All Chapters of أصداء لاتموس: Chapter 111 - Chapter 120

132 Chapters

حين يتغيّر الجوهر

كان قلب جاكسن يخفق بقوة، لم أكن بحاجةٍ لأن يتكلم؛ نبضه كان واضحاً لي، مكشوفاً ككتابٍ مفتوح. كنتُ أعرف ما الذي يريده، أو بالأحرى… من الذي يريده. لم أعلّق، لم أحرجه، فقط التفتُّ إليه وقلتُ بهدوءٍ يحمل قراراً لا يقبل التردد: “هيا بنا… نذهب إلى منزلك. سنبات هناك الليلة.” رأيتُ البريق في عينيه فوراً، تلك اللمعة التي حاول كبحها دون جدوى، لكنه التزم الصمت، ربما لأنه لم يجد الكلمات… أو لأنه لم يرد أن يفضح ما بداخله أكثر. تحركنا. كانت خطواته تسبقني دون وعيٍ منه، تتسارع شيئاً فشيئاً، كأن جسده هو من يقوده، لا عقله. لم أوقفه، فقط راقبتُ ذلك التوتر الجميل الذي يسيطر عليه، ذلك الشوق الذي يحاول أن يبدو هادئاً… ويفشل. حتى وصلنا. وقف أمام الباب، طرقه، لكن تلك اللحظات القليلة التي تلت بدت أطول مما ينبغي. رأيتُ القلق يتسلل إلى ملامحه، يتجسد في شدّ فكه، وفي عينيه اللتين ثبتتا على الباب كأنهما تخشيان ما خلفه. مرّت ثوانٍ أخرى… ثم فُتح الباب. ظهرت فتاةٌ بشرية، ملامحها بسيطة لكنها تحمل شيئاً من الدفء الفطري. نظرتُ إليها للحظة، أقيّم، أراقب، قبل أن أعرف لاحقاً أن اسمها جيني. وفي اللحظة الت
last updateLast Updated : 2026-05-06
Read more

طعمٌ يشبه الحياة

دانيال بعد قليل، دوّى صوت جاكسون من الجهة الأخرى للغرفة: “الطعام جاهز.” رفعتُ رأسي، ثم توجهت نحو الطاولة الخشبية الصغيرة حيث كانت أليس تقف بحماسٍ واضح، تحمل وعاء الحساء بكلتا يديها وكأنها تحمل أعظم إنجازٍ حققته في حياتها. بل ربما كان كذلك فعلًا. وهي تصرّ على تعلّم الطهو، بعدما اكتشفت أن معظم ما تعرفه عن حياة البشر يعود لقرون مضت، وأن إعداد الحساء الحديث — بحسب تعبيرها — “أعقد من فنون التعذيب القديمة.” وضعت الوعاء فوق الطاولة بحذر، ثم بدأت تسكب الحساء لنا واحدًا تلو الآخر، وعيناها تلمعان بترقب طفولي جعلني أكتم ابتسامة صغيرة. “هذه المرة أنا متأكدة أنه نجح.” قالت بفخر واضح. تبادلنا النظرات أنا وجيني بصمت، بينما جلس جاكسون أمام طبقه مباشرة وبدأ بالأكل دون تردد، وكأنه لا يخشى شيئًا في هذا العالم بعد الآن. أما أليس… فجلست تراقبنا بتوتر شديد، تنتظر الحكم النهائي على “تحفتها الفنية”. رفعتُ الملعقة ببطء، ولاحظتُ أن جيني فعلت الشيء نفسه بجانبي، لكنها كانت تتجنب النظر إلى أليس بطريقة أثارت شكوكي فورًا. ضيّقت عيني نحوها قليلًا. كانت تخفي شيئًا. تذوقتُ الحساء أخيرًا…
last updateLast Updated : 2026-05-07
Read more

