All Chapters of ضباب حالم: Chapter 71 - Chapter 80

405 Chapters

الفصل 71

حين فتحت نيرة هاتفها بعد انتهاء دوامها وهي مسرعة إلى المترو، وجدت أن ذلك الخبر الرائج قد اختفى بالفعل.وأُزيلت تلك الصورة تحديدًا من المنصات كلها بانتظار المراجعة.فعالم الأثرياء، المترَف والغامض، لا يرغب أن يُخترق هدوؤه.وبعد تلك الحادثة، عادت حياة نيرة إلى هدوئها المعتاد.في إحدى الأمسيات، عادت من السوق محمّلة بالخضار. فإذا بأنبوب مياه في بيت السيدة شكرية قد انكسر، فجاء ابنُ إحدى الجارات لإصلاحها. كان شابًا وسيم الملامح، نظيف الهيئة. شكرتْه نيرة، وقدّمت له بعض الفاكهة التي ابتاعتها لتوّها.وما إن غادر، حتى أمسكت السيدة شكرية بيدها، وقالت بحماس، "ذلك الشاب ابنُ الخالة سميرة، معلّم تاريخ في المدرسة الإعدادية، وعمره سبعة وعشرون عامًا، مثلك تمامًا".قفز قلب نيرة، فقد أدركت ما ترمي إليه، فابتسمت ابتسامة باهتة، "لكن... لدي ابنة في السادسة من عمرها".هزّت السيدة رأسها بلا مبالاة وقالت، "وهل هذه مشكلة؟! الشاب أيضًا من عائلة مفككة، ووالدته امرأة منفتحة جدًا، حتى أنها رقصت مؤخرًا مع أحد الشيوخ في الحديقة! وبصراحة، كان الشاب يرمقكِ بنظرات متكررة".ثم أضافت بنبرة مشفقة، "أنتِ ما زلت شابة يا ابنت
Read more

الفصل 72

لم تكن شيماء متأكدة إن كان هذا شعورًا منها فقط.لكنها شعرت بأن سارة تشبه أخيها باهر إلى حد ما، ومجرد التفكير في هذا جعل قلبها يخفق بقوة.ابتسمت نيرة، وقالت بهدوء" طالما مهند يحبها، فهذا يكفي".ثم تحركت دون وعي لتقف أمام ابنتها، كدرع يحميها.أرادت أن تترك سارة أولًا لتلعب مع أطفال الصف، فقد جاء اليوم الكثير من الأطفال، ومعظمهم تعرف عليهم مسبقًا، لذا سيكون من السهل عليهم الاندماج معًا.في مدينة الزهور، كانت الأيام ممطرة هذه الفترة.أما هويدا، فقد كانت معذبة من آلام الروماتيزم في ساقيها، وعند قيامها احتاجت لمساعدة أميرة.وفجأة، لاحظت أن مهند يمسك بيد فتاة صغيرة ويركضان إلى الطابق العلوي، كانا ضمن مجموعة من الأطفال. سعدت برؤية حفيدها سعيدًا، لكنها توقفت فجأة عند رؤية جانب وجه الفتاة.لقد اندهشت وتجمدت للحظة.الفتاة جميلة، لكن ملامحها تشبه ملامح شيماء وباهر كثيرًا.لكن هويدا عرفت أن الأمر مجرد صدفة، وأن عائلة الدالي لم يكن لها حظ كهذا بأن يُهدى لها حفيدة صغيرة بهذه الروعة. لديهم فقط ابن واحد، وباهر معروف بشخصيته، وكان الأمر واضحًا جدًا للسيدة هويدا.أحيانًا، يكون القدر لطيفًا في ترتيب مثل ه
Read more

