All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 41 - Chapter 50

103 Chapters

الفصل 41

حلّ المساء ببطء، كما لو أنه يزحف على أطراف النهار دون استعجال، فتلاشت خيوط الشمس الأخيرة خلف الأفق، وبدأت أضواء الفيلا تُضاء واحدة تلو الأخرى، ناشرةً سكونًا ثقيلًا يلف المكان. بينما كانت رهف ما تزال في غرفتها، جالسة في نفس الموضع تقريبًا منذ أن غادر والدها، تحدق في الفراغ بعينين مرهقتين، لا تحملان دموعًا رغم كل ما يعتمل في داخلها من خوف وضيق، فقد بلغت من التعب حدًا جعل البكاء نفسه رفاهية لم تعد قادرة عليها، وكأن مشاعرها قد استُنزفت بالكامل، ولم يتبقَّ سوى ذلك الصمت البارد الذي يحيط بها من كل جانب. كانت تحاول أن تفكر، أن تجد مخرجًا، أي فكرة تنقذها من المصير الذي يُفرض عليها، لكن كل طريق كانت تسلكه في خيالها ينتهي بجدار صلب اسمه مدحت، ذلك الجدار الذي لم تستطع تجاوزه يومًا، ومع كل محاولة كانت تشعر بأن أنفاسها تضيق أكثر، وكأن الغرفة نفسها ترفض أن تمنحها مساحة للهروب، فأسندت رأسها إلى ظهر السرير وأغمضت عينيها للحظات، علّها تجد بعض الهدوء، لكن الهدوء لم يأتِ، بل جاء معه شعور أثقل، شعور بالاختناق الداخلي الذي لا يُرى لكنه يُحس بكل تفاصيله. ...... في هذه الأثناء، كانت بوابة الفيلا تُفتح م
Read more

الفصل 42

لم يخفَ الانزعاج الذي طغى على ملامح متولي، بل كان واضحًا كخطٍ قاسٍ ارتسم على وجهه، يعكس رفضه لما حدث قبل لحظات، فقد جلس للحظة قصيرة دون أن يتكلم، وكأنه يمنح نفسه فرصة لاحتواء غضبه أو ربما لإعادة تقييم الموقف.لكن ذلك الصمت لم يدم طويلًا، إذ بدا أن كرامته التي اعتاد أن تُصان في كل مجلس قد مُست بشكل مباشر، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، كان مدحت قد تحرك بسرعة لافتة، وكأن الخطر الذي أدركه فجأة دفعه للتصرف دون تردد. تقدم نحوه بخطوات متعجلة، وانحنى قليلًا في محاولة لإظهار الاحترام، ثم قال بنبرة مزيجها الاعتذار والتودد: "أعتذر لك، ابنتي متهورة بعض الشيء، لكنها لا تدرك الأمور جيدًا بعد... لا تقلق، سأجعلها توافق بلا شك." كان صوته يحمل ثقة مصطنعة، وكأنه يحاول إصلاح ما انكسر بكلمات، لكن نظرة متولي لم تلن، بل ازدادت صلابة. وعندما نهض من مكانه، فعل ذلك بحركة حاسمة لا تقبل التأويل، ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون بسلطة واضحة: "سأمهلك أسبوعًا، إذا لم تحضر ابنتك إليّ لتعتذر وتوافق على الزواج، فلا تحلم بالتعاون معي مرة أخرى." كانت كلماته كحكم نهائي، لا مجال فيه للتفاوض أو التأجيل، ثم أشار بيده إلى رجاله
Read more

