All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 61 - Chapter 70

103 Chapters

الفصل 61

ظلّ جاسر واقفًا في مكانه بعد كلمات رهف الأخيرة، وكأن كل حرف خرج من فمها قد استقر داخله بثقلٍ مؤلم، لا يترك له فرصة للهرب أو التبرير. فقد شعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن شيئًا ما في داخله قد تصدّع فعلًا، وأن الصورة التي رسمها لنفسه كرجلٍ يتصرف دائمًا بعقلانية وحذر قد تهاوت أمام تلك الفتاة الجالسة أمامه، المنهارة إلى هذا الحد، والتي كانت طوال الوقت تصرخ طلبًا للمساعدة بينما هو… لم يفهم. اجتاحه ندمٌ قاسٍ، حادّ، أشبه بطعنة بطيئة في صدره، وهو يستعيد كل المواقف السابقة بينها وبين مدحت، كل مرة ظنّ فيها أنها مجرد فتاة مدللة، عنيدة، متمردة بلا سبب. وكل مرة وقف فيها صامتًا يراقب شجارها معه بعينٍ باردة، معتقدًا أنها تبالغ، أو تسيء فهم والدها، دون أن يتخيل للحظة أن خلف تلك النظرات المذعورة التي كانت تلمع أحيانًا في عينيها حكاية بهذا السواد. أخذ يحدق فيها بصمت، بينما كانت جالسة على الأريكة تبكي بانكسارٍ موجع، كتفاها يهتزان مع كل شهقة، وجسدها المرتجف يبدو أصغر وأضعف من أي وقت مضى. حتى بدا له وكأنها لا تبكي فقط خوفًا مما حدث الليلة، بل تبكي كل السنوات التي عاشت فيها وحيدة، كل المرات التي حا
Read more

الفصل 62

وبينما انتهى ذلك اليوم الطويل لدى جاسر ورهف على نحوٍ لم يكن أيٌّ منهما يتوقعه، حيث خفّت وطأة الخوف قليلًا للمرة الأولى، وحلّ محلها شيء دافئ يشبه الطمأنينة المؤقتة. حتى إن رهف استطاعت أخيرًا أن تغفو دون أن تستيقظ مذعورة كل بضع دقائق، بينما بقي جاسر مستيقظًا لبعض الوقت يراقب هدوء المنزل ويتأكد من أن كل شيء آمن، قبل أن يسمح لنفسه أخيرًا بالاستسلام إلى نومٍ متعب لكنه هادئ… كان هناك، في الجهة الأخرى، عالم مختلف تمامًا يشتعل غضبًا. كان مدحت يقف في وسط الفيلا كإعصارٍ فقد آخر ما يربطه بالهدوء، وجهه مشدود بعنف، وعيناه تقدحان شررًا، بينما كانت خطواته تضرب أرضية المكان بعصبية متزايدة، وكل دقيقة تمر دون أن يعود إليه خبرٌ عن رهف أو فهد كانت تزيد من اختناقه وغضبه، حتى بدا وكأن الهواء نفسه داخل الفيلا أصبح خانقًا تحت وطأة توتره. دخل أحد رجاله بتردد واضح، وبمجرد أن وقعت عيناه على مدحت، شعر بأن الكلمات اختنقت في حلقه، لكنه اضطر أن يقول بصوت خافت: "سيدي، فتشنا المنطقة بالكامل تقريبًا، لكن لا يوجد أي أثر لهما." ساد الصمت للحظة. صمت قصير… لكنه كان كافيًا ليجعل الرعب يتسلل إلى قلب الرجل. وفجأة، انفج
Read more

الفصل 63

وعلى الجانب الآخر تمامًا، بعيدًا عن صرخات مدحت وغضبه، وبعيدًا عن الجدران التي عاشت رهف بينهما عمرًا كاملًا وهي تشعر وكأنها سجينة لا ابنة، كانت هناك حياة أخرى تبدأ ببطء… حياة هادئة على نحوٍ غريب، حتى إن رهف نفسها لم تكن تعرف كيف تتعامل معها في البداية. فمنذ اللحظة التي استيقظت فيها في ذلك المنزل الصغير وسط الغابة، بدأت تشعر بشيء لم تختبره يومًا من قبل، شيء بسيط للغاية بالنسبة لأي إنسان… لكنه كان بالنسبة لها أشبه بمعجزة. الأمان. لا تخاف من صوت خطواتٍ يقترب من غرفتها. لا تنتفض مذعورة كلما فُتح باب. لا تضطر إلى مراقبة ملامح من أمامها لتخمن إن كان سيغضب أم لا. كانت المرة الأولى التي تتنفس فيها دون أن تشعر بأن الهواء نفسه مراقب. وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها، خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ الخشبية وتغمر المكان بدفءٍ ناعم، فوجدت فهد يقف في المطبخ يعد القهوة بهدوء، مرتديًا ملابس بسيطة تختلف كثيرًا عن مظهره الرسمي المعتاد. توقفت للحظة تتأمله بصمت، ثم نظرت حولها من جديد، وكأن عقلها بدأ أخيرًا يستوعب المكان الذي أتت إليه.
Read more

