمة الجميع، تنظر إليه بعينين لامعتين.

اقترب منها فهد، أمسك يدها وقال:

"أخيرًا عدت."

ابتسمت وقالت:

"بل عدتَ إلينا."

ثم ضحكا معًا، وكانت ضحكتهما هذه المرة مختلفة؛ لم تكن مجرد ضحكة عابرة، بل كانت ضحكة شخصين انتصرا على الخوف، وتجاوزا الألم، وبدآ صفحة جديدة من حياتهما.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد عائلة الشامي تنظر إلى زوجة فهد على أنها زوجة ابنهم فقط، بل أصبحت واحدة منهم، صاحبة مكانة خاصة في قلوب الجميع. فقد أثبتت لهم أن الحب الحقيقي لا يظهر في أيام الفرح وحدها، وإنما يظهر عندما تضيق الحياة، ويحتاج الإنسان إلى يد تمسك به وتقول له: "أنا هنا، ولن أتركك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ومن الحب ما قتل   الوصية

    ماتت علياء...وفي اللحظة التي أُعلن فيها خبر وفاتها، خيّم الصمت على قصر الشامي، وكأن جدرانه نفسها فقدت القدرة على الكلام.لم يكن أحد مستعداً لهذه الضربة الجديدة.فمنذ ثلاثة أشهر فقط، ودّعت العائلة السيد فهد، الرجل الذي كان عماد القصر وصاحب الكلمة الأولى في الشركة والمنجم. واليوم، ها هي زوجته علياء تلحق به، تاركة خلفها أبناءً لم يستوعبوا بعد فراق والدهم.كان رحيلها أشبه بالضربة القاضية.جلست زينب وزليخة وليان في إحدى زوايا القصر، متشبثات ببعضهن، والدموع لا تتوقف عن الانهمار من أعينهن. أما سعد فكان يقف بعيداً عن الجميع، شارد النظرات، عاجزاً عن تصديق أن والدته التي كانت تناديه وتوبخه وتحتضنه، لن تناديه بعد اليوم.قالت ليان بصوت مخنوق:— أمي رحلت... الآن أصبحنا بلا أب ولا أم.لم تجد زينب جواباً.أما زليخة فرفعت عينيها نحو صورة والديها المعلقة على الجدار وقالت:— لماذا أخذ القدر الاثنين بهذه السرعة؟أقيمت لعلياء جنازة مهيبة تليق بمكانتها. حضر أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء وموظفو الشركة وعمال المنجم، وامتلأت ساحة القصر بالمعزين.وحين حان وقت الرحيل الأخير، حُمل جثمان علياء وسط بكاء أبنائ

  • ومن الحب ما قتل   موت علياء وسر المفتاح

    وبينما كانت علياء تجلس في الحديقة الواسعة للقصر، تستنشق بعض الهواء في محاولة للتخفيف عن قلبها المثقل بالحزن بعد رحيل زوجها فهد، شعرت فجأة بنغزة حادة في صدرها.وضعت يدها على قلبها، وحاولت أن تستجمع أنفاسها، لكن الألم اشتدّ فجأة، ثم ترنحت وسقطت أرضًا.— أمي!تعالت صرخة ليان، قبل أن تركض زينب وزليخة وسعد نحوها. تجمعوا حولها في حالة من الذعر، بينما كانت علياء شاحبة الوجه، بالكاد تستجيب لهم.— أمي، افتحي عينيك! أرجوكِ!اتصل سعد بالإسعاف، ولم تمر سوى دقائق حتى نُقلت علياء على وجه السرعة إلى المستشفى.وبعد الفحوصات، خرج الطبيب بملامح قلقة وأخبرهم أن علياء تعرضت لنوبة قلبية، وأن حالتها تستدعي نقلها فورًا إلى قسم الإنعاش.مرت الساعات ثقيلة كأن عقارب الساعة توقفت.كانت زينب وزليخة وليان وسعد يجلسون في ممر المستشفى، عاجزين عن استيعاب ما يحدث.لقد فقدوا والدهم فهد منذ وقت قصير، وها هي والدتهم الآن تصارع الموت.قالت زينب وهي تخفي دموعها:— لا أستطيع أن أفقد أبي وأمي في الوقت نفسه...أما زليخة فكانت تمسك بيد ليان، بينما ظل سعد واقفًا أمام باب الإنعاش، يحدق فيه بصمت وكأنه ينتظر معجزة.وفي ساعة متأخر

  • ومن الحب ما قتل   اخد حق المرحوم فهد

    لم يتقبل والد فهد بالتبني، كبير عائلة الشامي، قرار طرده من القصر وتجميد أصوله وحساباته في الشركة والمنجم. كان يرى أن ما حدث إهانة لا يمكن أن يغفرها، وأن فهد قد سلبه كل شيء كان يعتقد أنه ملكه.ومنذ تلك اللحظة، تحولت مشاعر الغضب داخله إلى رغبة عمياء في الانتقام.كان هو العقل المدبر وراء الجريمة.لقد دس السم في طعام فهد، وأخفى مكوّن الفول السوداني في التحلية، مستغلاً حساسيته الشديدة منه، حتى بدا موته في البداية وكأنه حادث مأساوي ناتج عن حساسية مفاجئة.لكن علياء لم تصدق الرواية.كانت هناك تفاصيل صغيرة لم تستطع تجاهلها، وثغرات في القصة جعلتها تشعر بأن موت فهد لم يكن طبيعياً.وبعد أن تكشفت الخيوط، أمرت الشرطة بتكثيف البحث عنه، وألا يتركوا حجراً دون أن يقلبوه.مرت الأيام...ثم الأسابيع...ثم الأشهر.ومضى ثلاثة أشهر كاملة على وفاة فهد، بينما ظل الرجل هارباً، يختبئ ويتنقل من مكان إلى آخر محاولاً الإفلات من العدالة. كان يغير ملامحه وملابسه، ويستخدم أسماء مستعارة، ولا يمكث في مكان أكثر من ليلة أو ليلتين. وكلما سمع صوت سيارة شرطة أو لمح رجلاً يراقبه، كان قلبه يقفز في صدره، لكنه واصل الهرب، متشبثا

