ظلّ جاسر واقفًا في مكانه بعد كلمات رهف الأخيرة، وكأن كل حرف خرج من فمها قد استقر داخله بثقلٍ مؤلم، لا يترك له فرصة للهرب أو التبرير. فقد شعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن شيئًا ما في داخله قد تصدّع فعلًا، وأن الصورة التي رسمها لنفسه كرجلٍ يتصرف دائمًا بعقلانية وحذر قد تهاوت أمام تلك الفتاة الجالسة أمامه، المنهارة إلى هذا الحد، والتي كانت طوال الوقت تصرخ طلبًا للمساعدة بينما هو… لم يفهم. اجتاحه ندمٌ قاسٍ، حادّ، أشبه بطعنة بطيئة في صدره، وهو يستعيد كل المواقف السابقة بينها وبين مدحت، كل مرة ظنّ فيها أنها مجرد فتاة مدللة، عنيدة، متمردة بلا سبب. وكل مرة وقف فيها صامتًا يراقب شجارها معه بعينٍ باردة، معتقدًا أنها تبالغ، أو تسيء فهم والدها، دون أن يتخيل للحظة أن خلف تلك النظرات المذعورة التي كانت تلمع أحيانًا في عينيها حكاية بهذا السواد. أخذ يحدق فيها بصمت، بينما كانت جالسة على الأريكة تبكي بانكسارٍ موجع، كتفاها يهتزان مع كل شهقة، وجسدها المرتجف يبدو أصغر وأضعف من أي وقت مضى. حتى بدا له وكأنها لا تبكي فقط خوفًا مما حدث الليلة، بل تبكي كل السنوات التي عاشت فيها وحيدة، كل المرات التي حا
Read more