All Chapters of حين قابَلَها الصُهيب: Chapter 141 - Chapter 150

154 Chapters

الفصل 141

توقفت السيارة السوداء الفاخرة أمام أسوار فيلا أثرية شامخة في مدينة "نيس"، فيلا تنتمي لعصر الباروك بتفاصيلها الذهبية التي تعكس ضوء الغروب الأرجواني فوق مياه المتوسط. كانت الرحلة من "سان تروپيه" بمثابة حرب أعصاب صامتة، فكل ميل قطعه الإطارات فوق الأسفلت كان يزيد من فجوة الجفاء بين صهيب وسيليا. لم يتبادلا كلمة واحدة منذ تلك المواجهة العنيفة في السيارة، لكن النظرات التي كانت تخترق زجاج النوافذ كانت تقول الكثير؛ صهيب يخطط لإخضاع تمردها، وسيليا تستجمع شتات قوتها لئلا تنهار أمام جبروته. ترجل صهيب من السيارة بهيبته الطاغية، ولم ينتظر السائق ليفتح له الباب، بل اتجه مباشرة نحو جهة سيليا وفتح الباب بنفسه، لكنه لم يفعل ذلك برقي المحب، بل بحسم السجان. مد يده إليها بنبرة آمرة: — "انزلي يا سيليا.. نحن هنا في 'نيس'، حيث القواعد تُكتب بماء الذهب، ولا مكان فيها للوجوه العابسة. تذكري أنكِ الآن تمثلين 'مجموعة الجارحي'، وأي زلة ستكلفكِ الكثير." تجاهلت سيليا يده الممدودة، ونزلت بوقارها المعهود، وعدلت من ياقة بدلتها العاجية وهي ترمقه بنظرة تفيض بالكبرياء: — "لا تقلق على صورة شركتك يا صهيب. قلقك الحقيقي ي
Read more

الفصل 142

توقفت أنفاس سيليا.. لقد وصلت "إليز" قبل موعدها. رأت صهيب ينزل لاستقبالها بنفسه، ورأت كيف ارتمت إليز بين ذراعيه وضحكاتها الرنانة تملأ الحديقة الصامتة. لمح صهيب سيليا وهي تقف في الشرفة تراقب المشهد، فتعمد أن يطوق خصر إليز ويقترب من أذنها ليهمس لها بشيء جعلها تضحك بميوعة وتنظر للأعلى نحو سيليا بغمزة انتصار أخرى. عادت سيليا إلى الداخل، وأغلقت باب الشرفة بقوة، وشعرت أن الأكسجين قد نفذ من الغرفة. لم تكن الغيرة وحدها هي ما يقتلها، بل كان شعور الإهانة المرير. ارتدت فستاناً أسود بسيطاً لكنه شديد الأناقة، ورفعت شعرها للأعلى، وقررت أن تنزل لتواجههما. لن تختبئ في غرفتها كالفريسة، بل ستنزل لتكون القناص. نزلت سيليا الدرج بهدوء مريب، ووجدت صهيب وإليز يجلسان في غرفة المعيشة الكبيرة، يرتشفان النبيذ الفاخر ويتحدثان بالفرنسية. بمجرد دخولها، ساد الصمت. نظر إليها صهيب بنظرة باردة تخفي وراءها إعجاباً لم يستطع كتمانه بجمالها الجاحد، بينما قالت إليز بنبرة ساخرة: — "أوه، السيدة سيليا.. لم أكن أعرف أنكِ لا تزالين مستيقظة صهيب أخبرني أنكِ متعبة من العمل الشاق في 'نظم المعلومات'." سيليا (بابتسامة باردة وفرنس
Read more