الفصل 64

وبعد أن انتهى كلٌّ منهما من الاستحمام وتغيير ملابسه، خيّم على المنزل ذلك الهدوء المريح الذي يأتي بعد يوم طويل مليء بالمشاعر المتناقضة، فخرجت رهف من الغرفة وهي تجفف خصلات شعرها المبللة بمنشفة صغيرة، بينما كان جاسر يجلس في غرفة الجلوس يعبث بهاتفه بصمت، وما إن لمحها حتى رفع عينيه نحوها للحظة، قبل أن يشيح بنظره سريعًا وكأنه لا يريد أن يطيل التحديق أكثر مما ينبغي. أما رهف، فكانت تبدو مختلفة قليلًا عن الأمس، أقل توترًا، أقل خوفًا، حتى إن ملامحها التي اعتادت الانكماش والحذر بدأت تستعيد شيئًا من خفتها الطبيعية، وكأن وجودها في هذا المكان البعيد عن مدحت سمح لروحها أخيرًا بأن تلتقط أنفاسها. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ انبعث فجأة صوت قرقرة خافتة من معدتها، فتجمدت مكانها للحظة، ثم وضعت يدها سريعًا على بطنها بخجل شديد، بينما اتسعت عيناها في حرج واضح. ساد الصمت لثانية واحدة فقط… قبل أن ينفجر جاسر ضاحكًا بخفة، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، جعلت رهف تعبس وهي تنظر إليه باستياء مصطنع: "هذا ليس مضحكًا!" حاول جاسر كتم ابتسامته لكنه فشل، ثم نهض وهو يقول بنبرة مرحة لم تعتدها منه كثيرًا: "بل مضحك قليلًا…
Read more

الفصل 65

ما إن غادر جاسر المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء، حتى بقي واقفًا للحظات أمام السيارة، يحدق نحو الأشجار الكثيفة التي تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنّه يتأكد بعينيه للمرة الأخيرة أن لا شيء يهدد ذلك الهدوء المؤقت الذي ترك رهف بداخله. ثم تنفّس ببطء وأخرج مفاتيحه، قبل أن يستقل السيارة وينطلق عبر الطريق الترابي الضيق المؤدي خارج الغابة. لكنه لم يكن متجهًا مباشرة إلى المتجر كما أخبر رهف، بل كانت له وجهة أخرى أكثر أهمية… وأكثر خطورة. ...... بعد قرابة ساعة من القيادة الحذرة، توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى رمادي ضخم يبدو من الخارج كمؤسسة حكومية عادية، بلا أي ملامح مميزة تلفت الانتباه، لكن الداخل كان شيئًا مختلفًا تمامًا. مبنى المخابرات. ترجل جاسر من السيارة بخطوات ثابتة، رغم الإرهاق الواضح في عينيه، ثم دخل عبر البوابة الإلكترونية بعد إجراءات أمنية سريعة اعتادها منذ سنوات، قبل أن يتجه مباشرة إلى الطابق السفلي حيث غرفة الاجتماعات الخاصة بالفريق المسؤول عن قضية مدحت. وما إن فتح الباب حتى توقفت الأحاديث للحظة قصيرة، واتجهت الأنظار نحوه. كان العقيد شوقي يجلس في مقدمة الطاولة الطويلة، وأمامه عدة م
Read more

