All Chapters of حين قابَلَها الصُهيب: Chapter 101 - Chapter 110

154 Chapters

الفصل 101

في المساء، وعلى ضفاف النيل الخالد، كان الصمت يلف طاولة "صهيب" في ذلك المطعم الفاخر الذي لا يدخله إلا الصفوة. كان يجلس بهدوء مخيف، ينظر إلى جريان النهر وكأنه يرى فيه شتات أفكاره، حتى قطعت "ميرنا هلال" ذلك السكون بخطواتها الواثقة ووقارها المعهود. جلست أمامه بابتسامة هادئة، وحين وضع "النادل" قائمة الطعام، لم تفتحها بل قالت بنبرة رقيقة: — "سأكتفي بما سيطلبه السيد صهيب.. ذوقه في الاختيار لا يُعلى عليه." نظر صهيب إليها بطرف عينه، نظرة باردة لم تحمل أي تعبير، ولم يعلق بكلمة واحدة. أومأ النادل بابتسامة مجاملة وانسحب، لتميل ميرنا بجسدها قليلاً نحو صهيب قائلة بنبرة تحمل مداعبة غير مباشرة: — "يبدو أن انشغالك الصباحي كان عظيمًا يا سيد صهيب، لدرجة أنك لم تتفرغ للرد على مكالمتي.. هل كان العمل شاقًا إلى هذا الحد؟" تجاهل صهيب جملتها تماماً، وكأنه لم يسمعها، وفتح ملفاً كان بجانبه ليدخل في صلب العمل مباشرة: — "لنناقش بنود الشراكة يا سيدة ميرنا الوقت يداهمنا، وهناك نقاط في العقود القانونية تحتاج لتدقيق." طوال الجلسة، كان صهيب يرسم حدوداً فولاذية، يتحدث بجدية صارمة ولهجة عملية جافة، مما جعل ا
Read more

الفصل 102

كان "ريان" قد انطلق نحو والده بلهفة، بينما بدأت "ميرنا" تلاعبه وتضحك له بصوت مسموع. كانت "ميرنا" قد ذهبت لـ "صهيب" في فيلته قبل الحفل، ولما علمَت بوجهته، أصرت على مرافقته، وبما أنها كانت في كامل أناقتها، لم يمانع "صهيب" مرافقتها ليدخل القاعة وهو يضع يده في يدها أمام أعين الجميع تجاهلت "سيليا" ذلك الاستعراض الرخيص بصلابةٍ تليقُ بامرأةٍ صهرتها النيرانُ فخرجت أكثرَ لمعاناً، واستدارت تمنحُ "مروان" اهتماماً كاملاً ببرودٍ يُحسدُ عليه، بينما ظلت "ميرنا هلال" مُتشبثةً بذراع "صهيب" كأنها تخشى غدر الزمان، ولم تشفع لـ "صهيب" هيبتُه في مواراة تلك النظرة القلقة التي ظلت تطارد طيف "سيليا" في أرجاء القاعة. في زاويةٍ قاصية من الردهة، وقف "خالد" بجوار "ليليان" وهي تضعُ لمساتِها الأخيرة على توزيعِ الضياء. دنا منها "خالد" في سكون، وهمس بنبرةٍ غلبت عليها ملامحُ الانبهار: — "لقد استحال المكانُ على يديكِ قطعةً من سحر، لم أشهد تنظيماً بهذا الرقي الباذخ من قبل يا ليليان." التفتت إليه "ليليان" وقد توردت وجنتاها بخجلٍ عجزت عن كتمانه، وقالت وهي تُرتبُ خصلات شعرها بارتباك: — "أشكرُ ثناءك يا خالد، فرأيك
Read more

الفصل 103

بينما كانت نظرات التحدي تشتعل بين "صهيب" و"بدر"، انسحب "مروان" بهدوء من تلك الدائرة المشحونة، متجهاً نحو "جميلة" التي كانت تقف تراقب المشهد بقلقٍ صامت. دنا منها "مروان" بوقاره المعهود، وارتسمت على ثغره ابتسامة دافئة وهو يقول: — "أرى أن لغة العيون الليلة أقوى من أي موسيقى يا جميلة، هل تظنين أن القلوب هنا ستتحمل كل هذا الكبرياء؟" نظرت إليه "جميلة" بتنهيدةٍ رقيقة وأجابت: — "القلوبُ أوهنُ مما يدعي أصحابها يا مروان، وما نراه الآن ليس إلا ستاراً من جليد يخفي تحته براكين أوشكت على الانفجار.. أشعر بالأسى لأجل سيليا، فهي تقف في منتصف نيرانٍ لم تضرمها هي." رد "مروان" بصوتٍ يملؤه الود: — "سيليا قوية يا جميلة، لكن القوة أيضاً مجهدة.. ألا تعتقدين أننا نحتاج لبعض الهدوء وسط هذا الصخب؟ هل تسمحين لي بمرافقتكِ إلى الشرفة قليلاً؟" أومأت "جميلة" بالموافقة، وسارا جنباً إلى جنب كأنما يبحثان عن واحة سلام بعيداً عن صراعات الكبار. وفي تلك اللحظة، تعالت ألحان رقصة هادئة ملأت أرجاء القاعة بسحرٍ خاص. استدار "بدر" بكامل أناقته نحو "سيليا"، وانحنى أمامها بجلالٍ يليق بمقامها، ماداً يده إليها وهو يقول
Read more

