All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 51 - Chapter 60

103 Chapters

الفصل 51

تفاجأت رهف بدخول مدحت الهادئ، ذلك الهدوء الذي لم يكن مطمئنًا بقدر ما كان مرعبًا. فقد كانت تعرفه جيدًا، وتدرك أن هذا الصمت ليس إلا الغلاف الخارجي لعاصفة على وشك الانفجار، عاصفة لا ترحم، ولا تترك خلفها سوى الخراب، ولذلك تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، وكأن جسدها يستجيب لغريزة خفية تحاول أن تبتعد بها عن مصدر الخطر، حتى وإن لم يكن هناك مهرب حقيقي. تقدم مدحت نحوهما بخطوات بطيئة ومحسوبة، وعيناه مثبتتان عليها، لا تحملان انفعالًا ظاهرًا، لكن في عمقهما شيء ثقيل، شيء يوحي بأن ما سيحدث لن يكون بسيطًا، ثم قال بصوت هادئ، هدوء يسبق الانفجار: "أتحاولين الهرب مجددًا؟ ألم أحذركِ من هذا من قبل؟" ابتلعت رهف ريقها، وشعرت بأن الخوف يحاول التسلل إليها، لكنها رفضت أن تستسلم له. فرفعت رأسها، وحاولت أن تجمع ما تبقى من شجاعتها، ثم قالت بنبرة ثابتة رغم كل شيء: "نعم… وسأحاول مرة واثنين وثلاثة، حتى أنجح ذات مرة، أنا لن أذهب إلى السيد متولي، ومن المستحيل أن أتزوجه، مهما كان عقابك، فأنا لا أهتم… لقد انتهيت من الاختبارات على أي حال، ولا يمكنك تهديدي بها مرة أخرى." مع كل كلمة خرجت منها، كان وقعها كالصاعقة داخل ال
Read more

الفصل 52

شدّ جاسر قبضته على الحبل بقوة، حتى برزت عروق يده من شدة التوتر، بينما ظل واقفًا في مكانه للحظات بدت وكأنها خارج الزمن، لا يتحرك، لا يتكلم، وعقله يدور في حلقة مغلقة من الأسئلة والصراعات التي لم تمنحه فرصة لاتخاذ قرار واضح. فقد كان يدرك تمامًا أن كل خيار أمامه يحمل نتيجة قاسية، إما أن يرفض… وفي هذه الحالة لن يتراجع مدحت، بل سيأمر الحراس بالصعود، وحينها لن يكون الأمر مجرد تقييد، بل شيء أسوأ، شيء لن يستطيع تحمّله وهو يشاهده، أو أن ينفذ الأمر بنفسه… وهو الخيار الذي بدا له في تلك اللحظة أقل قسوة، رغم أنه لم يكن أقل ألمًا. وقبل أن يتمكن من حسم تردده، دوّى صوت مدحت مرة أخرى، أكثر حدّة هذه المرة: "فهد!" انتفض جاسر من مكانه، وكأنه أُعيد إلى الواقع فجأة، فرفع نظره ببطء، ثم التفت نحو رهف وعيناه تحملان مزيجًا معقدًا من الحزن والعجز، وكأنه يعتذر دون كلمات، وكأنه يطلب منها أن تفهم ما لا يستطيع قوله. لكنها… لم ترَ في نظرته سوى الخذلان. وما إن خطا خطوة واحدة نحوها، حتى تراجعت هي خطوتين إلى الخلف، بسرعة وبذعر واضح، وكأن مجرد اقترابه منها يمثل تهديدًا حقيقيًا، ثم رفعت يديها أمامها وكأنها تحاول أن ت
Read more