العدالة بأنياب الذئب

دانيال كان أول شيء فعلته فور استيقاظي هو التوجه نحو المكان الذي بيع فيه ريمي. منذ أن وطأت قدماي هذه المنطقة لأول مرة، وأنا أنتظر هذه اللحظة تحديدًا. لحظة أقتلع هذا الوكر من جذوره. بعد أن تناولت طعامي سريعًا، ارتديت ملابس بسيطة لا تلفت الانتباه، ثم خرجت متجهًا نحو النادي. كنت أعلم أن الوقت ما يزال مبكرًا، ولن أجد مرتادين أو موسيقى صاخبة كما في الليل… فقط أولئك الذين يعملون خلف الستار القذر لهذا المكان. السماء كانت رمادية، والمدينة شبه نائمة، لكن داخلي كان يغلي بطريقة جعلت خطواتي أسرع من المعتاد. كلما اقتربت من النادي، عاد وجه ريمي إلى ذهني. الخوف في عينيها. الذل. والرائحة الثقيلة لذلك المكان اللعين. توقفت أمام الباب الرئيسي. كان مغلقًا. ابتسمت ببرود. ثم، دون أن أطرق، رفعت قدمي وركلت الباب بكل قوتي. صدر صوت ارتطام هائل، وانخلع الباب من مكانه كأنه مصنوع من الورق. دخلت ببطء. كان المكان فارغًا تقريبًا، باستثناء عمال تنظيف توقفوا مذعورين فور رؤيتي. بعضهم أسقط ما كان يحمله، وآخرون تراجعوا للخلف وكأنهم رأوا شبحًا. تقدمت نحوهم بهدوء مخيف. “أين المسؤول؟” تباد
last updateLast Updated : 2026-05-08
Read more

تنفس الجنوب

دانيالبدأ الجنوب يتنفس أخيرًا.ليس بصورة كاملة… لكنه لم يعد ذلك المكان الملطخ بالخوف والدم كما كان يوم وصلت إليه لأول مرة.الطرقات التي كانت تغرق بالصراخ ليلًا أصبحت أكثر هدوءًا، والأسواق التي اختبأ الناس فيها خلف الأبواب المغلقة بدأت تستعيد شيئًا من الحياة. حتى وجوه السكان تغيّرت؛ لم تعد النظرات المرتعبة تلاحق رجال القطيع أينما مروا، بل حلّ مكانها ترقبٌ حذر ممزوج بأمل خافت.أمل بأن هذا الكابوس قد ينتهي فعلًا.وقفت فوق أسوار القلعة أراقب الجنوب الممتد أسفل الجبال، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعري وعباءتي السوداء الثقيلة. منذ أيام قليلة فقط، كانت هذه الأراضي أشبه بجسد يحتضر… أما الآن، فقد بدأت تستعيد نبضها ببطء.وللمرة الأولى منذ زمن طويل…شعرت أن ما نفعله هنا لم يكن مجرد حرب.بل إعادة بعث.حتى جاكسن تغيّر.كنت أراقبه بصمت خلال الأيام الماضية، وأكاد لا أصدق أن هذا الرجل نفسه هو ذاك الذئب الغارق بالكراهية والرغبة بالانتقام قبل فترة قصيرة. وجود أليس بجانبه غيّر شيئًا داخله، شيئًا لم يستطع حتى هو إنكاره.بدأ بجمع أفراد قطيعه المشتتين بنفسه، متنقلًا بين القرى والمستوطنات الصغيرة والحد
last updateLast Updated : 2026-05-10
Read more

خيانة تحت راية الدم

صوفيتحركنا أنا وجون نحو الشمال مع أول خيوط الفجر، بعدما ودّعت أطفالي بصعوبةٍ مزقت شيئًا داخلي.لم أكن معتادة على الابتعاد عنهم.حتى خلال الحروب، وحتى في أسوأ الأيام، كنت أحرص دائمًا أن أعود لرؤية وجوههم آخر النهار، لأسمع ضحكاتهم الصغيرة التي كانت وحدها قادرة على إخماد قسوة هذا العالم داخلي.لكن هذه المرة كانت مختلفة.شيءٌ ما كان يضغط فوق صدري منذ اللحظة التي قررنا فيها الرحيل.تركتُ الصغيرين مع إيلارا ولينا، وحاولت أن أبدو هادئة أمامهما، لكن ابنتي الصغيرة تشبثت بثوبي وكأنها تشعر بما أعجز أنا نفسي عن تفسيره.“أمي… لا تذهبي.”قالتها بصوتها الطفولي المرتجف.وكدتُ… أقسم أنني كدت أتراجع عن الرحلة بأكملها.لكن جون كان يقف خلفي بصمته المعتاد، يراقب ارتباكي دون أن يتدخل، حتى نجحت أخيرًا بإبعاد يدي الصغيرة عن ثوبي، وانحنيت أقبّل جبين طفلتي.“سأعود سريعًا.”كذبة.كنت أشعر منذ البداية أنها كذبة.طوال الطريق، كان جون يشعر بفوضى أفكاري عبر رابطنا، ويحاول تهدئتي كلما شعر بتزايد خوفي.“الأمور ستكون بخير.”كررها أكثر من مرة وهو يقود حصانه بجانبي.لكن كل شيء حولنا كان يناقض كلماته.السماء كانت رمادية
last updateLast Updated : 2026-05-13
Read more