الفصل 43

اندفع جاسر صاعدًا الدرج بخطوات سريعة، يكاد يتخطى درجاته قفزًا، مدفوعًا بصوت الصراخ الذي شقّ سكون الفيلا قبل لحظات، ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد نداء عادي، بل كان يحمل في نبرته شيئًا مقلقًا، شيئًا جعل جسده يستجيب قبل عقله، وكأن غريزة الحماية لديه قد استيقظت فجأة دون إذن، وما إن وصل إلى الطابق العلوي حتى اتجه مباشرة نحو مصدر الصوت، ودون تردد، دفع الباب ودخل الغرفة. تجمد في مكانه. كان المشهد أمامه كافيًا ليحبس أنفاسه للحظة. رهف تقف في مواجهة مدحت، يدها ممدودة أمامها، تمسك بقطعة زجاج حادة تعكس الضوء بشكل مخيف، بينما كانت قطرات الدم تنساب ببطء من جرح في كفها، تتساقط على الأرض واحدة تلو الأخرى، ترسم مشهدًا متوترًا لا يُحتمل، وعيناها… لم تكونا كما اعتادهما، لم يكن فيهما ذلك الخوف فقط، بل كان هناك شيء آخر، شيء أكثر خطورة، مزيج من اليأس والغضب الذي وصل إلى حد الانفجار. لم يفكر. لم يمنح نفسه فرصة لتحليل الموقف أو البحث عن تفاصيله، بل اندفع فورًا، متقدمًا ليقف أمام مدحت كحاجز بشري، وكأن جسده تحرك تلقائيًا وفق ما اعتاد عليه، وفق ما تمليه عليه مهمته، مسؤوليته، عمله… كل ما تعلّمه أن يفعله دو
Read more

الفصل 44

وقفت رهف في منتصف غرفتها، لا تتحرك إلا بالكاد، وكأن جسدها ما زال يحمل صدى ما حدث قبل قليل، بينما عقلها يحاول عبثًا استيعاب كل ما انهال عليها دفعة واحدة. فقد شعرت وكأنها لم تُهزم في موقف واحد فقط، بل في كل شيء دفعة واحدة؛ في والدها الذي سقط من مكانته في قلبها سقوطًا لم يعد يمكن إصلاحه، وفي ذلك العريس الذي لم ترَ فيه سوى تجسيد حي لفكرة البيع والشراء، وفي اختبارها الذي بات مهددًا رغم كونه ثمرة تعبها طوال سنوات، و… في فهد، الذي كان سقوطه في نظرها هو الأقسى، لأنه لم يكن متوقعًا. تسللت هذه الفكرة إلى داخلها ببطء مؤلم، وكأنها تعيد عرض المشهد في ذهنها مرة بعد مرة، تقف عند كل تفصيلة، عند كل كلمة قالها، عند اللحظة التي اندفع فيها ليقف أمام مدحت، لا أمامها، وكأنها هي الخطر، وكأنها هي المعتدية، وكأن كل ما عاشته، وكل ما يعرفه عنها، لم يكن كافيًا ليجعله يرى الحقيقة… أو على الأقل يقف للحظة في صفها. أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها وهي تضحك ضحكة خافتة مكسورة، وكأنها تستهزئ بنفسها قبل أي شيء آخر، فقد أدركت الآن أنها كانت مخطئة، مخطئة حين ظنت أن هناك من يمكن أن يكون مختلفًا في هذا المكان، مخطئة حين من
Read more

الفصل 45

في صباح يوم الجمعة، لم تستيقظ رهف كعادتها على ثقل الأيام السابقة أو على ذلك الشعور الباهت الذي أصبح يلازمها منذ الحادثة الأخيرة، بل فتحت عينيها هذه المرة على فكرة واضحة وحادة، كأنها وُلدت داخلها خلال الليل واكتملت دون أن تشعر، فكرة لم تكن مجرد أمنية أو محاولة هروب عابرة، بل قرار حقيقي نهائي، لا يحتمل التراجع. جلست على سريرها لثوانٍ تحدق في الفراغ أمامها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعلن لنفسها بداية شيء جديد، وهمست بصوت بالكاد يُسمع: "سأهرب." لم يكن القرار سهلًا، لكنها شعرت أنه الخيار الوحيد المتبقي لها، فكل الطرق الأخرى أُغلقت في وجهها، وكل المحاولات فشلت، وكل ما تبقى لها الآن هو هذا الاختبار. هذه الفرصة الأخيرة التي إن ضاعت، فلن يبقى شيء تتمسك به، ولذلك بدأت ترسم خطتها بهدوء، بعقلٍ هذه المرة لا يسمح للعاطفة أن تتدخل، ستنتظر حتى الليل، عندما يهدأ كل شيء، وعندما ينشغل الحراس والخدم، ثم تغادر الفيلا، تقضي يوم السبت في أحد الفنادق بعيدًا عن أعين والدها، وتذهب يوم الأحد إلى الاختبار، وبعدها… لن تعود. ستسافر إلى مدينة أخرى، أي مدينة، المهم أن تبتعد، أن تختفي حتى تظهر النتيجة وتحصل عل
Read more