الفصل 104

صُعِقَتْ "سيليا" وكأنَّ تياراً كهربائياً قد اجتاحَ كيانَها، واختلطتْ في صدرِها مشاعرُ الرفضِ بالاضطراب، وبسرعةٍ خاطفةٍ ارتَدَّتْ عنه لِتستجمعَ شتاتَ نَفَسِها المقطوعِ تزامناً مع مَوتِ آخرِ نوتةٍ مُوسيقية، تاركةً إياهُ في مَركزِ القاعةِ بِعينينِ تلمعانِ بِنصرٍ غامضٍ ومُريب. انقضتْ ساعاتُ الزفافِ بضجيجِها المفتعل، وحينَ أُسدلتِ الستائرُ على ليلةِ "سارة" و"ياسين"، كانت "سيليا" أولَ المغادرين. لم تلتفتْ خلفَها، ولم تمنحْ "صهيب" حتى فرصةَ الوداع، بل حملتْ "ريان" الغافيَ بين ذراعيها كمن يحملُ كنزهُ الأخيرَ هرباً من ساحةِ معركة، وعادتْ إلى فيلا والدِها مغلَّفةً بصمتٍ مطبقٍ وجمودٍ لا يجرؤُ أحدٌ على اختراقه. أما "صهيب"، فقد استقلَّ سيارتَهُ وخلفَهُ "ميرنا هلال" التي كانت تراقبهُ بصمتٍ يمزقُ أحشاءها. لقد رأتْ بأمِّ عينها كيفَ انفرطَ عِقدُ كبريائهِ عندَ قدمي "سيليا"، وكيفَ نبذَها هي كغريبٍ لا شأنَ لهُ بالمكان. وحينَ توقفَ أمامَ منزلِها، لم ينبسْ ببنتِ شفة، فأدركتْ بمرارةٍ أنَّ لا موطئَ قدمٍ لها في عالمِ هذا الرجلِ سوى أوراقِ العملِ الجافة. ترجلتْ من السيارة، ووقفتْ تراقبُ اختفاءَ سيارتِهِ في
Read more

الفصل 105

أشرقتْ شمسُ الصباحِ معلنةً عن يومٍ جديد، لكنَّ وهجَهُ في نفسِ "سيليا" كان مختلفاً. كانت تجلسُ في غرفةِ الاجتماعاتِ بشركتِها، محاطةً بمديري الإداراتِ والملفاتِ المفتوحة، تديرُ النقاشَ ببرودٍ واحترافيةٍ عالية. وفجأةً، اهتزَّ هاتفُها معلناً عن وصولِ رسالةٍ نصية. لمعتْ عينُها وهي تقرأُ كلماتِ "صهيب" المقتضبة: — «أنتظركِ الليلةَ في تمامِ العاشرةِ في القصر.. لا تتأخري.» أرفقَ رسالتهُ بـ "غمزةٍ" مشاكسةٍ لا تليقُ بوقارِ رجلِ أعمالٍ مثله، لكنَّها كانت كفيلةً بهزِّ كيانِها. ارتسمتْ على ثغرِ "سيليا" ابتسامةٌ ساخرة، ولم تُكلفْ نفسَها عناءَ الرد، بل وضعتِ الهاتفَ جانباً وتابعتِ الاجتماعَ ببرودٍ تام، وكأنَّ شيئاً لم يكن. وعلى الجانبِ الآخر، كان "صهيب" في مكتبِهِ الفخم، يعيشُ حالةً من الترقبِ والحماسِ لم يعهدْها من قبل. دخلَ عليهِ صديقُهُ "خالد"، فوجدَهُ شارداً بابتسامةٍ خفيةٍ لم تستطعْ ملامحُهُ الصارمةُ إخفاءَها. خالد (بتعجبٍ ووقار): — "أهذا هو "صهيب الجارحي" الذي أعرفُه؟ ألهذا الحدِّ فعلتْ بكَ رقصةُ البارحةِ الأفاعيل؟ لو كنتُ أعلمُ أنَّ في تمايلِ الخطى معكم هذا الصفاء، لجئتُ بـ "سيليا" لترقص
Read more