  • ومن الحب ما قتل   ملابسات الحادثة

    نُقل جثمان السيد فهد الشامي في موكب مهيب إلى مقبرة العائلة، حيث كان ينتظره أحباؤه ليوارى الثرى إلى جانب أجداده وآبائه.كانت علياء تسير بخطوات ثقيلة، وكأن روحها لم تستوعب بعد أن الرجل الذي أحبته وعاشت معه أجمل وأقسى أيام حياتها أصبح الآن جثمانًا محمولًا على الأكتاف.إلى جانبها كانت نجلاء، والسيدة كوثر، وبنات العائلة، وسعد، وكل واحد منهم يحمل في قلبه حزنًا مختلفًا.بعد انتهاء مراسم الدفن، وقف الجميع أمام قبر فهد للحظات صامتة.انحنت علياء ومسحت دموعها، ثم همست:— وداعًا يا زوجي العزيز... لن أترك حقك يضيع.وفجأة اهتز هاتفها.نظرت إلى الرقم... كان مجهولًا.أجابت بصوت متردد:— من معي؟جاءها صوت رجل غامض وبارد:— لا تنبشي وراء الحقيقة يا علياء... لأن دورك قريب.تجمد الدم في عروقها.— ماذا تقصد؟ من أنت؟لكن الاتصال انقطع.بقيت تحدق في الهاتف، وملامح الرعب تكسو وجهها.وبعد ساعات قليلة، توجهت علياء إلى مقر الشرطة وهي مصممة على معرفة الحقيقة.لكن ما سمعته هناك كان أكثر صدمة من التهديد نفسه.قال لها الضابط:— السيدة علياء... لدينا خبر يتعلق بالطباخ.رفعت عينيها بسرعة.— ماذا حدث له؟تردد الضابط ل

  • ومن الحب ما قتل   مراسم تشييع جثمان السيد فهد

    أُقيمت جنازة السيد فهد في قصر الشامي، الذي غطّاه الحزن والسكون بعدما كان بالأمس يعجّ بالحياة والضحكات. بدت أروقته الواسعة غريبة في صمتها، كأن الجدران نفسها فقدت قدرتها على احتضان الأصوات التي اعتادت أن تملأها.حضرت نجلاء برفقة ليلى وزوجها الفرنسي يوهان وابنهما الصغير، كما حضرت عائلة الشامي بأكملها. واصطف موظفو الشركة وعمال المنجم في صمت ثقيل، وقد بدت الصدمة واضحة على وجوه الجميع؛ عيون زائغة، وشفاه عاجزة عن الكلام، وقلوب لم تستوعب بعد أن الغياب أصبح أبديًا. حتى كوثر، والدة فهد البيولوجية، حضرت وهي تحمل في عينيها حزنًا عميقًا على ابنٍ لم تستطع الأيام أن تعوّضها عنه.كان خبر وفاة السيد فهد قد نزل على الجميع كالصاعقة. فرجلٌ كان بالأمس يجلس بينهم، يضحك ويتحدث ويخطط للغد، أصبح اليوم جثمانًا مسجّى ينتظر أن يُوارى الثرى. وكلما مرّ أحدهم قرب نعشه، خفتت الأصوات أكثر، وكأن الجميع يخشى أن يوقظ الحقيقة القاسية التي استقرت في المكان.أما علياء، فكانت أكثرهم انكسارًا.جلست في أحد أركان القصر بثوب الحداد ووجه شاحب أنهكه البكاء. كانت تستقبل المعزّين بصمت، وتردّ على كلمات المواساة بإيماءة صغيرة، بينما

  • ومن الحب ما قتل   موت السيد فهد

    كان خبر وفاة السيد فهد كالسهم المسموم الذي اخترق قلوب عائلة الشامي دفعة واحدة، وترك في داخلهم جرحًا لا يعرفون كيف يضمّدونه...في ذلك اليوم المشؤوم، خيّم الصمت على أرجاء المكان قبل أن يصل الخبر رسميًا. فقد رحل فهد إثر نوبة حساسية حادة وتسممٍ ناتج عن الطعام، بعد أن تبيّن لاحقًا أن ما حدث لم يكن حادثًا عابرًا، بل أن أحدهم استهدفه في طعامه.كان الموت أسرع من أن يمنحهم فرصة للنجاة به، أو حتى لوداعه كما يليق بمن كان قلب البيت وسنده...وفي الوقت الذي كانت فيه علياء داخل القصر برفقة ابنتها ليان، تتفقدان بعض الأغراض الشخصية، رن هاتفهما.كان الطبيب على الطرف الآخر.— "السيدة علياء... لدي خبر مؤلم جدًا، وأرجو أن تكوني قوية."تجمدت ملامح علياء، وشعرت بانقباض بارد يطبق على صدرها. قبضت على الهاتف بكلتا يديها، كأنها تحاول أن تتشبث بشيء يمنع قلبها من السقوط.— "ماذا حدث؟ أين فهد؟!"ساد صمت ثقيل لثوانٍ، بدا خلالها أن العالم كله توقف عن الحركة، ثم جاء صوت الطبيب مترددًا:— "السيد فهد... توفاه الله."اتسعت عينا علياء، وكأن الكلمات وصلت إلى أذنيها دون أن تجد طريقها إلى عقلها.— "ماذا قلت؟!"ثم سقط الهاتف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status