All Chapters of أصداء لاتموس: Chapter 1 - Chapter 10

132 Chapters

طاولة الرؤس السبعة

دانيال لم تكن معركة، بل كانت مأدبة للموت أُجبرتُ على حضورها. حولي، كان رفاقي يسقطون كأوراق خريفٍ محترقة؛ أجسادٌ تهاوت في صمتٍ مرعب أمام زحف "الظلال" السوداء. لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا ذئاباً.. كانوا ظلالاً تتحرك بسرعةٍ تخترقُ قوانين الزمن، تنهشُ اللحم قبل أن تلمحه العين. كنتُ الأخير.. الألفا الذي يقفُ وحيداً وسط بركةٍ من دماء شعبه، أصارعُ موتاً حتمياً بأسنانٍ كليلة وروحٍ منهكة. غرزتُ أنيابي في حنجرة ظلٍّ بارد، لكنَّ عددهم كان كالبحر الذي لا ينضب. ومع كل طعنة مخلبٍ تخترقُ صدري، كانت قوتي تتسربُ مع دمائي الدافئة فوق العشب البارد. انهرتُ أخيراً.. سقطتُ على ركبتيّ مستسلماً لجراحي التي لا تُحصى، وأغمضتُ عينيّ أنتظرُ الضربة القاضية التي ستطوي صفحة "حياتي" للأبد. وفجأة.. انشقَّت السماء. انفجر ضوءٌ باهر، أبيض كالفضة ومقدس كالصاعقة، ليفجر عتمة المكان. سمعتُ صرخاتٍ غريبة، عويلاً لا ينتمي لهذا العالم، ووقع أقدامٍ تهربُ بذعرٍ من ذاك النور الغاشم. شعرتُ بقوةٍ مجهولة تسري في عروقي، نبضٌ جديد يضخُّ الحياة في أطرافي المحطمة. فتحتُ عينيّ بذهول؛ جراحي التي كانت تنزف قبل ثوانٍ بدأت تلتحمُ بسرعةٍ
last updateLast Updated : 2026-03-04
Read more

ظلال الذاكرة ونبض الحديقة

سيلين استيقظتُ والصداع ينهش رأسي كأنياب ذئبٍ جائع. لم تكن آلاماً جسدية فحسب، بل كانت نتيجة ذلك التيه الذي يبتلعني؛ شعورٌ غريب بأنني لستُ ممن اعتادوا الانتظار أو العيش في الظل. فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي محاصرةً في هذه الغرفة التي، رغم اتساعها، كانت تخنق أنفاسي. كانت الجدران مبنية من حجارة بركانية داكنة، مصقولة بعناية لتعكس ضوء الصباح الباهت المتسلل من نافذة مقوسة ضخمة. الأثاث خشبي ثقيل، محفور عليه نقوش لرموز قديمة وذئابٍ تزمجر، وسريري ذو الأعمدة الأربعة يغطيه مفرش من الفراء الداكن الذي يفوح برائحة الغابة والمطر. كانت الغرفة توحي بالقوة والسيادة، تليق بجناحٍ في قصر "ألفا"، لكنها بالنسبة لي كانت تبدو كقفصٍ مذهب لا ينتمي لهدوئي الداخلي. تأملتُ الزوايا المظلمة في السقف العالي، وشعرتُ بأن هناك شيئاً عظمياً، شيئاً جوهرياً يقبع خلف ضباب ذاكرتي، أحاول الإمساك بطرفه فيفلت مني، تاركاً غصة في حلقي واحتراقاً في أعماق روحي. أنا لا أشبه هذا المكان الخشن، ولا أشبه حتى نفسي التي أراها في المرآة، فثمة "أنا" أخرى تطالب بالظهور، لكن السلاسل غير المرئية تشدني نحو الأسفل. لم أستطع تذكر شيء، مهما حاولتُ
last updateLast Updated : 2026-03-06
Read more