قتل الروح

صوفيسرتُ معهم وأنا أشعر أن قدميّ فقدتا الإحساس، كأنني لا أمشي فوق أرضٍ حقيقية، بل أُسحب داخل كابوس طويل لا نهاية له. كانت أصوات السلاسل المعدنية خلفي تمزق أعصابي مع كل خطوة؛ جون ما زال يقاومهم رغم القيود الفضية التي تنهش جلده وتحرق ذئبه ببطء. كلما تعثر أو حاول الانقضاض على أحدهم، كانوا يضربونه بعنف أكبر، لكنه لم يتوقف. كان يقاتل كوحشٍ جريح حُرم من حق حماية رفيقته. التفتُّ نحوه أكثر من مرة، وكل مرة كانت عيناه تلتقيان بعيني للحظة خاطفة وسط الفوضى. لم أرَ فيهما خوفًا على نفسه، ولا ألمًا من السلاسل أو الدماء التي تغطي جسده… فقط خوفٌ عليّ أنا. وذلك حطم شيئًا داخلي. “جون…” همست باسمه بصوت مرتجف، لكنه زمجر بعنف عندما اقترب مني أحد الحراس أكثر من اللازم، حتى وهو مكبل. كان مستعدًا لتمزيقهم بأسنانه مهما كان الثمن. جرّوه بعيدًا عني عبر ممر جانبي، بينما أكملتُ طريقي نحو القاعة الرئيسية محاطةً بالحراس من كل جانب. شعرت للحظة أن جدران القلعة نفسها تنظر إليّ بغرابة، كأن المكان الذي تربيت فيه لم يعد يعرفني. هذه ليست قلعتي… ليس موطني… ليس المكان الذي غادرته قبل سنوات. كل شيء بدا
last updateLast Updated : 2026-05-14
Read more

صفقة الدم

صوفي كانت القاعة باردة بصورة خانقة، لكن البرد الحقيقي لم يكن في الجدران الحجرية ولا في الهواء الثقيل المشبع برائحة الدم والرطوبة… بل في الكلمات التي خرجت من فم عمي.كلماتٌ شعرتُ بها تخترق صدري ببطء، كخنجرٍ يغوص داخل القلب دون رحمة.اقترب مني بخطوات هادئة بينما كنت ما أزال جاثية على الأرض، وأختي خلفه ترتجف تحت نصل السكين، ثم قال بصوت منخفض ومخيف أكثر من أي صراخ:“الآن… أنصتي لي جيدًا.”رفعت بصري نحوه بصعوبة، وداخلي يصرخ أن أقتله، أن أنقض عليه، أن أمزق حنجرته بأسناني… لكنني كنت عاجزة.جون مقيد.أختي أسيرة.وجدتي مفقودة المصير.وأنا…أنا محطمة بالكامل.انحنى قليلًا نحوي حتى أصبحت عيناه بمستوى عيني، ثم قال ببطء متعمد:“زوجكِ بقبضتي… وأختكِ وجدتكِ أيضًا.”شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.تابع بابتسامة باردة:“لكنني مستعد لعقد صفقة.”كرهت كلمة “صفقة” في تلك اللحظة أكثر من أي شيء آخر.قالها وكأنه يتحدث عن تجارة عادية، لا عن أرواح بشر.“سأطلق سراحهم جميعًا… وسأمنحكِ أسبوعًا كاملًا.”قطبت حاجبي بعدم فهم، بينما بدأ قلبي يخفق بعنفٍ غريزي، وكأن جسدي استشعر المصيبة قبل عقلي.ثم نطق الاسم.الاسم الذي جعل ا
last updateLast Updated : 2026-05-16
Read more