الفصل 143

التفت صهيب نحو سيليا، وكان الغضب في عينيه قد انطفأ ليحل محله عتاب مرير:— "جوليان؟ هل حقاً تظنين أن مكالمة من رجل غريب ستمحو ما بيننا؟ إليز محقة، أنا كنتُ أحاول إشعال نيرانكِ لأنني شعرتُ أن الجليد قد غطى قلبكِ تماماً بعد تلك الليلة لم أرغب أبداً في إهانتكِ، بل أردتُ أن أشعر أنني لا أزال أملك القدرة على التأثير فيكِ، حتى لو كان ذلك عبر الغضب."سيليا، التي كانت تحاول الحفاظ على حصنها، شعرت بأسواره تتهاوى. نظرت إلى إليز التي كانت تتابع الموقف بوقار سيدة أعمال لا تخشى المواجهة، ثم نظرت إلى صهيب وقالت بصوت يرتجف:— "الصدق لا يحتاج لمسرحيات يا صهيب. أنت استخدمت إليز، واستخدمت مشاعري، فقط لتشعر بالسيطرة. الغيرة التي رأيتها في عيني لم تكن دليلاً على ضعفي، بل دليلاً على جرحٍ لم يلتئم بعد. أما جوليان، فقد كان صرخة استغاثة مني لأثبت لنفسي أنني لا زلتُ أملك خيار الرحيل."نهضت إليز من مكانها بوقار، وعدلت سترتها الفاخرة، وقالت بابتسامة رقيقة:— "أعتقد أن دوري كمحفز قد انتهى هنا. سأترككم لتكملوا هذا العشاء وحدكم، فالحقائق التي قيلت الليلة تحتاج لمساحة من الخصوصية لتُهضم. صهيب، تذكر أن القوة الحقيقية
Read more

الفصل 144

أطبق الصمت على الجناح الملكي في فيلا "نيس" العتيقة، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً؛ بل كان مشحوناً بكهرباء الترقب وصراع الكبرياء الذي لم ينتهِ بعد. كانت سيليا تقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، تراقب انعكاس أضواء المدينة على صفحة المتوسط، بينما كان صهيب يراقبها من بعيد، متكئاً بظهره على الباب المغلق، وكأنه يمنع أي فرصة للهرب من الحقيقة التي طالما أنكراها.نزع صهيب سترة بدلته ببطء، وألقاها جانباً دون أن يحيد بنظره عن قوامها الممشوق الذي يبرزه فستانها الأسود. سار نحوها بخطواتٍ واثقة، هادئة، تشبه خطوات نمر يحاصر فريسته في ركن ضيق. وعندما وصل خلفها مباشرة، لم يلمسها، بل اكتفى بترك أنفاسه الحارة تداعب عنقها المكشوف، مما جعل قشعريرة تسري في جسدها بالكامل.— "نيس جميلة يا سيليا.. لكنها لا تملك سحر الساحل، أليس كذلك؟" همس بصوتٍ أجش، يقطر ذكرياتٍ حاولا دفنها تحت ركام العمل والعداء.التفتت إليه سيليا، وعيناها تلمعان بتحدٍ يحاول إخفاء ضعفها: "الساحل كان خطأً، ونحن هنا من أجل العمل يا صهيب. لا تخلط الأوراق مجدداً."ضحك صهيب بسخرية، واقترب أكثر حتى تلامست صدورهما، وأمسك بخصرها بقوة جعلتها تشهق بخفة:— "خ
Read more

الفصل 145

تهادت الطائرة الخاصة فوق سحاب القاهرة الذي صبغته شمس الأصيل بلون الذهب، وفي الداخل، كان الصمت يسود، لكنه لم يعد ذلك الصمت الجنائزي الذي غادرا به مصر؛ بل كان صمتاً يفيض بالسكينة والترقب. كانت يد "صهيب" تحيط بمانحة الأمان ليد "سيليا"، وكأنه يخشى أن تبتلعهما زحمة الحياة مجدداً فتفرق بينهما. التفت إليها ونبرة صوته تفيض بحنانٍ لم تعهده إلا في "نيس": — "سيليا.. نحن الآن فوق سماء وطننا، لكنني أشعر أن وطني الحقيقي هو هذه اليد التي أقبض عليها. هل أنتِ مستعدة لمواجهة العالم بوجهنا الجديد؟" ابتسمت سيليا بوقار وهي تنظر إلى انعكاس النيل من النافذة وقالت: — "لقد ولدتُ من جديد يا صهيب تحت سماء فرنسا، والآن أعود لأثبت جذور هذا الميلاد في أرضي. لستُ مستعدة للمواجهة فحسب، بل أنا متشوقة لرؤية الفرحة في عيون من أحب." ما إن فُتحت بوابات صالة كبار الزوار حتى دوت صرخة طفولية بريئة هزت أركان المكان. كان"ريان" الصغير يركض كالسهم، وعيناه تلمعان بدموع الشوق الجارف، وخلفه كانت "الدادة حليمة" تحاول اللحاق به وهي تلهج بالدعاء والزغاريد المكتومة. ارتمى الصغير في أحضان والده الذي رفعه عالياً، ثم انضموا جميعاً في
Read more