الفصل 106

دلف "صهيب" إلى غرفة المعيشة خلفها، يحاول كبح جماح ثورته أمام الصغير الذي كان يقفز حماساً فوق الأريكة. جلس "صهيب" على مضض، وعيناه لا تفارقان "سيليا" التي كانت تجلس في أقصى طرف الأريكة، تضع وعاء الفشار بينها وبين "ريان" كحاجزٍ حصين، وتتابع الفيلم بهدوءٍ مستفز. مرت الدقائق ثقيلة على "صهيب"؛ فالمكان الذي أعده ليكون مسرحاً لاستعادة ملكيته عليها، تحول إلى قاعة عرض لأفلام الرسوم المتحركة. كان "ريان" يضحك بصفاء، بينما كان "صهيب" يغرق في جحيم نظرات "سيليا" الباردة، التي كانت تذكره بين الحين والآخر بمرارة ما تجرعته يوماً. بعد انقضاء الفيلم، غلب النعاس "ريان" في حضن والده. حمله "صهيب" بوقار وصعد به إلى غرفته القديمة، دثره بعناية وقبّل جبينه، ثم عاد أدراجه إلى الأسفل ليجد "سيليا" تقف عند باب القصر، تستعد للرحيل. صهيب (بصوتٍ أجش يملؤه العتب): — "أسترحلين الآن؟ بعد أن أفسدتِ كل ما خططتُ له بكل هذا الدهاء؟" سيليا (وهي ترتدي وشاحها ببرود): — "أنا لم أفسد شيئاً يا "صهيب".. أنا فقط أعطيتك ما تستحق؛ وجودنا معاً تحت سقف واحد كما طلبت. أما ما كنت ترسمه في خيالك، فقد ولى زمنه حين قررتَ أنت أن تكسر كل
Read more

الفصل 107

لم يكد يمر نصف ساعة حتى كان "صهيب" يقتحم مكتب "سيليا" في مقر شركتها الجديد، متجاهلاً اعتراضات السكرتارية وصيحات "أمجد" الذي حاول منعه. أغلق الباب خلفه بعنفٍ كاد يحطم الزجاج، ووقف أمام مكتبها كالإعصار. صهيب (بصوتٍ هادر يملؤه الوعيد): — "أهذا هو انتقامكِ يا "سيليا"؟ أن تضعي يدكِ في يد "بدر" لتكسري هيبتي في السوق؟ ألهذا الحد وصل بكِ الرخصُ لكي تبيعي كبرياء اسم "الجارحي" لمنافسي اللدود؟" لم تتحرك "سيليا" من مقعدها، بل أسندت ظهرها ببرود، وشبكت أصابعها فوق المكتب ونظرت إليه بعينين كقطعتي ثلج: — "اسم "الجارحي" سقط من حساباتي يوم أن سقطتُ أنا من حساباتك يا "صهيب". هذا عمل.. والعمل لا يعرف المشاعر التي تدعيها الآن. "بدر" شريكٌ ذكي، وقد قدم لي ما عجزتَ أنت عن تقديمه: الثقة." صهيب (وهو يميل فوق مكتبها ليرتطم وجهه بوجهها): — "الثقة؟ أم أنه قدم لكِ حضناً دافئاً لتمارسي فيه دور المظلومة؟ "سيليا"، لا تلعبي بالنار معي، فوزكِ اليوم هو بداية نهايتكِ في هذا السوق، سأحطم هذا التحالف ولو كلفني ذلك كل ما أملك." سيليا (بضحكة ساخرة تقطر مرارة): — "أنت لا تحارب "بدر"، أنت تحارب شبحك في المرآة. اخرج ي
Read more

