All Chapters of أصداء لاتموس: Chapter 141 - Chapter 146

146 Chapters

الخديعة الملعونة ورماد اللعنة

سيلين كان دانيال يقف على الطرف الآخر من الساحة، لكنني لم أكن بحاجة إلى النظر إليه لأعرف ما يعتمل في داخله. كان رابطنا الروحي ينبض بيننا بصمت، كخيطٍ غير مرئي يصل قلبين يفصل بينهما العالم كله. لم يكن ينقل الكلمات، بل المشاعر… ولهذا كنت أشعر بكل شيء. كنت أشعر بالنار التي تلتهم صدره. بالذنب الذي يعصر روحه. بالرغبة العارمة التي تكاد تدفعه إلى تمزيق كل شيء والوصول إليّ مهما كان الثمن. كان يحاول بكل ما بقي لديه من قوة أن يخفي تلك العاصفة عني، لكن الرابط بيننا كان أصدق من أي محاولة للكتمان. كنت أستشعر ارتجاف أنفاسه، وتوتر عضلاته، وحتى ذلك الصراع المرير الذي يخوضه بين قلبه وعقله. كان يعلم أن أي خطوة متهورة قد تكون نهايتي. ولهذا بقي واقفاً… واقفاً فقط. وذلك كان أقسى عذاب يمكن أن يُفرض على رجل مثله. أما أنا، فكنت أشعر بعجزي ينهشني ببطء. لو استطعت فقط أن أطمئنه… أن أخبره أن رؤيته وحدها كانت كافية لتعيد الحياة إلى قلبي. لكن الكلمات خانتني، ولم يبق بيننا إلا العيون. رفع دانيال بصره نحوي. ولوهلةٍ قصيرة، اختفى العالم كله. لم أعد أرى الغابة، ولا الظلام، ولا أثينا، ولا
Read more

طعنة الغدر وشعاع القمر الأخير

سيلين بدأ “بان” يتحرك ببطءٍ شديد، حتى بدا وكأنه يخشى أن يوقظ الهواء من حوله. كانت خطواته محسوبةً بدقة، لا يرفع قدماً إلا بعد أن يتأكد من موضع الأخرى، بينما بقيت قبضته الفولاذية مطبقةً على ذراعي بقوةٍ جعلت أصابعه تنغرس في جلدي. كنتُ أسير أمامه شبه فاقدةٍ للتوازن، أشعر بثقل أنفاسه خلفي، وبالبرودة المنبعثة من جسده. كان يدفعني خطوةً خطوة، كأنه يستخدم جسدي جداراً يفصل بينه وبين دانيال. أما دانيال… فلم يتحرك. كان واقفاً في مكانه، لكن جسده كله كان يرتجف ارتجافاً خفيفاً يكاد لا يُرى. قبضتاه كانتا مضمومتين بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وعضلات عنقه مشدودة إلى أقصى حد، بينما عيناه لم تغادرا وجهي ولو للحظة. لم يكن يخاف على نفسه… بل كان يخشى أن يرتكب حركةً واحدةً خاطئة قد تكون آخر ما أراه منه. أما “أثينا”، فقد بقيت ساكنةً بصورةٍ تكاد تكون مخيفة. كانت تعرف أن لحظةً واحدةً من التهور كفيلةٌ بإفساد كل شيء. ومع ذلك… لاحظتُ شيئاً غريباً. رغم هدوئها، كانت عيناها تراقبان “بان” أكثر مما تراقبانني. وكأنها تنتظر منه شيئاً… أو تخشى شيئاً لم نفهمه بعد. اقترب “بان” أكثر. ثم توقف. ابتسم. ابتسام
Read more

خسوف الروح والقمر الدموي

دانيال ما بعد سقوط بان انقلب العالم رأساً على عقب في كسرٍ من الثانية. لم يتسنَّ لعقلي حتى أن يفهم ما يحدث؛ كل ما رأيته كان إعصاراً مروعاً من الضوء والظلام يلتف حول سيلين، يبتلع جسدها شيئاً فشيئاً كما لو أن قوىً لا تنتمي إلى هذا العالم قد قررت انتزاعها منه. صرخت باسمها واندفعت نحوها بجنون. لم أعد أشعر بالأرض تحت قدميّ، ولا بالحجارة التي كانت تتكسر تحت وطأة خطواتي، ولا حتى بالهواء الذي كان يصفع وجهي. لم يكن في العالم كله شيء سوى هي. سيلين. لكنني لم أكن وحدي. انطلق سول في اللحظة ذاتها، مندفعاً نحوها بكل ما أوتي من قوة، إلا أن أثينا سبقتنا بحركتها. رفعت يديها، فانفجرت حولنا هالة سحرية هائلة، اصطدمت بأجسادنا وأوقفتنا في أماكننا كما لو أن جبالاً غير مرئية قد هبطت فوق أكتافنا. صرخت وأنا أحاول كسر الحاجز: “أثينا! ماذا تفعلين؟! اتركيني!” لكنها لم تجب. كانت عيناها مثبتتين على سيلين. رأيت وجهها شاحباً بصورة لم أرها عليها من قبل، وشعرت للمرة الأولى أن تلك المرأة التي كانت تبدو دائماً أكثر الموجودين ثباتاً قد بدأت تخشى شيئاً لا تستطيع السيطرة عليه. أما أنا… فكنت أُحطم نفسي محاولاً
Read more

