All Chapters of حين قابَلَها الصُهيب: Chapter 61 - Chapter 70

154 Chapters

الفصل 61

_فى المساء_ كان قصر الجارحي يتلألأ وكأنه قطعة من الجنة؛ السجاد الأحمر يمتد من البوابة حتى الحديقة الخلفية، وكبار رجال الأعمال وعائلات الطبقة الراقية يملؤون المكان. لم تكن هذه مجرد "حفلة استقبال" لـ ريان، بل كانت إعلان قوة من عاصم الجارحي بأن حفيده هو الوريث القادم لكل هذه الإمبراطورية. في ركنٍ هادئ، كانت صفية (والدة صهيب) تقف بوقارها المعهود، تراقب الضيوف بعينين صقريتين. اقتربت منها سارة التي كانت تبدو كفراشة رقيقة بفستانها الهادئ، وبجانبها مروان ببدلته الأنيقة وهدوئه القانوني المعتاد. صفية (بنبرة رصينة): — "أهلاً يا سارة.. أرى أن سيليا اختارت لكِ ولمروان وياسين مكاناً بجانبها الليلة، وكأنكم جيشها الخاص." مروان (بابتسامة دبلوماسية): — "نحن لسنا جيشاً يا سيدتى ، نحن عائلتها التي اختارتها. وسيليا الليلة لا تحتاج لجيوش، هي تملك الحاضر والمستقبل." دخلت سيليا القاعة ممسكةً بيد ريان، وبجانبها بدر الذي كان يتحرك كظلٍّ واثق لا يتركها لحظة. لم تكن سيليا تلك الفتاة التي غادرت القصر مكسورة، بل كانت ملكة تفرض حضورها على الجميع. لمح ريان والده صهيب يقف بجانب ناردين، ففلت يده من سيل
Read more

الفصل 62

ساد وجومٌ مطبقٌ في القاعة الكبرى، وكأنَّ عقارب الساعة قد تجمدت عند تلك الكلمات المسمومة التي ألقاها الحارس. لم يكد عاصم الجارحي يستجمع وقاره حتى انشقت الردهة عن دخول رجلٍ يفيضُ مكرة، يتبعه محامٍ يرتدي بذرةً رسمية، يحمل حقيبةً تضم بين طياتها دماراً شاملاً لسكينة هذا القصر. المحامي (بصوتٍ واثقٍ يخرقُ الصمت): — "عذراً يا سيد عاصم .. لكنَّ الحقوق لا تُرجأ لانتهاء المحافل. جئتُ بصفتي الوكيل القانوني لـ (آدم)، الابن الذي أغفلتم ذكره في شجرةِ أنسابكم، والوارث الذي يحملُ دماء عاصم الجارحي ويطالبُ بحقه في السيادة والمال." كانت الكلمات كالصواعق المتتالية فوق رأس صفية. تراجعت للخلف بخطواتٍ مهتزة، ووضعت يدها على قلبها الذي كاد أن يتوقف. شحب وجهها حتى صار كلونِ المرمر، وتعلقت عيناها بزوجها عاصم في نظرةٍ يمتزجُ فيها القهر بالذهول. صفية (بصوتٍ واهنٍ يقطرُ مرارة): — "آدم؟ ابنُ من يا عاصم؟ قل لي إنَّ هذا الرجل واهم.. قل إنني لم أقضِ ثلاثين عاماً في صرحٍ من الخداع! هل كنت تخفي عني 'ثمرة خيانة' في غياب الماضي بينما كنتُ أبني لك هذا الملك؟" نكس عاصم رأسه في كبرياءٍ جريح، وكان صمته "الاعتراف" ا
Read more

الفصل 63

استقرَّ الصمتُ الثقيل في أرجاء المكتب، صمتٌ يسبقُ انقضاض العاصفة، بينما ظلَّ صهيب شاخصاً ببصره نحو القلادة الفضية التي وضعتها العمة فايزة أمامه، وكأنها جمرةٌ من نارٍ استُعرت من رماد الماضي. كانت القلادةُ تحملُ نقشاً فريداً لعائلة "العُمري"، وهو الرمز الذي لم يكن يظهر إلا في مقتنيات (ليلى العُمري)، المرأة التي كانت يوماً نداً لا يلين في وجه "آل الجارحي". صهيب (بصوتٍ متحشرجٍ يملؤه الوجوم): — "عمتي.. استحلفكِ الله، أبيني لي ما استغلق على فهمي. من هي 'ليلى العُمري'؟ ولماذا يرتجفُ ذكرُها في أرجاء هذا القصر كأنه لعنةٌ حلت ولن تزول؟" العمة فايزة (بنبرةٍ وقورةٍ مثقلةٍ بأوزار السنين): — "ليلى العُمري يا بني.. كانت امرأةً تزنُ الرجال بميزانِ ذكائها، خاضت غمار التجارة بقلبِ جسور، وكانت المنافسة الأوحد لوالد سيليا (جلال الجارحي). نشبت بينهما حربٌ ضروس، استعمل فيها جلال وعاصم دهاءهما وسلطانهما حتى سحقا إمبراطوريتها سحقاً، فأُفلست وعاشت ما تبقى من عمرها غريبة، وتجرعت غصص الموت كمداً ونفياً." أمسكت فايزة بيد صهيب، وتابعت وعيناها تفيضان أسى: — "بيد أنَّ ما لم يحسب له جلال حساباً، هو أنَّ عاصم
Read more