الفصل 73

كان جسدها الأبيض كالثلج يرتجف.وكان شعرها الأسود الطويل ينسدل بخفة، كضباب أو خيوط دقيقة، ويتساقط بعضه على وجهها.فتداخل الأسود والأبيض في المشهد.شعر باهر بأن أنفاسه صارت أثقل قليلًا. فصرّ على أسنانه بإحكام، وظلّ المشهد أمامه عالقًا في ذهنه.ثم استدار باهر، وأمسك بمقبض الباب.تنفس بعمق، وشعر بحكة في حلقه، وحرارة مستعرة من عمق صدره.وقال بصوت خافت ومبحوح "أنا آسف"، ثم استعد لفتح الباب والخروج.سمع خطوات في الخارج، كانا رجل وفتى.قال الفتى، "أبي، لم أعد أحتمل، أريد الذهاب إلى المرحاض".كان الصوت قريبًا جدًا، كما لو كان على وشك الاقتراب ودفع الباب.فأغلق باهر الباب أولًا، وأدار القفل.وصل الفتى ووالده إلى باب الحمام وحاولا فتحه، لكنه لم يُفتح.فقال باهر بصوت هادئ، "أنا هنا".عضّت نيرة على شفتيها، محاولةً السيطرة على شعور الفزع في قلبها.غطت صدرها بيدها، إذ لم تتوقع حدوث هذا الموقف فجأة.كانت تراقب الرجل على بعد مترين تقريبًا.كانت أكتافه عريضة، يرتدي ملابس منزلية سوداء، وشعره قصير قليل الفوضى.تلاقت أعينهما ببطء.غطت نيرة صدرها بالملابس، ووضعت يدها الأخرى على الحوض، كانت متوترة وعاجزة، وص
Read more

الفصل 74

أخذت نيرة الحقيبة، وفتحتها لتجد بداخلها ملابس داخلية وسترة جديدة تمامًا.لم يقل باهر شيئًا، لكن كان يبدو التعب واضحًا على وجهه، فقد سهر طوال الليل في نوبة عمل، وعاد صباح اليوم إلى المنزل، نام أقل من ثلاث ساعات، ثم فوجئ بمجموعة من الأطفال يركضون هنا وهناك، ولم يتركوا له مجالًا للنوم.انتظرت نيرة حتى غادر باهر الغرفة.ثم ارتدت الملابس الجديدة على الفور.كانت حمالة الصدر مناسبة جدًا، لدرجة جعلت وجنتيها تحمران تمامًا.حتى عند شراء الملابس الداخلية لنفسها، لم تكن تجد مقاسًا مناسبًا بسهولة.فالمقاسات تختلف من متجر لآخر، ويحتاج الأمر للتجربة عدة مرات.لكن نظرة واحدة فقط منه كانت كافية ليعرف مقاسها.كانت السترة وردية اللون، ذات ياقة صغيرة تشبه قميصًا.نظرت إلى بطاقة السعر، وأدركت أن أقرب مركز تسوق كان على بُعد 25 دقيقة ذهابًا وإيابًا، وهو أسرع ما يمكن.لكن السعر وحده أحزن قلبها بشدة.أرسلت إلى حساب باهر مبلغ 400 دولار، سعر القطعتين معًا.كان مجرد قطعة اختارها باهر من متجر، لكنها كلّفتها نصف راتبها الشهري تقريبًا.رتبت الملابس التي خلعتها بعناية، وخرجت من غرفة المكتب، لكن فزعها شخصٌ يتكئ على ال
Read more

الفصل 75

ثم سمعت نيرة صوت ابنتها البريء والنقي يقول، "شكرًا لك يا عمي!"اتضح أن باهر قد قدم لسارة قطعة من كعكة الموس مقطعة مسبقًا، تزينها فراولة لامعة، وتبدو لذيذة وطريّة.وفي طرف نظر نيرة، ظهر أيضًا قطعة من كعكة الفراولة، يرافقها أصابع الرجل المحددة والعريضة.كان مجرد فعل طبيعي.كانت قاعة الطعام مزدحمة، لكن كل شخص كان منشغلًا بأمره الخاص؛ منهم من يقطع الكعكة، ومنهم من يوزعها، ومنهم من يتبادل الابتسامات، أو يلتقطون الصور.لم يلاحظ الكثيرون ما حدث.لكن شيماء كانت قد رأت ذلك.حدقت بعينيها، ثم سعلت سعالًا خفيفًا نحو والدتها هويدا، كما لو شاهدت شيئًا مذهلًا يفوق الوصف.لكن هويدا لم تهتم، وكانت مشغولة بالحديث مع زوجها سالم.قالت هويدا، "انظر إلى تلك الفتاة، كم هي جميلة ولطيفة، إنها تشبه باهر إلى حد كبير". نظر سالم إلى وجه الفتاة الصغيرة.وتمتم في نفسه، "إنهما متشابهتان حقًا!"لكنه قال لها، "أنتِ تتخيلين كثيرًا، إنها ابنة عائلة أخرى، فما علاقتها بباهر؟ إنها في السادسة من عمرها، وزميلة مهند في الصف، أم تقصدين أن باهر أنجب طفلة وهو في الجامعة؟ كيف يمكن ذلك؟"تمتمت هويدا، "أدعو بهذا وأتصدق كل عام، لربم
Read more