الفصل 146

انفضَّ سامرُ الأحباب، وهدأت ضوضاءُ الفرحِ في أرجاء قصر "الجارحي" العريق، تاركةً وراءها عبقَ الياسمينِ القاهريِّ الذي يملأُ الرئةَ بالسكينة. صعدتْ "سيليا" و"صهيب" درجاتِ السلمِ الرخاميِّ العريض، حيثُ كانتِ السيدةُ "صفية" والسيدُ "عاصم" قد آويا إلى غرفتهما بعدَ يومٍ حفِلَ بمشاعرَ جياشة، فاستعادَ البيتُ وقارَهُ المعهودَ تحتَ جنحِ الليل. عندَ رواقِ الطابقِ العلويِّ، حيثُ تتقابلُ الأبوابُ الخشبيةُ المزخرفة، توقفتْ سيليا أمامَ بابِ غرفتِها القديمة، تلكَ الغرفةُ التي شهدتْ دموعَها وانكساراتِها، لكنها اليومَ تفتحُ أبوابَها لامرأةٍ مختلفةٍ تماماً. وقفَ صهيبُ أمامَها، يتأملُ ملامحَها بنظراتٍ يمتزجُ فيها الفخرُ بالشوق، لكنَّ هيبتَهُ ووقارَ حضرةِ والدِهِ في المنزلِ كانا يفرضانِ عليهِ احترامَ تلكَ المسافةِ المقدسةِ حتى يُعلنَ الزفافُ الأسطوريُّ الذي وعدَ به. أمسكَ صهيبُ يدَها برفقٍ عندَ عتبةِ الغرفة، وسحبَها لترافقَهُ إلى الشرفةِ المشتركةِ الكبيرةِ التي تطلُّ على الحديقةِ الغناء، حيثُ القمرُ يرسلُ خيوطَهُ الفضيةَ لترسمَ ظلالاً شاعرياً على المكان. صهيب (بهمسٍ رخيمٍ يكسرُ سكونَ الليل): — "سيليا.
Read more

الفصل 147

انبلج فجر القاهرة بجمالٍ خاص، فالهواء يحمل عبق النيل الممزوج برائحة الياسمين المنتشر في أرجاء فيلا "الجارحي". كانت الحركة في البيت أشبه بخلية نحل؛ فاليوم هو موعد استقبال المهنئين والتحضير لزفاف "خالد" المنتظر. وفي الصالون الكبير، جلس "السيد عاصم" و"السيدة صفية" يتابعان المشهد بعينين يملؤهما الرضا، بينما كانت "الدادة حليمة" تشرف على أدق تفاصيل الضيافة بابتسامتها الأمومة المعهودة. وسط هذه الأجواء، أُعلن عن وصول "بدر"، ثم تبعه وصول" ميرنا"، شريكة صهيب السابقة التي كانت تظن يوماً أن مشروع "سان تروپيه" سيكون بوابتها لقلب صهيب قبل أن تزيحها سيليا وتحل محلها، ليس فقط في العمل، بل في حياة صهيب بأكملها. دخل "بدر" الصالون بخطىً واثقة، وعيناه تبحثان عن سيليا وصهيب. لم يعد ذلك الرجل الذي يملؤه الحقد أو الرغبة في التملك، بل بدا كفارسٍ هزمته الحقيقة فتقبلها بوقار. توجه نحو صهيب، ومدَّ يده بابتسامة صافية: — "أهلاً بعودتكم يا صهيب. لقد علمتُ بقراركما، والحقُّ يقال إن قلبي لم يجد سوى الفرح لمثل هذا الخبر. لقد أثبتَّ أنكَ جديرٌ بسيليا، وهي أثبتت أن مكانها الطبيعي هو بجانبك." التفت نحو سيليا، وانحنى
Read more