الفصل 64

تسمّر صهيب في مكانه، والدماءُ تغلي في عروقه وهو يرى آدم يقترب من ناردين محاولاً إيهام الجميع بوجود حلفٍ بينهما. مدَّ آدم يده ليتناول كفَّ ناردين بتبجيلٍ مسموم، وكلماتُ شكره الزائفة تتردد في القاعة كفحيح الأفاعي. آدم (بنبرةٍ مسرحية): — "لكِ عظيمُ الشكر يا ناردين.. فلولا فطنتكِ وإمدادكِ لي بالموعد، لما استعدتُ حقي في هذا القصر." لم يتحرك صهيب، بل تجمدت نظراته فوق ناردين، بانتظارِ طعنةٍ أخرى يظنها قادمة من فرط انكساره. ولكن، في تلك اللحظة، سحبت ناردين يدها بعنفٍ ينمُّ عن اشمئزازٍ أصيل، ووقفت بطولها الفارع أمام آدم، ونظرتها تقدحُ شرراً من الأنفة والكبرياء. ناردين (بصوتٍ جهوريٍ وقور قطعَ دابر الادعاء): — "كُفَّ عن مكرك يا هذا! لستُ أنا من تُبنى على أكتافها مؤامراتُ الخسة. إن كنتَ تحملُ دماء 'العُمري' فاعلم أنَّ نساءنا لا يبعنَ ذويهنَّ في أسواقِ التشفّي. صهيب الجارحي هو سندي وعائلتي، وما أوجعني منه يبقى في طيِّ الكتمان، أما غريبٌ مثلك.. فلا يملكُ عندي إلا الازدراء." التفتت ناردين نحو صهيب، ولأول مرة، لم تكن عيناها تفيضان بالعتاب، بل بالولاء المطلق. اقتربت منه ووضعت يدها فوق ذراعه في
Read more

الفصل 65

ساد وجومٌ مطبقٌ في القاعةِ الكبرى، وكأنَّ عقارب الساعة قد تجمدت عند ذلك البريق الخاطف المنبعث من "خاتم الوصية" بين أصابع آدم. كان صهيب يقفُ كالجبلِ الجريح، وناردين بجانبهِ كدرعٍ من مرمر، بينما كانت الأعينُ ترقبُ هذا الوافد الذي جاء ليزلزل عرشاً استقرَّ لقرون. في الركنِ القصي، كانت صفية تجلسُ فوق مقعدها الوثير وكأنها ملكةٌ خُلعت عن عرشها في ليلةٍ وضحاها. غامت عيناها بدموعِ كبرياءٍ لم تذرفها، وهي ترى "آدم" يتبخترُ برمزِ عائلةِ زوجها. شعرت بطعنةٍ في أنوثتها وفي تاريخها مع عاصم. صفية (بصوتٍ واهنٍ مخنوق وهي تنظر لعاصم): — "يا عاصم.. أهذا ما جنيناهُ من صمتك؟ خاتمُ أجدادكَ في يدِ ابن 'العُمري'؟ كيف سأواجهُ غداً ملامحَ الخدمِ في هذا القصر، وقد صرنا ضيوفاً في بيتِنا بسببِ خطايا شبابك؟" انحنى عاصم برأسه، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه، فصمتُه كان أقسى من أي اعتراف. لم تطق العمة فايزة صبراً، فتقدمت بخطواتٍ رزينة، ووقعُ عصاها يترددُ في القاعةِ كقرعِ الطبول. وقفت أمام آدم، ونظرت لـ "الخاتم" بازدراءٍ ترفّعت عنه الألسن. العمة فايزة (بصوتٍ وقورٍ جَهوري): — "الخواتمُ يا آدم تُزينُ الأصابع، لكنها
Read more