الفصل 108

نظرت في عينيه المليئتين بالانكسار، وقالت بصوت هادئ، رزين، يخرج من أعماق جرحٍ لم يندمل بعد:— "استسلامك جاء متأخراً جداً يا "صهيب".. لقد وصلتَ إلى المرفأ بعد أن غادرت السفينة منذ أمد بعيد."ابتعدت عنه خطوة، وأخذت نفساً عميقاً وهي تحاول لم شتات كرامتها التي حاول بعثرتها من جديد:— "تطلب مني العودة؟ كيف أعود لبيتٍ هدمتَ أنت سقفه فوق رأسي؟ الكسر الأخير لم يكن مجرد خدش في كبريائي، بل كان ذبحاً لثقتي بك. لقد وصمتني في شرفي، ورميتني بأبشع الصفات التي يمكن لامرأة أن تسمعها من الرجل الذي ظنته مأمنها."حاول "صهيب" المقاطعة، لكنها رفعت يدها لتسكته، مكملةً بنبرة تقطر أسى:— "حتى لو غفرتُ لى بلسانك، فإن عقلك لن يغفر لي أبداً. ستظل تلك الصورة التي رسمتها لي في خيالك تطاردنا في كل لحظة صمت، وسيظل طيف "بدر" يرقص بيننا في كل مرة تنظر فيها إليّ. أنت لا تحبني يا "صهيب"، أنت تحب امتلاكي، وتكره أن يشاركك غيرك في شيء كان يوماً ملكك."أطرقت برأسها قليلاً، ثم رفعت نظرها إليه بابتساب صامتة وحزينة:— "أنا أيضاً لم أعد قادرة على تخطي كلماتك.. كلما اقتربتَ مني، أسمع صدى صوتك وهو ينعتني بـ 'الحقيرة'، وأشعر بنظرة
Read more

الفصل 109

مضت الأسابيع، وظن الجميع أن مياه الحكايات قد ركدت في مجاريها، لكن "صهيب" كان قد رسم لنفسه نهجاً جديداً؛ فإذا كانت "سيليا" قد أوصدت باب العودة كزوجة، فهو لن يمنحها ترف الهدوء كغريبة. بدأ يتبع استراتيجية "المشاكسة الناضجة"، مستغلاً حجة "ريان" تارة والعمل تارة أخرى، ليقتحم عالمها بأسلوبٍ يمزج بين الوقار والتدخل المستفز. كانت "سيليا" تجلس في ردهة مكتبها تراجع تصاميم المشروع الجديد مع "بدر"، وكان الانسجام المهني بينهما يغمر الغرفة بسكينة واضحة. وفجأة، ودون سابق إنذار، فُتح الباب ليدلف "صهيب" بهيبته المعتادة، حاملاً في يده علبة هدايا فاخرة ووجبة غداء من طرازٍ خاص. "سيليا" (بدهشة واستنكار): — "صهيب؟ نحن في خضم اجتماع عمل، والموعد المخصص لرؤية ريان لم يحن بعد!" "صهيب" (بابتسامة هادئة ومستفزة وهو يضع الطعام على طاولة الاجتماعات): — "أعلم ذلك يا سيليا، لكنني كنت أمرُّ بالجوار وابتاعتُ لكِ وجبة الغداء التي تفضلينها من ذلك المطعم العتيق؛ إذ لم يطاوعني قلبي أن تكتفي بطعام المكاتب الجاف وأنا موجود." التفت نحو "بدر" ومد يده ببرود مدروس: — "أهلاً يا بدر.. أرجو ألا نكون قد قطعنا سياق أفكا
Read more

الفصل 110

عادت "سيليا" إلى فيلا والدها وقد أثقل الكدحُ كاهلها، كانت تظن أن عتبة الدار هي خط النهاية لصراع يومٍ حافل بالمكائد التجارية، لكنها لم تكن تعلم أن "المفاجأة الكبرى" كانت تسترخي في ردهة منزلها. ما إن دلفت إلى الداخل حتى تسمرت قدماها، واتسعت عيناها بذهولٍ ألجم لسانها؛ فقد كان "صهيب" يجلس فوق الأريكة الوثيرة، لا ببدلته الرسمية ولا بهيبته الطاغية، بل بـ "منامة" قطنية مريحة، واضعاً "ريان" في حضنه، وهما يتابعان بشغفٍ طفولي أحد أفلام الرسوم المتحركة، بينما تناثرت حبات "الفشار" حولهما في مشهدٍ منزلي دافئ لم تألفه منه قط. استندت "سيليا" إلى جدار الردهة وهي لا تزال تمسك بحقيبتها، وخرج صوتها متقطعاً من هول الصدمة: — "صهيب؟ ما الذي أراه؟ أأنت حقاً من يجلس هنا.. وبهذا المظهر؟" لم يرمش لـ "صهيب" جفن، بل اكتفى بنظرة خاطفة شابتها سخرية عذبة وهو يشير بيده إلى الشاشة: — "اخفضي صوتكِ يا سيليا، فنحن في لحظة حاسمة من الفيلم.. البطل على وشك إنقاذ مملكته، ولا نريد ضجيجاً يفسد الحماس." تركت "سيليا" حقيبتها بحدة واتجهت نحو المطبخ حيث كانت "الدادة حليمة" تعدُّ شاي المساء، سألتها بلهجة يملؤها الارتباك والغي
Read more
PREV
1
...
910111213
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status