ثمن الخلاص

دانيال شعرتُ بأن العالم من حولي قد فقد معناه. لم أعد أسمع سوى أنفاسي المتقطعة، ولا أرى سوى وجه “سيلين” الشاحب بين ذراعي. كان جسدها ساكناً بصورةٍ مخيفة، كأن الحياة نفسها قد تراجعت إلى أعمق نقطة في روحها، وتركت جسدها وحيداً في مواجهة ذلك الظلام الذي اجتاحها. كنتُ أضمها إلى صدري بكل ما أملك، وكأن قوة ذراعيّ قادرة على منع الموت من الاقتراب منها. لكن شيئاً في داخلي كان يخبرني أنني أخسرها. شيئاً لا أستطيع مقاومته. كان موضع رابطتنا الروحية يحترق في صدري بصورةٍ لم أعرف لها مثيلاً من قبل. وضعتُ يدي عليه دون وعي، وانحنيت فوقها وأنا ألهث من الألم. رفعتُ عيني نحو “أثينا”، وخرج صوتي مبحوحاً: “ماذا تقصدين؟ إلى ماذا تشيرين بالتحديد؟!” كانت واقفة أمامي، لكنها لم تعد تبدو كسيدة الحكمة التي عرفتها قبل ساعات. لأول مرة، رأيتُ في عينيها خوفاً حقيقياً. قالت بحزمٍ ثقيل: “يجب عليك سحب هذا التلوث من القمر… سيلين لن تستطيع تحمله. وحتى لو استيقظت، فلن تكون سيلين التي عرفتها وأحببتها.” توقفت الكلمات في حلقي. نظرتُ إلى سيلين. إلى وجهها الهادئ رغم الموت الذي يزحف في أعماقها. ثم عدتُ بعيني إليها. “ح
Read more

معبد لاتموس… وداع النور

دانيالالتفتت “أثينا” نحو “سول”، ثم أمسكت بكتفيه وهزته بعنف، وكأنها تحاول انتزاعه من الهوة التي ابتلعته.قالت بحدةٍ لم أعرفها في صوتها من قبل:“سول! علينا أخذها الآن إلى معبد لاتموس… لا وقت لدينا!”لكن “سول” لم يجب.ظل واقفاً في مكانه، وعيناه معلقتان بجسد “سيلين” بين ذراعيّ، وكأن عقله رفض تصديق ما يحدث. كانت ملامحه شاحبة، وشفته السفلى ترتجف، ثم انخفض رأسه فجأة، وانكسر شيءٌ في داخله.خرج صوته أشبه بأنينٍ مختنق:“لا أستطيع…”رفع عينيه نحوي، وكانت الدموع قد غمرتهما.“لا أستطيع أن أتحمل هذا… سامحني يا دانيال.”لم أفهم ما قصده. أردتُ أن أصرخ فيه، أن أطلب منه البقاء، أن أذكره بأننا لم ننتهِ بعد… لكن الكلمات ماتت في حلقي.وفي ومضةٍ حزينة، تلاشى “سول” من أمامنا.اختفى.وكأن وجوده نفسه لم يكن سوى لحظة عابرة في هذا الكابوس.حدقتُ في المكان الذي كان يقف فيه، عاجزاً عن استيعاب أنني أصبحت وحدي.وحدي معها.وحدي أمام احتمال فقدانها.اقتربت “أثينا” مني دون أن تقول شيئاً. وضعت يدها على كتفي، ثم أمسكت بالرمح باليد الأخرى.شددتُ “سيلين” إلى صدري أكثر.كنتُ أضمها بطريقةٍ تكاد تكون مؤلمة، وكأن ذراعيّ قادر
Read more

رماد العام المنصرم وناقوس الخطر

أثينا عامٌ من الظلام مرَّ عامٌ كامل. عامٌ ثقيل، بطيء، كأنه دهرٌ من الجمر لا يريد أن ينتهي. منذ تلك الليلة الملعونة، لم يعد شيءٌ كما كان. لم يعد القمر كما عرفناه، ولم تعد الغابات هادئة، ولم تعد قلوبنا قادرة على النوم بسلام. وحتى أنا… لم أستطع، طوال ذلك العام، أن أطرد صورة واحدة من ذاكرتي. صورة “دانيال”. وجهه الشاحب، عيناه اللتان كانتا تصرخان قبل أن ينطق، وذراعاه المرتجفتان وهما تضمان “سيلين” للمرة الأخيرة. ثم… ذلك الظلام. رأيته يبتلع جسده. رأيته يدخل فيه كما لو أن العالم كله قرر أن يضع خطاياه على كتفي رجلٍ واحد. ومنذ تلك اللحظة، اختفى. اختفى في أعماق الغابات، بعيداً عن أعين الجميع، محتجزاً داخل هيئته اللايكانية الوحشية، لا يسمح لأحدٍ بالاقتراب منه، ولا يسمح لنفسه بالعودة. عامٌ كامل ونحن لا نعرف ماذا يحدث له. عامٌ كامل وأنا أعيش مع سؤالٍ واحد ينهشني: إلى متى يستطيع الإنسان أن يعيش وفي داخله كل هذا الظلام؟ التفتُّ نحو “سول”. كان يقف بعيداً عني، صامتاً، وعيناه معلقتان بالأفق. لم يكن في وقفته شيءٌ من ذلك الهدوء الذي عرفته فيه سابقاً؛ بدا كمن يحمل فوق كتفيه جنازةً لم تن
Read more
PREV
1
...
101112131415
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status