الفصل 76

من هنا إلى حيث تقيم نيرة، كان الطريق يمتدّ أحد عشر كيلومترًا، ومع القيادة العادية حتى في ليلة ممطرة كهذه، لن يتجاوز الأمر نصف ساعة.كانت سوسو قد استسلمت للنوم، رأسها الصغير مسند إلى ركبتي أمها.وعند أحد التقاطعات، رفع باهر عينيه حين توقّف في إشارة حمراء.تألّقت عيناه السوداوان الضيّقتان، العميقتان كالبحر في ليلة بلا قمر، وانعقدت شفتاه بصمت، بينما حدّق عبر المرآة في ملامح المرأة الجالسة خلفه.كان وجهها هادئًا صافيًا، وخدّاها صافيان كالعاج، وفيها مسحة من الألفة لا يُعرف لها مصدر، ومع ذلك ظلّت محاطة بهالة من غربة عقلانية تبقيه متيقظًا.لم يكن باهر يريد أن يسمح لاضطرابه النفسي أن يجعل من هذه المرأة مجرّد ظلّ لصفاء، ومع ذلك كان مضطرًا أن يعترف لنفسه بأن التشابه بينهما موجود، وأن الإحساس به قوي.لكنّهما امرأتان مختلفتان تمامًا.فمن أين يأتي هذا الشعور المربك؟لم يجد جوابًا سوى كلمة واحدة، ألا وهي التقليد.لم يرد أن ينسب لنيرة نوايا وضيعة، لكنّه رآى كثيرات يقتربن منه عبر تكلّف ما يحبّ، ويغيّرن مظهرهنّ وتصرفاتهنّ طمعًا في نيل رضاه.ولذلك كان قلبه، بلا وعي، يميل إلى رفض فكرة أن تكون نيرة من هذا
Read more

الفصل 77

أومأت نيرة برأسها موافقة.عندما نزلا من السيارة، رفعت المظلّة بيدها، فيما سبقها باهر ، وحمل بين ذراعيه الطفلة النائمة.وفي غمرة النوم، أحاطت سوسو عنقه بذراعيها الصغيرتين، وغاص خدها الدافئ في كتفه العريض.توقف الرجل فجأة، كأن تيارًا دافئًا اجتاح صدره على حين غرّة.وبحركة تلقائية، ربت براحته على ظهر الصغيرة ليطمئنها.ثم سمعها تهمس وهي غارقة في نومها وتقول، "أبي!"كانت الهمسة خفيفة لدرجة أنّ المطر كاد يغطيها.لم تسمع نيرة شيئًا، وحده باهر سمعها.ظنّ للوهلة الأولى أنّها مجرد خيال، لكن الصوت الطفولي الناعم كان واقعيًا كنبض قلبه.كانت الصغيرة نائمة على كتفه، وجهها الطري يلامس سترته، وأنفاسها تتناغم مع دقات قلبه، كأنها تضبط إيقاعها على إيقاعه، حتى شعر وكأن جسده كلّه توقف عن الحركة. أدرك فجأة أنّ الطفلة قد ظنّته والدها.اقتربت نيرة بخطوات حذرة، ترفع المظلّة لتغطيهما معًا، ونظرت إليه بدهشة، إذ لم تفهم لمَ توقّف فجأة.فهمست اسمه بخفة، "باهر..."عاد إلى وعيه، والليل الأسود يحيط بهما والمطر ينهمر بلا توقف، فوجد نفسه للحظة يتخيل مشهدًا لم يعشه قط؛ ماذا لو كان لديه حقًا ابنةٌ جميلةٌ كهذه؟ وماذا لو ك
Read more