الفصل 148

أشرقت شمسُ اليوم الأخير قبل ليلة العمر، وكأنها تدرك ثقل الساعات القادمة وجلالها. لم يكن قصر "الجارحي" مجرد دارٍ للسكن، بل تحول إلى غرفة عمليات يقودها "صهيب" بهدوئه الواثق، وتجملها "سيليا" بلمساتها التي لا تُخطئها العين. كان الموعد في تلك الظهيرة في القاعة الكبرى لأحد أفخم فنادق القاهرة المطلة على النيل، حيث سيُقام زفاف "خالد" و"ليليان".وصل الركب إلى الفندق؛ صهيب وسيليا في المقدمة، يتبعهما العريس المتوتر "خالد"، و" ياسين"الذي لم يترك يد زوجته "سارة" خوفاً عليها من الإجهاد، و"مروان" الذي كان يراقب المشهد بابتسامته الرزينة.ما إن فُتحت الأبواب الضخمة للقاعة حتى انبثق عبق الزهور البيضاء التي بدأت تُنسق في كل زاوية. كانت القاعة لوحة من الكلاسيكية الفاخرة؛ الثريات الكريستالية تتدلى كعناقيد النور، والأرضية الرخامية تعكس أحلام الحاضرين.صهيب (بلهجة آمرة يملؤها الود):— "خالد، أريدك أن تنسى توترك الآن. انظر حولك، كل شيء يسير وفق ما خططنا له. هذه الليلة ليست مجرد زفاف، بل هي إعلان لبداية عهد جديد لنا جميعاً."خالد (وهو يمسح جبهته بتوتر):— "لا أعلم يا صهيب.. أشعر وكأن قلبي سيغادر صدري. هل تعتق
Read more

الفصل 149

انبلج فجر يوم الزفاف المرتقب على قصر الجارحي، ولم تكن خيوط الشمس مجرد ضياء عادي، بل كانت إيذاناً بانطلاق طقوس الزفاف التي انتظرها الجميع طويلاً. تحول القصر العريق إلى خلية نحل لا تهدأ؛ الخدم يتحركون بوقار وسرعة لتنفيذ أوامر الدادة حليمة، والروائح الزكية من بخور العود والعطور الفرنسية الفاخرة ملأت الأروقة والبهو الفسيح. في الجناح الخاص بالعريس، كان خالد يقف أمام المرآة، يحدق في انعكاس صورته بذهول، وكأنه لا يصدق أن ليلة عمره قد حانت أخيراً. دخل عليه صهيب بوقاره المهيب، مرتدياً حلة سوداء كلاسيكية زادته هيبة وسحراً، واقترب من صديقه ليعدل له ربطة عنقه بيده، ونظر في عينيه بإبتسامة صادقة قائلاً بنبرة جهورية: "اليوم يا خالد، لا تزف فقط إلى ليليان، بل تزف إلى حياة جديدة كنت أنت فارسها الصبور. أردتك أن تعلم أن صهيب الجارحي لم يفتخر بشيء كما يفتخر بصداقتك اليوم". تأثر خالد بكلمات صهيب، واحتضنه بقوة تعبر عن سنوات من الوفاء والمواقف الصعبة، ورد عليه بنبرة رصينة: "لولا وجودك بجانبي يا صهيب، ولولا إيمانك بي وبحبي، لما كنت أقف هنا اليوم. أنت لست صديقاً فحسب، بل أنت السند الذي لم يمل يوماً". وفي الجن
Read more

الفصل 150

انقشع ضجيج الاحتفال وبقيت أصداؤه تتردد في جنبات قصر الجارحي، الذي عاد إليه سكانه والسكينة تسبق خطوهم. كان السكون الذي لفّ الرواق الكبير يوحي بانتهاء فصلٍ من التوتر وبداية عهد جديد من الاستقرار. دخل صهيب وسيليا خلف السيد عاصم والسيدة صفية، بينما كان ياسين يسند سارة التي كانت تتنفس بصعوبة ملحوظة، ملامحها تشي بأن الساعات القادمة قد تحمل معها ضيفاً طال انتظاره. التفت صهيب نحو عائلته، وقال بصوته العميق الذي يبعث الطمأنينة: "ليلة كانت بمثابة ميثاق غليظ، ليس فقط لخالد وليليان، بل لنا جميعاً. قصر الجارحي لم يعد مجرد جدران، بل عاد ليصبح حصناً لمن يحملون الوفاء في صدورهم". أومأ السيد عاصم برأسه فخراً، وقال بوقار: "لقد أعدتَ لهذا الاسم هيبته يا صهيب، وسيليا كانت الدرع الذي صان هذا الاسم بجمال روحها قبل ذكائها. والآن، اذهبا لنيل قسط من الراحة، فغداً تبدأ ترتيبات أخرى تليق بمقامكما". انسحب الجميع إلى غرفهم، وبقي صهيب وسيليا في بهو القصر أمام تلك اللوحة العتيقة التي تجمع أجداد عائلة الجارحي. أمسك صهيب يد سيليا، ونظر إلى الخاتم الياقوتي الذي يزين أصبعها تحت أضواء الثريا الخافتة، وقال بنبرة تفيض بال
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status