وسم النور

سيلين غادرتُ غرفتي في الطابق الأخير من القلعة ببطء، بينما كان الصمت الثقيل يملأ الممرات الحجرية كضبابٍ غير مرئي. الهواء هنا مختلف… بارد، عتيق، يحمل رائحة الرطوبة القديمة والحديد والرماد، وكأن الجدران نفسها ما تزال تحتفظ بأصداء الحروب التي شهدتها قبل قرون. أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، ثم رفعت بصري عبر الممر الطويل الممتد أمامي. كانت المشاعل المعلقة على الجدران تبعث ضوءًا خافتًا متراقصًا، يجعل الظلال تتحرك وكأنها كائنات حية تراقبني من بعيد. وفي نهاية الممر تمامًا… كان باب غرفة دانيال. توقفت خطواتي لثانية. ذلك الباب المواجه لغرفتي مباشرةً أثار داخلي الشعور ذاته الذي يراودني كل مرة أراه فيها؛ إحساس غريب بأن وجود غرفته هناك لم يكن محض صدفة. وكأن أحدهم تعمد أن يضعه في طريقي… أو يضعني في طريقه. أبعدتُ الفكرة عن رأسي وتابعت السير نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الطابق الثاني. كانت القلعة تستيقظ تدريجيًا. أصوات بعيدة لخطوات الحراس، احتكاك السيوف أثناء التدريبات الصباحية، وصرخات متقطعة تصلني من الساحة الخارجية. عالم كامل يتحرك حولي… بينما كنت أشعر دائمًا أنني منفصلة عنه، كأنني دخيلة على هذا المكا
last updateLast Updated : 2026-03-06
Read more

عبير الأنتماء

سيلين خرجتُ من العيادة برفقة دانيال، بينما ظلّ ثقل ما حدث هناك يرافقني كظلٍ لا يفارقني. كانت الضمادة الملتفة حول عنقي تخفي ذلك الوسم الغريب عن أعين الجميع… لكنها لم تستطع إخفاء شعوري به. كل بضع خطوات، كنتُ أحسّ بنبضةٍ خافتة تحت جلدي، وكأن شيئًا ما مستيقظ هناك… يراقب. سرنا عبر الممرات الحجرية العريضة للقلعة باتجاه صالة الطعام، حيث جُهّز لنا بعض الزاد لنأخذه إلى الحديقة. وعلى الرغم من اتساع المكان، إلا أن حضوره كان يملأ الممر كله؛ دانيال لا يحتاج أن يرفع صوته ليُشعر الجميع بسلطته، يكفي أن يمرّ حتى تنخفض الرؤوس تلقائيًا. كان أفراد القطيع يفسحون له الطريق فور رؤيته. بعضهم انحنى احترامًا، وآخرون وقفوا بصمت حتى نعبر. لكن وسط تلك الوجوه، كانت هناك نظرات مختلفة تمامًا… نظرات تتسلل نحوي بخفية، مليئة بالترقب والريبة، وكأنهم يحاولون فهم سبب وجودي إلى جانب الألفا. أو ربما… يحاولون فهم ما أكونه أصلًا. حاولت تجاهلهم، حتى شعرت فجأة بنظرة حادة استقرت عليّ بقوة جعلتني ألتفت دون وعي. كانت امرأة تقف قرب أحد الأعمدة الحجرية، تراقبني بعينين ممتلئتين بالاحتقار الصريح. ليس فضولًا. ولا خوفًا. بل كر
last updateLast Updated : 2026-03-06
Read more

خيوط الضياء

دانيال كنتُ أجلس بجانبها تحت ظلال شجرة البلوط العتيقة، أحاول الحفاظ على هدوئي المعتاد، ذلك الهدوء الذي يتوقعه الجميع من ألفا لا يهتز بسهولة… لكن داخلي كان أبعد ما يكون عن السكينة. كان هناك ضجيج كامل يعبث في رأسي. صوتها قبل قليل ما زال يتردد داخلي بصورة مستفزة: “لقد استطعتُ تمييز رائحتك… أنت فقط.” أعدتُ الجملة في ذهني للمرة التي لا أعرف عددها، وشعرتُ بذلك الإحساس الغريب يتمدد داخلي مجددًا. فخر. غرور ذكوري خام لا يليق بقائدٍ يفترض به السيطرة على نفسه، ومع ذلك لم أستطع منعه. من بين كل الموجودين في القطيع… ميزتني أنا. حواسها اختارتني وحدي. أغمضتُ عيني للحظة قصيرة وأنا أقاوم ابتسامة كادت تظهر على وجهي دون إذن. “أراك سعيدًا أكثر من اللازم.” جاء صوت انديميون ساخرًا من أعماقي. تنهدت داخليًا. “أصمت.” ضحك ذئبي بخفوت، ذلك الصوت الأجش الذي يشبه احتكاك الصخور ببعضها. “لا أذكر آخر مرة شعرتَ فيها بهذا الارتباك بسبب أنثى.” تجاهلت سخريته محاولًا التركيز على ما أمامي، لكن وجود سيلين بجانبي جعل المهمة شبه مستحيلة. كانت تجلس بهدوء تحت الأشعة الذهبية المتسللة بين الأغصان، والنسيم يحرك خصل
last updateLast Updated : 2026-03-07
Read more