الفصل 53

بعد أن انتهى جاسر من تقييد يديها خلف ظهرها بإحكام، وبدا الحبل وكأنه يقيد معها كل محاولة للمقاومة أو حتى الحركة، ساد صمت ثقيل للحظات، صمت لم يكن هادئًا بقدر ما كان خانقًا، حتى قطعه صوت مدحت البارد، الخالي من أي انفعال، وهو يقول دون أن يرمش له جفن: "وقدميها أيضًا." ارتفعت عينا جاسر نحوه ببطء، وفي داخله اشتعلت نار من الغضب المكتوم، غضب لم يكن قادرًا على التعبير عنه أو حتى ترجمته إلى اعتراض، لأن كل ما حوله كان يفرض عليه الصمت والطاعة. لكنه رغم ذلك لم يستطع إخفاء تلك النظرة الحادة التي لمعت في عينيه للحظة، قبل أن يخفض بصره مجددًا، وكأنه يبتلع كل ما يشعر به دفعة واحدة، ثم يتقدم نحو رهف ليكمل ما أُمر به، وكأن جسده يتحرك وحده دون أن يكون عقله راضيًا عمّا يحدث. مدّ يده نحوها ليجعلها تنهض قليلًا حتى يتمكن من تقييد قدميها، لكنها لم تساعده، بل بقيت متصلبة، ترفض أن تتعاون معه ولو بأبسط حركة، فاضطر أن يرفعها قليلًا بالقوة. وعندها فقط وقعت عيناه على وجهها عن قرب، فشعر بشيء ينقبض داخله بعنف، لأن ملامحها لم تعد كما كانت قبل دقائق، بل تحولت إلى صورة من الألم والانكسار، وجه محمر من شدة البكاء، دموع
Read more

الفصل 54

بعد أن اندفع مدحت خارج غرفة رهف بخطوات ثقيلة مشبعة بالغضب، وكأن الأرض نفسها تضيق تحت وقع قدميه، هبط درجات السلم الواسع في الفيلا بوجه متجهم وعينين تقدحان شررًا، ليجد جاسر واقفًا في الأسفل يترقب خروجه بقلق واضح لم يستطع إخفاءه رغم محاولته التماسك، فتقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت خافت لكنه مشوب بالتردد: "سيد مدحت... أليس تقييد الآنسة رهف بهذه الطريقة قاسيًا إلى حد ما؟" توقّف مدحت فجأة والتفت إليه ببطء. نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تُسكت أي صوت، ثم قال بنبرة ممتعضة حادة، وكأنه لا يحتمل مجرد السؤال: "جاسر، لا تتدخل فيما لا يعنيك، أنا أعلم جيدًا كيف أربي ابنتي." تجمدت الكلمات في حلق جاسر واكتفى بإيماءة صامتة، بينما ظل داخله يضج بأسئلة لم يجد لها مخرجًا. أسئلة عن القسوة التي رآها، وعن تلك النظرة في عيني رهف التي لم تفارقه منذ دقائق، نظرة امتزج فيها الخوف بالعجز والرجاء. تابع مدحت سيره دون أن يلتفت، ثم قال وهو يلوّح بيده إشارة واضحة للنهاية: "يمكنك المغادرة الآن... وكما أخبرتك، استعد جيدًا للغد." أومأ جاسر مرة أخرى، هذه المرة ببطء أكبر، وكأن جسده يثقل مع كل لحظة تمر. ثم خرج من الفيلا متج
Read more

الفصل 55

ظل صوته يتردد، منخفضًا، بطيئًا، كأنه ينساب في الفراغ من حولها، أو كأنه يتحدث إلى فكرة في رأسه أكثر مما يخاطبها مباشرة: "يبدو أنني كنت متساهلًا معكِ مؤخرًا… أكثر مما ينبغي." لم تفتح عينيها. لم تحاول الرد. لم يكن لديها ما تقوله، ولا القدرة على قول أي شيء، كل طاقتها كانت مركزة في محاولة واحدة فقط… أن تبقى متماسكة، أن لا تنهار تمامًا، أن لا تسمح لنفسها بالسقوط الكامل. لكنه لم يتوقف. تابع بنبرة بدأت تتغير تدريجيًا، تزداد صلابة، وتفقد ما تبقى فيها من هدوء زائف: "كل ما فعلته معكِ… كان بسيطًا، بسيطًا لدرجة أنكِ بدأتِ تظنين أن بإمكانكِ التمرد." ارتجف جسدها مع كلماته، واشتد بكاؤها الصامت، بينما حاولت أن تُحرّك يديها المقيدتين، بلا جدوى، مجرد محاولة يائسة لإثبات أنها ما زالت قادرة على المقاومة، حتى لو كانت مقاومة بلا أثر. استمر صوته، أكثر قسوة، أكثر برودًا: "لم أعاقبكِ هكذا منذ وفاة والدتكِ، لكن من الآن فصاعدًا سيكون هذا عقابكِ الوحيد." توقفت أنفاسها للحظة. شعرت أن الكلمات تحمل ما هو أبعد من معناها، أن في صوته شيئًا غير مألوف، شيئًا جعل الخوف يتحول إلى يقين داخلي بأن ما تمر به الآن ليس
Read more