الفصل 46

ظلت رهف جالسة على طرف سريرها لساعات طويلة، لا تتحرك إلا قليلًا، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بشكل مرهق، تدور وتتصادم وتعود من جديد، دون أن تمنحها لحظة صفاء واحدة. فقد كانت كل الاحتمالات التي تفكر بها تنتهي بنفس النتيجة، طريق مسدود، أو خسارة أكبر مما تستطيع تحمّله. وكانت كل محاولة للهروب تبدو ممكنة في خيالها، لكنها ما إن تعيد التفكير فيها بعقلٍ أكثر هدوءًا حتى تكتشف ثغراتها، مخاطرها، ونهاياتها التي قد تعيدها إلى نقطة أسوأ مما بدأت منه. لم يكن الأمر مجرد هروب، بل كان معركة مع الوقت، مع الحراس، مع والدها، مع كل شيء يحيط بها، والأهم من ذلك… مع خوفها من الفشل. أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى ظهر السرير خلفها، تحاول أن تُبطئ هذا السيل الجارف من الأفكار، ثم بدأت تفكر بطريقة مختلفة، أكثر هدوءًا، أكثر دهاءً، ليس كيف تهرب… بل كيف تخدع. فتحت عينيها فجأة، وكأن الفكرة قد اكتملت في تلك اللحظة. لماذا تواجهه الآن؟ لماذا تصطدم به بينما يمكنها أن تلتف حوله؟ بدأت ملامح الخطة تتشكل ببطء، ثم وضوح، ثم حسم. ستوافق. لكن… ظاهريًا فقط. ستُظهر له الطاعة، ستقول ما يريد سماعه، ستجعله يطمئن، يهدأ،
Read more

الفصل 47

في تلك الليلة، لم يكن النوم بالنسبة لرهف راحة بقدر ما كان استراحة مؤقتة بين موجات متلاحقة من التفكير، فقد تمددت على سريرها وأطفأت الأنوار، لكن عقلها ظل مستيقظًا، يدور في دوائر لا تنتهي، ينتقل من فكرة إلى أخرى دون توقف، وكأن كل ما ينتظرها في الغد قد قرر أن يزاحمها دفعة واحدة، دون رحمة. كان اختبارها الأخير يتصدر كل شيء، ذلك الاختبار الذي لم يكن مجرد مادة دراسية تنتهي، بل كان بالنسبة لها بوابة، مفتاحًا حقيقيًا للحرية، الخطوة الأخيرة التي إن نجحت فيها، ستفتح أمامها طريقًا جديدًا، طريقًا اختارته بنفسها، بعيدًا عن كل ما يُفرض عليها. لكن هذا لم يكن كل شيء. كانت خطة هروبها تطفو إلى السطح كل بضع دقائق، تعيد ترتيب تفاصيلها في ذهنها، تتساءل عن كل احتمال، كل خطوة، كل مخاطرة، وكأنها تحاول أن تعيشها مسبقًا لتتجنب الخطأ، وكانت تتخيل نفسها وهي تغادر، تختفي، تبدأ حياة جديدة… ثم فجأة يتسلل سؤال مخيف: ماذا لو اكتشف والدها الأمر؟ توقفت عند هذه الفكرة طويلًا، وشعرت بشيء من القلق يزحف إلى داخلها، لكنها سرعان ما أغمضت عينيها بقوة، وكأنها ترفض الاستسلام لهذا الخوف، ثم همست في داخلها دعاءً صادقًا، بسيطًا
Read more

الفصل 48

استقلت رهف سيارة أجرة أخرى، ثم أعطت السائق عنوان الفيلا بصوت هادئ، قبل أن تستند برأسها إلى المقعد، وتغمض عينيها للحظات، لا لتنام، بل لتجمع شتات نفسها بعد يوم طويل كان مليئًا بالتوتر والترقب، يوم انتهى فيه كل شيء مهم… وبدأ فيه كل شيء أخطر. كانت السيارة تشق طريقها بين الشوارع، بينما كانت رهف غارقة في أفكارها، تستعيد ما حدث منذ الصباح، من لحظة خروجها من المنزل، إلى قرارها بالابتعاد عن فهد، إلى الاختبار الذي اجتازته، إلى وداعها لندى… ثم خطتها التي لم تغب عن ذهنها للحظة، تلك الخطة التي ستنفذها الليلة، مهما كلف الأمر. ...... أما في الجهة الأخرى، فكان جاسر لا يزال واقفًا أمام بوابة الجامعة الرئيسية، يراقب خروج الطلاب واحدًا تلو الآخر، وقد بدأ القلق يتسلل إليه بشكل واضح، فقد مرّ وقت أطول مما اعتاده، وكانت رهف دائمًا من أوائل الخارجين، لا من آخرهم، الأمر الذي لم يمر عليه مرورًا عاديًا هذه المرة. حاول في البداية أن يُقنع نفسه بتفسيرات بسيطة، ربما تأخرت قليلًا، ربما تتحدث مع إحدى صديقاتها، ربما… تودع ندى، وخاصة لأن اليوم هو اختبارهم الأخير، لكن رغم كل هذه المحاولات، لم يختفِ ذلك الشعور المزع
Read more