نداء القمر

"كميل، أخبرتُك مراراً وتكراراً.. لا أريد لميرا أن تعرف أي شيء عن بحثنا، هل هذا مفهوم؟"كان صوتي رعدياً يتردد في أرجاء المكتب. نظرتُ إلى كميل، البيتا الخاص بي وصديق عمري، بصرامة لم يعتدها إلا في ساحات المعارك. "إن تكرر الأمر، سأعزلك عن أي مهمة تخص سيلين. احجب ميرا عن عقلك تماماً فيما يخصها."أحنى كميل رأسه بخنوع وقال بصوت منخفض: "حاضر أيها الألفا، لن يتكرر الأمر."هدأتُ قليلاً وسألته بلهفة حاولتُ مداراتها: "إذاً، بماذا جاء الرد؟"أخذ كميل نفساً عميقاً وأجاب: "أيها الألفا، لقد جاءت أنباء من 'مارك'؛ يخبرنا بوجود قطيع بعيد في الشمال يدعى 'قطيع ظل القمر'. هناك إشاعات عن وجود شخص لديه مواصفات تشبه مواصفات سيلين. ربما نجد هناك طرف خيط يوصلنا لحقيقتها."لم أحتج للتفكير ثانية واحدة. "حضر نفسك، سنغادر خلال يومين."اتسعت عينا كميل بدهشة: "دانيال؟ هل ستذهب بنفسك؟""كميل، أي شيء يخص سيلين سأكون موجوداً فيه شخصياً،" أجبته دون تردد، وكأن الأمر محسوم في قدري قبل أن يُنطق.صمت كميل للحظة، ثم خلع عباءة "البيتا" وتحدث بنبرة الصديق: "دانيال.. أخبرني بصدق، هل هي رفيقتك؟ إذا كانت كذلك، فلماذا لم توسمها وتع
last updateLast Updated : 2026-03-08
Read more

صرخة سيليني …

"ما هذا الألم؟! سيلين.. لا تقاومي، استسلمي للوجع!"كان صوت دانيال يأتيني من بعيد، كأنه يغرق خلف جدار من الضجيج. لم أكن أملك ترف الرد عليه، فجسدي كان يشتعل؛ شعرتُ وكأن عظامي تتكسر وتُعاد صياغتها، وناراً تسري في عروقي بدلاً من الدماء. صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة، لم أكن أتخيل أن التحول قد يصل لهذه الدرجة من العذاب.وسط عاصفة الألم، سمعتُ صوتاً داخلياً، صدىً آتياً من أعماقٍ سحيقة، رقيقاً لكنه يحمل سلطة غريبة: "سيلين.. سيلين، لا تخافي. أغمضي عينيكِ وأبقي هادئة.. لن أؤذيكِ أبداً.""من أنتِ؟" سألتُ ذلك الصدى في عقلي، بينما كان صوت دانيال الحقيقي يقتحم واقعي مرة أخرى: "سيلين، هذه ذئبتكِ! إنها تحاول التواصل معكِ، لا تقاوميها، افتحي لها الأبواب."أغمضتُ عينيّ بقوة، مستسلمةً للظلام الداخلي. وفجأة، رأيتها.. كانت تتقدم نحوي في فضاء عقلي بخطىً واثقة وملكية."أنا سيليني.. ذئبتكِ."في تلك اللحظة، تلاشى الألم فجأة، وحلّت مكانه سكينةٌ غامرة. قالت لي بصوتٍ يشبه صوتي تماماً: "لأنكِ الآن تشعرين بالأمان تجاهي، استسلمتِ.. وها أنتِ تبلين بلاءً رائعاً."ذهلتُ لمنظرها؛ كانت تجسيداً مهيباً لي لكن في هيئة ذئبة.
last updateLast Updated : 2026-03-08
Read more