الفصل 66

مرّت الساعات على رهف ببطءٍ غريب، حتى إن صوت الرياح بين الأشجار كان يبدو أوضح من المعتاد داخل ذلك المنزل الصغير المعزول. ومع كل دقيقة تتأخر فيها عودة فهد، كانت تجد نفسها تنظر نحو الباب بلا وعي، ثم تعود لتلوم نفسها بانزعاج، وكأنها غاضبة من قلبها لأنه بدأ يعتاد وجود شخص بهذه السرعة. حاولت إشغال نفسها كما فعلت طوال اليوم، رتبت بعض الأشياء مجددًا رغم أنها رتبتها بالفعل، ومسحت الطاولة مرة أخرى بلا داعٍ، ثم جلست قرب النافذة تراقب الأشجار بصمت، لكن عقلها كان منشغلًا بشيء واحد فقط… متى سيعود؟ وحين بدأت الشمس تميل نحو الغروب، سمعت أخيرًا صوت سيارة يقترب من الخارج. اتسعت عيناها فورًا، ونهضت من مكانها بسرعة حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تتجه نحو الباب بخطوات متعجلة. وما إن فُتح الباب ودخل فهد حاملًا عدة أكياس، حتى ظهرت على وجهها ابتسامة تلقائية واسعة وهي تقول بسرعة امتزجت فيها الراحة بالفرح: "لقد أتيت!" توقف جاسر للحظة عند الباب، ونظر إليها بدهشة خفيفة، كأنّه لم يتوقع أبدًا أن يجد أحدًا ينتظره بهذه الطريقة، ثم تسللت إلى شفتيه ضحكة قصيرة دافئة وهو يضع الأكياس أرضًا قليلًا ويقول مازحًا: "ماذا؟
Read more

الفصل 67

مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول
Read more

الفصل 68

مرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى
Read more

الفصل 69

مرّت ثلاثة أيامٍ أخرى بطيئة وثقيلة، وكأن الزمن نفسه صار يتحرك بحذر مترقب لما هو قادم. ففي تلك الليالي الثلاث كانت الغابة تغرق في هدوئها المعتاد، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتشكل بعيدًا عنها دون أن يشعر أحد. أما مدحت، فلم يكن يعيش سوى على الأخبار التي تصله تباعًا من رجاله، ينتظر أي خيطٍ جديد يقوده أخيرًا إلى فهد ورهف، وقد تحولت مطاردته لهما إلى هوسٍ كامل استحوذ على عقله حتى لم يعد يرى شيئًا سواهما. وفي إحدى الليالي، وبينما كان جالسًا داخل مكتبه شبه المظلم، تحيط به أعقاب السجائر الفارغة وزجاجات الخمر المبعثرة، دُق الباب سريعًا قبل أن يدخل أحد رجاله وعلى وجهه ملامح انتصارٍ واضحة. رفع مدحت رأسه فورًا، وكأن جسده بأكمله استيقظ دفعة واحدة، ثم ثبت عينيه عليه منتظرًا أن يتحدث. قال الرجل بصوتٍ متحمس وهو يحاول إخفاء لهثه: "لقد توصلنا إلى مكانهم تقريبًا يا سيدي." ضاقت عينا مدحت بترقبٍ حاد، فاقترب الرجل أكثر وأكمل: "رجالنا مشطوا الغابة بالكامل خلال الأيام الماضية… لم نترك طريقًا ولا كوخًا ولا ممرًا إلا وفتشناه، ولم يتبقَّ سوى منزل صغير قرب البحيرة في الجهة الجنوبية… ومن المؤكد أنهم هناك."
Read more

الفصل 70

تصلب جسد رهف بالكامل في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيارات مدحت السوداء المتوقفة بين الأشجار، وشعرت وكأن العالم الذي استطاعت بصعوبة أن تبنيه خلال الأسابيع الماضية قد انهار فجأة فوق رأسها بلا رحمة. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح؛ لا صوت الرياح، ولا حفيف الأشجار، ولا حتى دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعنفٍ يكاد يمزقه، فقد تحول كل شيء داخلها إلى حالة من الذعر الخالص، ذلك الرعب البدائي الذي يشل التفكير ويجعل الإنسان يشعر أنه عاد فجأة إلى أضعف لحظات حياته. تراجعت ببطء عن النافذة، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصورة مرعبة، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة التي لم تجد لها إجابة. ماذا ستفعل الآن؟ هي وحدها… فهد ليس هنا… لا أحد يستطيع حمايتها إن دخلوا المنزل. هل سيأخذها مدحت مجددًا؟ هل انتهى كل شيء؟ هل كانت تلك الأيام القليلة من الطمأنينة مجرد وهمٍ قصير قبل أن تعود حياتها إلى الجحيم مرة أخرى؟ وشعرت فجأة ببرودةٍ قاسية تسري في أطرافها، حتى إن قدميها بالكاد استطاعتا حملها، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسها بلا توقف؛ وجه مدحت الغاضب، قبضته العنيفة، نظراته التي كانت تملؤها السيطرة وال
Read more
PREV
1
...
56789
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status