الفصل 66

لم يكن وقعُ كلمات المحامي "شاكر" أقل من وقع نصلٍ حادٍ في خاصرة صفية. تسلمت المستند بيمينٍ ترتجف، وحين وقعت عيناها على توقيع عاصم الجارحي بجانب تاريخٍ يعود لسنواتٍ خلت، شعرت بأنَّ جدران القصر التي أفنت عمرها في تزيينها تضيقُ عليها لتخنقها. صفية (بصوتٍ متهدجٍ يملؤه القهر العظيم): — "عشرُ سنواتٍ يا عاصم؟ عشرُ سنوات وأنت تقتطعُ من ميراثِ ابني وحفيدي لتهبهُ لغرباء؟ أكنتَ تخافُ فقر 'آدم' أم كنتَ تخافُ سطوةَ ذكرياتك القديمة؟ الليلة.. لم تسرق مالي، بل سرقتَ قدسيةَ هذا الرباط الذي جمعنا لثلاثة عقود." ألقته بالورقة في وجهه، واستدارت بكبرياءٍ جريحٍ نحو العمة فايزة، وكأنها تستنجدُ بآخر حصون الحق في هذا البيت الذي غدر به صاحبه. لم تكن العمة فايزة لتسمح لهذا الانهيار أن يكتمل. اقتربت من صفية، واحتضنت كتفيها بقوةٍ لا تليقُ بسنها، ثم وجهت بصرها نحو آدم الذي كان يراقبُ المشهد بابتسامةٍ باردة. العمة فايزة (بنبرةٍ قاطعةٍ كالسيف): — "كُفَّ عن توزيعِ صكوكِ الغدر يا آدم. إن كان عاصم قد وهبك الجدران، فاعلم أنَّ 'الأرواح' التي تسكنها لن تكون لك يوماً. قصر الجارحي لا يُقادُ بالأوراق، بل بالهيبة التي تف
Read more

الفصل 67

في جناح المكتب الكبير، حيث خفتت أنوار القصر المتلألئة وحلت محلها أضواءُ المصابيح الخافتة المشحونة بالترقب، اجتمع الحلفاءُ لأول مرة في مشهدٍ مهيب. لم يكن هناك مكانٌ للضغينة؛ فسيليا تقف بجانب ناردين، وصهيب يضع يده في يد خالد وبدر، بينما توسطت العمة فايزة الجمع كحكيمةِ القبيلة. تقدم عاصم الجارحي بخطىً مثقلة بالندم، ووضع "سجل الأصول القديم" أمام مروان وياسين. نظر لزوجته صفية بعينين يملؤهما الانكسار والرجاء. عاصم (بصوتٍ متهدج): — "صفية.. خيانتي كانت في الصمت لا في القصد. آدم يملك الأوراق، لكنه لا يملك 'كود التشفير' النهائي للحسابات السيادية للمجموعة. هذا الكود لا يُفتح إلا ببصمتين.. بصمتي، وبصمة الوريث الشرعي الذي اخترته وهو.. ريان." صفية (بأنفةٍ جريح): — "سأغفرُ لك يا عاصم حين نستردُّ هيبة هذا البيت، وحين يخرج هذا الغريب مطروداً كما دخل." انكبَّ مروان وياسين على الأوراق القانونية كالصقور، بينما كانت سارة تمسك بيد سيليا تمنحها القوة، وتراقب بذكائها أي ثغرة في تحركات المحامي شاكر. مروان (بثباتٍ قانوني): — "سيليا.. صهيب.. آدم ارتكب خطأً فادحاً. لقد بنى شرعيته على 'وصية ليلى العُمري'
Read more

الفصل 68

دلف آدم إلى القاعة بخطواتٍ وئيدة، والغطرسةُ تملأُ ملامحه، يتبعه المحامي "شاكر" الذي كان يحملُ حقيبةَ الوثائق كأنها صكُّ الغفران. استقرَّ بصرهُ على الجمعِ المحتشد؛ عاصم الجارحي يتصدرُ المائدة بكبرياءٍ استعادهُ من بين براثن الندم، وعن يمينيه ويساره سيليا وناردين كأنهما ملكتانِ تحرسانِ العرش، بينما وقف صهيب وبدر وخالد كحائطِ صدٍّ خلفهم، ومروان وياسين يوزعانِ النظراتِ القانونية الثاقبة.آدم (بضحكةٍ ساخرةٍ مزجت بين الاستهزاء والتوتر):— "ما كلُّ هذا الاحتشاد؟ أهو حفلُ وداعٍ لـ 'إمبراطوريةٍ' تهاوت أركانها؟ أم تراهُ مشهداً من مسرحيةٍ بائسة تحاولون فيها استجداءَ عطفي قبل أن أضعَ خاتمي فوق مقاعدكم؟"لم ينتظر صهيب ليرد، بل تقدمت ناردين بخطوةٍ واثقة، ورمقت آدم بنظرةٍ احتقارٍ أخرست ضحكته.ناردين (بصوتٍ جهوريٍ يفيضُ عزة):— "أخطأتَ في الحسابِ يا سيد آدم.. فنحنُ لا نستجدي عطفَ الخائنين. حاولتَ مساومتي على إرثِ عائلة 'السيوفي' ظناً منك أنَّ المال يشتري الولاء، لكنك نسيتَ أنَّ الدماءَ التي تجري في عروقي تأبى أن تتحالف مع من ينهشُ في ظهرِ ذويها. غداً ستعرفُ أنَّ إرثي لا يُستعادُ بكلمةٍ منك، بل بوقفةِ
Read more