صرخة انديميون

توقف يا انديميون! إنها لا تشعر بما نشعر به بعد!" صرختُ في وجه ذئبي الذي كان يزمجر بجنون في أعماقي. كانت مشاعره تتدفق كالحمم البركانية، يطالبني بوسمها، بإعلانها ملكاً لنا أمام العالم أجمع."أنا وأنت متأكدان أنها رفيقتنا،" تابعتُ محاولاً تهدئته، "لكنني لن ألمس إنشاً واحداً من جسدها حتى تتأكد هي وذئبتها 'سيليني' من أننا رفاقها. لا أريد أن أفرض عليها قدراً وهي في حالة ضعف وفقدان للذاكرة."أجابني انديميون بصوتٍ مليء بالغضب المكبوت: "أخبرتك أن سيليني معجبة بي! لقد شعرتُ بنظراتها، بشوقها.. إنها تريدنا!""ربما،" قلتُ له بغصة، "لكنها لا تعرف بعد أنك رفيقها المقدر. أريد أن أكون سنداً لها، لا قيداً حول معصمها. هل تفهم؟ نريد أن نكون سندها.. صحيح؟"ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يجيبني بنبرة خالية من الحماس: "أنت محق.. كالعادة.""إذاً، دعنا ننم الآن، أمامنا رحلة شاقة إلى الشمال لنجد الأجوبة التي تحتاجها لتستعيد ذاكرتها، وحينها فقط ستختارنا بكامل إرادتها." قفز انديميون فرحاً بمجرد تخيل فكرة استعادتها لذكرياتها واختيارها لنا، واستسلمنا أخيراً لنومٍ قلق.استيقظتُ مع أول خيوط الفجر، وكان أول ما فعلته هو التو
last updateLast Updated : 2026-03-08
Read more

ظلال الشمال

دانيال من تحت نافذة غرفتها… كانت تقف هناك. خلف زجاج النافذة المرتفع، ينسدل شعرها الفضي فوق كتفيها كخيوط ضوءٍ هاربة من القمر، بينما كانت عيناها البنفسجيتان تلاحقانني بحزنٍ حاولت عبثًا ألا أراه. لكنني رأيته. وشعرت به. شعرتُ برغبتها في القفز من تلك النافذة والركض نحوي، في الانضمام إلينا مهما كان الخطر، وكأن شيئًا داخلها يرفض فكرة ابتعادي عنها حتى ليومٍ واحد. وذلك وحده… كاد يضعف عزيمتي. لكن خوفي عليها كان أقوى من أي رغبة أخرى. لهذا أشحتُ بنظري عنها للحظة، وأصدرت أوامري بصوت الألفا الذي لا يسمح للعاطفة بأن تظهر: “توزعوا كما اتفقنا.” انقسم القطيع إلى ست فرق، يقود كل واحدة منها عضو من أعضاء المجلس. كان الجميع يتحرك بسرعة وانضباط، بينما امتدت ظلال الليل فوق الساحة الحجرية الواسعة أمام القلعة. الهواء كان باردًا. ومحمّلًا برائحة المطر القادم. تقدمتُ نحو مقدمة الساحة، وشعرتُ بـ”انديميون” يتحرك في أعماقي بنفاد صبر. لم يكن مهتمًا بالركض الجماعي، ولا بالبدر المكتمل الذي يملأ السماء، ولا حتى بعواء القطيع الذي بدأ يتصاعد تدريجيًا حولنا. كل ما كان يريده… هو العودة إليها. تنهدت ببطء، ثم
last updateLast Updated : 2026-03-08
Read more

حانة الهاربين وطيف الغياب

"مارك، ألم تجد مكاناً أفضل من هذا النزل المتهالك؟"كان صوتي يخرج مخنوقاً بسبب الغبار والروائح الكريهة التي تملاً المكان. كان النزل يبدو كجثة هامدة من الخشب العتيق، تتآكله الرطوبة وتصرّ أرضيته مع كل خطوة نخطوها، كأنها تئن تحت ثقل أقدامنا. النوافذ مغطاة بطبقات من الأوساخ تمنع الضوء من الدخول، والأسِرّة ليست سوى قطع قماش مهترئة تفوح منها رائحة العفن."سيدي، صدقني هذا أفضل نزل في المنطقة،" أجاب مارك بصوت منخفض وهو يتفقد المكان بحذر.نظرتُ من الشق الصغير في النافذة إلى الخارج؛ كانت القرية تبدو بدائية، أهلها يمشون بخطى حذرة وعيون تفيض بالريبة، مجتمع منعزل تماماً عن أي تمدن أو قانون. "هذا المكان يبدو بدائياً وموحشاً.. انظر إلى هذه الجماعة، إنهم يعيشون في عزلة تامة."قررنا الاستراحة قليلاً قبل أن نتوجه إلى "الحانة" المحلية، فهي المكان الوحيد الذي تنحلّ فيه الألسنة. ومع حلول المساء، بدأت أصوات العواء تتعالى، لكنه لم يكن عواءً منظماً كالذي يطلقه قطيعي؛ كان عواءً مشتتاً، ينم عن أرواح ضائعة وغير منضبطة. وبينما كنا نسير في الطرقات الموحلة، رأيتُ طفلين يتقاتلان بشراسة على كسرة خبز يابسة. "تباً! أين
last updateLast Updated : 2026-03-10
Read more
PREV
123456
...
14
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status