الفصل 56

لم يتحمل مدحت الصمود أكثر، فانقض عليها بجسده السمين نسبيًا، وبدأ يقبل كل جزء في وجهها، بينما هي تحاول التملص أسفله، وصوتها المكتوم لم يجد طريقه للخروج إلا بشكل متقطع يختلط بالبكاء والارتجاف، في حين كان إحساسها بالعجز يتضاعف مع كل ثانية، وكأنها تُدفع نحو زاوية لا مخرج منها، بينما ينهار كل ما كانت تتمسك به من صبر أو تماسك داخلي. كانت تشعر في أعماقها بأن اللحظة التي تعيشها الآن قد تكون الفاصل بين ما تبقّى من حياتها وما يشبه النهاية، وأنها إذا تُركت لما هو قادم فلن تعود بعدها كما كانت أبدًا، وكأن شيئًا داخلها سينكسر بشكل لا يمكن إصلاحه، لتفقد معه الأمان والمعنى والقدرة على الاستمرار كما لو أن الحياة نفسها ستغلق أبوابها في وجهها إلى الأبد. ظلت تدعو في داخلها أن تنقلب اللحظة فجأة، وأن يظهر أي شيء ينقذها من هذا الكابوس الذي يطبق عليها بلا رحمة، لكن مع كل رجاء كان يخرج من قلبها كانت تدرك في أعماقها أن الأمل يبدو بعيدًا، وأن ما تتعلق به ليس إلا فكرة تتشبث بها كي لا تنهار تمامًا، خاصة وهي تشعر بثقل الوحدة من حولها، وكأنها وحدها في هذا العالم لا يلتفت إليها أحد ولا يسمع صراخها الصامت. أصبحت ق
Read more

الفصل 57

اندفع جاسر أخيرًا، وكأن تلك اللحظة التي ظل يقاومها قد انفجرت داخله دفعة واحدة، فلم يعد قادرًا على الوقوف خلف الباب متفرجًا على مشهد ينهش إنسانيته قبل أي شيء آخر. ففتح الباب بقوة لم يعبأ معها بما قد يترتب على صوته، وتقدم بخطوات سريعة حاسمة نحو الداخل، وعيناه لا تفارقان ما أمامه، بينما كانت كل حواسه في حالة استنفار كامل، وكأن سنوات تدريبه الطويلة قد استيقظت في لحظة واحدة لتقوده دون تردد. لم يمنح نفسه وقتًا للتفكير، ولم يفسح مجالًا لأي احتمال آخر، بل تحرك مباشرة نحو الطاولة القريبة، التقط تمثالًا ثقيلًا بيده، وفي حركة محسوبة لكنها حاسمة، وجّه ضربة قوية إلى رأس مدحت، ضربة لم تكن عشوائية بقدر ما كانت مدروسة، كافية لإسقاطه وشلّ حركته دون أن تودي بحياته. إذ ظل وعيه المهني حاضرًا حتى في أكثر اللحظات توترًا، فخبرته كضابط مخابرات جعلته يعرف تمامًا كيف يوقف خصمه دون أن يتجاوز الحد الذي لا عودة منه. صدر عن مدحت صرخة ألم حادة، انكسرت في منتصفها وهو يهوي فاقدًا السيطرة، ليسقط بجسده الثقيل دون مقاومة، قبل أن ينزلق جانبًا، وقد غاب وعيه تمامًا، بينما بقي الصمت للحظة يخيّم على الغرفة، صمتٌ ثقيل كأن
Read more

الفصل 58

دخل جاسر الغرفة بخطوات سريعة لكنها محسوبة، وعيناه تتفحصان المكان في لحظة خاطفة للتأكد من أن كل شيء ما زال تحت السيطرة، ثم اتجه مباشرة نحو رهف دون تردد، مدّ يده إليها وأمسك بيدها برفقٍ يحمل استعجالًا واضحًا، وقال بصوت منخفض لكنه حازم: "هيا… ليس لدينا وقت." نظرت إليه للحظة، وكأنها تحتاج إلى جزء من الثانية لتستوعب أن ما يحدث حقيقي، أن هذه اللحظة التي انتظرتها طويلًا قد جاءت أخيرًا، ثم شدّت على يده وكأنها تتشبث بطوق نجاة، ونهضت معه رغم ضعفها، متجاوزةً ارتجافها، مدفوعةً برغبة واحدة فقط… الخروج. تحركا بسرعة عبر الممرات، وجاسر يسبقها بخطوة، يوجهها بإشارات سريعة، يتوقف أحيانًا ليستمع، ثم يكمل، حتى وصلا إلى المطبخ حيث كان الضوء خافتًا والصمت يخيّم على المكان بشكل غريب، وكأن الفيلا بأكملها غارقة في سباتٍ مؤقت. أشار لها نحو الباب الخلفي، ذلك الباب الذي نادرًا ما يُستخدم، لكنه الآن كان مخرجهما الوحيد. فتقدم نحوه، فتحه بحذر شديد، ثم ألقى نظرة سريعة إلى الخارج، يتأكد من خلو الطريق، قبل أن يلتفت إليها ويومئ برأسه. خرجا معًا إلى الفناء الخلفي، والهواء البارد يلامس وجهيهما، وكأنه أول نفس حقيقي تت
Read more