الفصل 69

ارتبك عاصم، لكنَّ مروان تقدم بهدوءٍ وثبات نحو الخزنة، وأخرج منها مظروفاً يحملُ خاتم "جلال الجارحي" الشخصي، ونظر لصهيب وسيليا بنظرةٍ غامضة. ​مروان (بصوتٍ جهوري): — "جلال الجارحي لم يمت تاركاً خلفه ثغرات.. لقد وضع 'شفرة استعادة' لا يمكن لآدم أو غيره تخمينها. وصى السيد عاصم بأن يكون الكود هو التاريخ الذي يجمع شمل العائلة من جديد.. التاريخ الذي شهد تنفيذ رغبته الأخيرة في حماية ابنته." ​أملى مروان الأرقام على سارة، لتكتشف سيليا وصهيب بذهول أنَّ الكود هو تاريخ عقد قرانهما! ​عاصم الجارحي (بصوتٍ متهدجٍ يملؤه الندم): — "نعم يا أبنائي.. جلال كان يعلم حب سيليا لصهيب قبل رحيله، ووصاني بأن أزوجكما ليكون صهيب هو الدرع الذي يحميها ويحمي الإمبراطورية. لقد نفذتُ وصيته، ووضعت هذا التاريخ كشفرةِ أمانٍ أخيرة، لأنه كان يعلم أنَّ هذا اليوم هو يومُ قوةِ آل الجارحي." ​بأنامل ترتجف من أثر الصدمة، أدخلت سارة التاريخ، وبلمسةٍ أخيرة، ابتلع النظامُ فيروس آدم وأعاد تأمين كل الأصول، لتعود الشاشات للون الأخضر وسط صمتٍ يملؤه الذهول من دهاء وحب الراحل جلال. خارج أسوار القصر، لم يكد آدم يبلغ سيارته حتى حاصرته سي
Read more

الفصل 70

على الركن الآخر من القصر، كان صهيب قد ترك الجميع وانفرد بـ ريان. كان الصغير يجلس فوق ركبتي والده، يعبثُ بأزرار قميصه بفضول، بينما كان صهيب ينظر إليه وكأنه يرى معجزةً تمشي على الأرض. ​صهيب (بهمسٍ يملؤه الحنان): — "اتعرف يا ريان.. أنتَ تشبهُ جدك جلال كثيراً في عينيك، وتشبهني في عنادك.. لكن أتمنى أن تأخذ من والدتك ذكاءها وهدوءها." ​ريان (ببراءة): — "ابى... هل ستبقى معنا دائماً؟ السيدة ناردين تقول إنك بطل وحميتنا من الرجل الشرير." ​احتضن صهيب ابنه بقوة، وشعر بغصةٍ في حلقه. لقد ضاعت سنوات من عمر الصغير بعيداً عنه بسبب كبريائه القديم، وعاهد نفسه في تلك اللحظة أن يكون "الدرع" الذي وصى به عمه جلال، ليس للإمبراطورية فحسب، بل لـ ريان أولاً. ​وصلت سيليا للمطعم بجمالٍ ملكي، لتجد بدر بانتظارها بهدوئه المعتاد. لكن بمجرد أن جلسا، لم يستطع بدر إخفاء قلقه؛ فبرودة يدي سيليا وتجنبها لنظراته كانا كافيين ليفهم أنَّ شيئاً ما قد انكسر أو استيقظ على طاولة العشاء الفاخرة، والموسيقى الهادئة تعزف لحناً يداعب سكون المكان، كانت سيليا تنظر إلى بدر بامتنانٍ عميق. لم يكن مجرد خطيب، كان المنقذ الذي انتشلها من
Read more
PREV
1
...
56789
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status