عواصف القلب

صوفيلم يكن في القلعة صوتٌ يعلو فوق صوت القلق.حتى الجدران الحجرية العتيقة بدت وكأنها تشعر بالاختناق، وكأنها تلتقط التوتر المنساب في الأروقة مثل دخانٍ أسود لا يُرى.الهواء نفسه كان ثقيلاً… خانقاً… ممتلئاً بشيءٍ سيئ يقترب ببطء.نهضتُ أخيراً، لكن قدميّ بالكاد حملتاني.كل عظمةٍ في جسدي كانت تصرخ من الإرهاق والجوع والعذاب النفسي. شعرتُ وكأن روحي تُركت هناك، في الزنزانة الباردة، بجوار جون… بينما عاد جسدي وحده إلى هنا.ترنحتُ خارج القاعة التي احتجزني فيها عمي، بالكاد أتنفس.لم أعد أميز إن كنت أتحرك بدافع النجاة… أم بدافع اليأس.كان رأسي يعج بالأصوات.صرخات جون.صوت السلاسل الفضية وهي تُحرق جلده.ضحكة عمي المشوهة.وذلك الاسم…سيلين.لماذا يريدها؟كيف عرف بوجودها أصلًا؟ومن هو “السيد” الذي تحدث عنه؟كلما حاولتُ ترتيب أفكاري شعرتُ وكأن عقلي يغرق أكثر في الظلام.كنتُ أريد التحول والركض بأقصى سرعتي نحو الجنوب… نحو دانيال… لكن جسدي لم يعد يملك الطاقة حتى ليستدعي ذئبتي. شعرتُ بها ضعيفة، متألمة، مختبئة في أعماقي كجروٍ جريح.لهذا أخذتُ حصاني.امتطيتُه بصعوبة، وكدتُ أسقط أكثر من مرة قبل أن أتمكن من ت
last updateLast Updated : 2026-05-17
Read more

المسرحية

صوفي سيلين لم تتراجع. رغم اعتراض ديفيد، ورغم الخوف الذي كان يملأ الغرفة كدخانٍ خانق، بقيت واقفة بثباتٍ أربكنا جميعاً. كانت نظراتها حادة على غير عادتها، وكأن شيئاً داخلها استيقظ أخيراً… شيءٌ لا يعرف التردد. قالت بحزم، وهي تنظر إلينا واحداً تلو الآخر: “لن نرفض الخطة قبل سماعها كاملة.” ساد الصمت. حتى ديفيد، رغم غضبه، توقف عن المقاطعة. أما أنا، فكنتُ أراقبها بصمت، أشعر بشيءٍ ثقيل ينقبض في صدري. سيلين التي عرفتها منذ وصولها للقلعة كانت ضائعة، مترددة، تبحث عمّن يقودها… أما الآن، فكانت تبدو وكأنها بدأت تدرك مكانتها الحقيقية بينهم. اقتربت من الطاولة الخشبية الكبيرة، ومدت يدها فوق الخريطة الممدودة عليها، بينما انعكس ضوء المدفأة على خصلات شعرها الفضية. “جون بخطر.” قالتها أولاً. ثم رفعت عينيها نحونا وأضافت بصوتٍ أخفض لكنه أكثر قوة: “والقلعة أيضاً بخطر. إذا تصرفنا باندفاع، سنخسر الجميع.” كانت كلماتها هادئة… لكنها أصابتنا جميعاً بالصمت. تابعت عبر الرابط الذهني حتى لا يسمعنا أحد خارج الغرفة: “علينا كسب الوقت… وخداع العدو حتى نصل إلى دانيال.” شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدها عندما نطقت ا
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

بدأ التنفيذ

سيلين كانت الساعات تمر ببطءٍ يكاد يكون تعذيباً. كل دقيقة كانت تبدو كساعة، وكل ساعة كأنها يومٌ كامل من الانتظار. منذ أن اتفقنا على الخطة وأنا أراقب بوابات القلعة بين الحين والآخر، كأنني أتوقع أن أرى دانيال يظهر فجأة من بين الأشجار، يقتحم الساحة على هيئة ذئبه اللايكاني الضخم، ويخبرنا أن كل شيء قد انتهى وأنه عاد ليتولى الأمر. لكنه لم يأتِ. وفي كل مرة يخيب أملي، كنت أشعر بثقلٍ جديد يستقر فوق صدري. لأول مرة منذ استيقظت فاقدةً لذاكرتي شعرتُ أنني عاجزة. الجميع كان يتحرك من أجلي. جون يتعذب بسببي. صوفي فقدت والديها بسببي. ديفيد يكاد يجن قلقاً على أخيه بسببي. ودانيال… لا أعرف أين هو الآن، ولا إن كان بخير أو وقع هو الآخر في مصيبة لا نعلم عنها شيئاً. أغمضت عيني للحظة وأنا أقف قرب النافذة. بعد يومين كاملين من الانتظار، بدأ الأمل يتلاشى تدريجياً. لم يصل دانيال. ولم تصل أي رسالة. ولم يظهر أي أثر له. أما صوفي فبدأت تستعيد شيئاً من قوتها الجسدية. لم تعد شاحبة كما كانت عند وصولها، لكن الحزن بقي محفوراً في عينيها. كنت أراها أحياناً تحدق في الفراغ لساعات. أعرف أنها تفكر بجون. وأعرف أنه
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more
PREV
1
...
91011121314
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status