الفصل 78

قالت نيرة بصوت منخفض، لا داعي لأن أزعجك أكثر…"قررت أن تنتظر حتى تخفّ حدة المطر، فسيكون من الأسهل حينها أن تطلب سيارة أجرة.في الحقيقة، منذ تلك المرة الأخيرة، أصبحت فكرة التنقل ليلًا بسيارة أجرة تُثقل قلبها، لكن الحياة لا تتوقف عند المخاوف.كان المنزل دافئًا، مكيف الهواء يوزّع حرارة معتدلة.وبجانب الغرفة الجانبية كان هناك حمّام صغير.دخلت نيرة إلى الحمّام، واستحمت بالمياه الدافئة، حتى تلاشى البرد الذي تجمّع في أطراف أصابعها.فكان جسدها ضعيفًا، وهي تعرف أن عدم الاستحمام بالمياة الدافئة بعد أن تُبتلّ بالمطر، يعني يقينًا إصابتها بنزلة برد في اليوم التالي.ضغطت على عبوة جلّ الاستحمام، فانتشرت رائحة بحرية منعشة ممزوجة بملحٍ رجوليّ الطابع.توقفت لحظة، نظرت إلى العبوة في يدها، ثم تنفست ببطء، وأخذت اسفنجة الاستحمام لتغسل جسدها، بينما يتصاعد من قلبها شعور غريب، وكأنها محاطة برائحة رجلٍ لا تعرفه تمامًا.كان الهواء في الحمّام دافئًا ورطبًا، وبينما وقفت تحت رذاذ الماء، انزلقت خيوط الماء الشفافة على بشرتها البيضاء، وعندما أطرقت برأسها، وقعت عيناها على ذلك الأثر الخافت في أسفل بطنها، ندبة شاحبة تميل
Read more

الفصل 79

تجمّدت في مكانها للحظة.حدّقت في الظل الممدّد على الأريكة، وكان تنفسه الهادئ والمنتظم يخبرها أنه غارق في النوم.لم ترد أن توقظه.ولم تستطع أن تذهب لتفتّش عن كابل الشحن في مكتبه أو غرفته دون إذنه.فاستدارت نيرة بخطوات ناعمة تستعد للعودة إلى الغرفة.وفجأة، تقلّب جسده على الأريكة، وانزلقت البطانية الثقيلة إلى الأرض.تردّدت لحظة، ثم مشت على رؤوس أصابعها، انحنت والتقطت البطانية بين أصابعها الباردة، وأحكمت قبضتها عليها قبل أن تعود بخطوة صغيرة، تمدّها فوقه لتغطي كتفيه.لكن في اللحظة التي استدارت فيها، يدٌ دافئة أطبقت على معصمها.شهقت بخفة.فتح باهر عينيه في ظلمة الليل، وكان عينان عميقتين كظلال البحر تخترقانها.ارتبكت. وحاولت أن تسحب يدها، "دكتور... أنا... بطارية هاتفي على وشك النفاذ، كنت أبحث عن كابل..."لكنها توقفت عن الكلام.لأن قبضته خفّت، لكن أنامله الخشنة لامست جلد معصمها.ارتجف جسدها بلا إرادة.وسمعته يقول بصوت أجش ومنخفص، "نيرة!"كانت الغرفة حالكة السواد، لكن بشرة المرأة كانت ناصعة البياض، كأنّها وردة بيضاء على غصن تبلّل بندى الليل.حدقت عيناه الضيقتان العميقتان في وجهها، ونادى باسمها
Read more

الفصل 80

لم تتوقف أمطار تلك الليلة.وحين أشرق الصباح في اليوم التالي، كانت نيرة تساعد ابنتها في ترتيب ملابسها، بينما سوسو تطوق عنق أمها بذراعيها وتسألها ببراءة، "أمي، لماذا نحن في منزل العم باهر؟"ابتسمت نيرة وقالت بهدوء، كانت الأمطار غزيرة البارحة، فاسترحنا في منزله مؤقتًا".فأومأت سوسو بجدية طفولية وقالت، "إذن عليّ أن أشكره".ذلك الصوت الصافي، وتلك العينان المشرقتان بالبراءة، أعادتا إلى ذاكرة نيرة قبلة البارحة الطائشة.تذكرت كيف كان سلوكها مغايرًا للطبيعي، وكيف حاصرتها مخاوفها، وكأنها سجنت نفسها بنفسها.من المنطقي أن تشكر باهر، فهو لم يفعل سوى أن فتح لهما منزله ليحتميا من المطر.لكن الغريب أنّها قبل لحظات لم تملك حتى الشجاعة لفتح باب غرفة الضيوف.تنفست بعمق، ثم ابتسمت لابنتها وقالت، "نعم، سنذهب ونشكره معًا!"وفجأة سألت سوسو بقلق وهي تلمس ذقن أمها، "أمي، ما هذا؟ لماذا وجهكِ أحمر هنا؟"أبعدت نيرة وجهها بخفة، وقد غمرها الخجل حتى احمرّ عنقها بأكمله تحت نظرات طفلتها القلقة، وقالت لها، "إنها لدغة بعوضة".اتسعت عينا سوسو وقالت بحذر، "لكننا في الشتاء يا أمي، لا يوجد بعوض!"ثم أحاطت عنقها بذراعيها، وأ
Read more
PREV
1
...
678910
...
41
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status