الفصل 59

خرج جاسر من الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه بحذر شديد، كأنه يخشى أن يوقظها حتى من خلف الجدران. ثم توقف للحظة في الممر الضيق، يمرر يده على وجهه بإرهاق واضح، بينما كانت أفكاره تتسابق داخله بلا ترتيب، يستعيد ما حدث منذ دخوله الفيلا حتى خروجه منها، وكأن كل لحظة تمر الآن تحمل وزنًا مضاعفًا، ليس فقط بسبب خطورة ما أقدم عليه، بل لأن ما رآه غيّر شيئًا في داخله لم يعد كما كان. أخرج هاتفه من جيبه، ونظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يضغط على رقم محفوظ. رفعه إلى أذنه وانتظر، لم يطل الانتظار كثيرًا حتى جاءه صوت العقيد شوقي من الطرف الآخر، هادئًا كعادته، لكنه يحمل في نبرته يقظة لا تخطئها خبرة السنين. "جاسر؟" تنفّس جاسر بعمق، وكأنّه يحاول أن يضبط إيقاع أفكاره قبل أن ينطق، ثم قال بنبرة منخفضة، مقتضبة، لكنها محمّلة بما يكفي من التوتر: "سيدي العقيد، طرأ تطوّر لم يكن في الحسبان. الوضع لدى مدحت أكثر سوءًا مما كنّا نقدّر. لقد تمكّنت من الحصول على بعض الأدلة، وسأقوم بإرسالها إليكم حالًا، غير أنّني اضطررت إلى إخراج ابنته رهف من هناك." لم يأتِ الردّ فورًا، بل ساد صمت قصير، ثقيل في معناه، كأنّ الكلمات التي سمع
Read more

الفصل 60

وقف جاسر مكانه للحظة، يراقبها بصمت. ثم اقترب قليلًا، لكنه لم يلمسها هذه المرة، واكتفى بالوقوف على مسافة مناسبة، قبل أن يقول بصوتٍ أكثر هدوءًا: "أريد أن أفهم… كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟" رفعت رأسها قليلًا وعيناها حمراوان، لكن نظرتها كانت حذرة. "أليس هو والدكِ؟" تجمدت ملامحها للحظة، وكأن السؤال أصاب نقطة حساسة لم تكن مستعدة لها، ثم أشاحت بنظرها بعيدًا، وقالت بصوتٍ خافت: "لا تسأل." لكن جاسر لم يتراجع، بل قال بإصرارٍ هادئ: "يجب أن أعرف. إذا أردتُ مساعدتكِ، عليّ أن أفهم." ساد الصمت مجددًا، أطول هذه المرة، وكأنها تخوض صراعًا داخليًا، بين الرغبة في الصمت، والخوف من البوح، ثم تنهدت ببطء، وقالت دون أن تنظر إليه: "هو… ليس والدي." توقف الزمن للحظة. ثم أضافت بصوتٍ مكسور: "لم يكن يومًا كذلك، إنه زوج أمي." نظر إليها جاسر بتركيز، بينما تابعت، وعيناها تلمعان بالدموع: "هذا سر لا يعلمه أحد، وأي شخصٍ يقترب من معرفته… يختفي." ارتجف صوتها قليلًا، ثم انخفض أكثر: "وأنا كنت دائمًا وحدي في هذا." سكتت لحظة، ثم أكملت بصعوبة، وكأن كل كلمة تُنتزع منها: "منذ كنت صغيرة، كان يعاقبني بطرق لم أفهمها في الب
Read more
PREV
1
...
45678
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status