كانت الشمس تلملم بقايا خيوطها الشاحبة من أفق "قطاع الجحيم"، تاركةً وراءها سماءً بلون الجروح المفتوحة. في ذلك الممر الضيق المؤدي إلى مقر القيادة، كانت المدرعة العسكرية تئن تحت وطأة الطريق الوعر، قبل أن تتوقف بنفضةٍ عنيفة قذفت بالغبار في كل اتجاه. انفتح الباب الثقيل بصريرٍ حاد، وخرجت منه "ندى".وقفت لثوانٍ تستنشق ذلك الهواء المثقل برائحة البارود والتراب. لم تكن ندى تشبه المكان في شيء؛ كانت بجمالها الساحر ونعومتها الظاهرة تبدو كزهرة ياسمين نبتت فجأة وسط حقل من الألغام. ملامحها مرسومة بدقة مذهلة، وعيناها الواسعتان العميقتان تحملان نظرة ناضجة، هادئة، وكأنها رأت من أوجاع الدنيا ما يكفي لتصمت وتراقب. لم تكن هنا بمحض إرادتها، فقد رُميت في هذا القطاع المعزول بقرار إداري جائر أخرجها من مختبرها الهادئ في المدينة ليضعها أمام فوهات المدافع.أصلحت معطفها الأبيض الذي كانت تحمله على ذراعها، وتحركت بخطوات واثقة، غير آبهة بنظرات الجنود المتعبة والفضولية التي لاحقتها. كانت تشعر بثقل الحقيبة الطبية في يدها، لكن ثقل المسؤولية في قلبها كان أعظم.داخل الغرفة القاتمة التي اتخذها القائد "ليث" مكتباً له، ك
Last Updated : 2026-03-28 Read more