الفصل 49

لم يطل انتظار رهف كثيرًا، فسرعان ما انسلّ الليل بهدوئه المعتاد، ذلك الهدوء الذي كانت تراه هذه المرة مختلفًا، ليس سكونًا عابرًا، بل لحظة فاصلة، لحظة كانت تنتظرها منذ أن اتخذت قرارها، وكأن الزمن كله كان يتحرك ببطء شديد فقط ليصل إلى هذه النقطة تحديدًا. وقفت في منتصف غرفتها لثوانٍ، تتأمل المكان من حولها، الجدران التي احتوتها لسنوات، النافذة التي كانت نافذتها الوحيدة للعالم، السرير، المكتب… كل شيء بدا مألوفًا، لكنه في هذه اللحظة تحديدًا أصبح غريبًا، وكأنها تنظر إليه للمرة الأخيرة. لم تسمح لنفسها بالاستغراق في هذا الشعور طويلًا. تقدمت بخطوات حاسمة نحو حقيبتها الصغيرة التي أعدّتها مسبقًا، حملتها على كتفها، وتأكدت بسرعة من وجود كل ما تحتاجه، ثم اتجهت نحو الشرفة وقلبها ينبض بقوة، ليس خوفًا فقط، بل ترقبًا لما هو قادم. فتحت الباب بهدوء شديد، وتقدمت بحذر، ثم توقفت عند الحافة وألقت نظرة سريعة إلى الفناء الخلفي، تتحقق من خلوّه تمامًا، عينان تراقبان كل زاوية، كل ظل، كل حركة محتملة، وعندما تأكدت أن المكان خالٍ، تشبثت بالسور وبدأت تنزل. كانت حركتها هذه المرة أكثر حذرًا، وأكثر ثقة في الوقت نفسه، ف
Read more

الفصل 50

وما إن وصلا إلى باب الفيلا، حتى تجمّد المشهد أمام أعينهما في لحظة بدت وكأنها أطول مما ينبغي، فقد وقعت أنظار جاسر ومدحت معًا على رهف التي كانت في قبضة الحارسين، كلٌ منهما يمسك بذراع، يشدّها بقوة تمنعها حتى من الحركة بحرية، بينما كانت هي تصرخ بصوتٍ مرتفع، تختلط فيه نبرة الغضب بالألم: "اتركاني! قلت دعاني وشأني!" كانت تحاول التملص منهما بكل ما تملك، تتحرك بعنف، تشدّ ذراعيها، تقاوم قبضتهما، لكن القوة لم تكن في صالحها، بل على العكس، كانت كل محاولة منها تزيد من إحكام قبضتهما عليها، حتى بدا واضحًا أنها تتألم. فملامحها انكمشت وأنفاسها تسارعت وعيناها امتلأتا بغضب ممزوج بشيء من الوجع، وقد أدركت في تلك اللحظة أن آثار هذه القبضة لن تمرّ مرورًا عابرًا، بل ستترك على جلدها كدماتٍ شاهدة على ما حدث. لم يحتمل جاسر المشهد. لم يحتمل أن يراها بهذا الشكل، ضعيفة، مقيدة، تُسحب بهذه الطريقة، فاندفع نحوهم بسرعة، بخطوات حادة لم يفكر فيها، وكأن رد فعله كان غريزيًا أكثر منه قرارًا واعيًا، ثم قال بحدة واضحة: "ابتعدا عنها." لم ينتظر ردًا، بل مدّ يديه وأبعد أيديهما عنها بنفسه، بقوة لم يعتد إظهارها، فاضطر الحارسا
Read more
PREV
1
...
34567
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status