All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 171 - Chapter 180

214 Chapters

الفصل 171

وما إن أنهى خالد جملته الأخيرة، حتى خيم صمت ثقيل فوق قاعة الاجتماعات. ولم يكن ذلك الصمت نابعًا من اقتناع أحد بما قاله، بل من المفاجأة التي أحدثها اقتراحه. فقد كان الجميع يدرك أن الحديث عن استخدام رهف في العملية ليس أمرًا عابرًا، خاصة أنها لم تعد مجرد شاهدة محتملة، بل أصبحت هدفًا مباشرًا لمدحت منذ أن اختفت عن أنظاره. لكن خالد، وعلى الرغم من إدراكه لكل ذلك، ظل جالسًا في مكانه بكل هدوء، وقد عقد ذراعيه أمام صدره. بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة بالكاد تُرى، وهو يراقب وجوه الحاضرين واحدًا تلو الآخر، حتى استقرت عيناه على جاسر، وكأنه كان ينتظر منه تحديدًا رد الفعل الذي يعرف أنه سيأتي. ولم يخب ظنه. ففي اللحظة التي سمع فيها جاسر اسم رهف مقترنًا بكلمة "طُعم"، شعر وكأن شيئًا اشتعل داخل صدره دفعة واحدة. حتى إنه لم يمنح نفسه فرصة للتفكير أو لضبط انفعاله، فاندفع يقول بنبرة حادة قطعت الصمت: "رهف لن تتدخل في هذا الأمر." خرجت الجملة أسرع مما ينبغي، وأعلى مما اعتاد الجميع سماعه منه. فاتجهت إليه الأنظار في اللحظة نفسها. نظر العقيد شوقي إليه باستغراب، بينما عقد أحد الضباط حاجبيه، أما بسام فقد أد
Read more

الفصل 172

منذ اللحظة التي انتهى فيها الاجتماع، لم تغب صورة جاسر عن ذهن خالد، ولم يكن السبب إعجابه بقدراته كما كان يظن الجميع.بل على العكس تمامًا، فقد كان ذلك الرجل يمثل بالنسبة إليه عقدةً قديمة تراكمت خيوطها عامًا بعد عام، حتى تحولت إلى حقدٍ دفين لم يعد قادرًا على إخفائه.إذ لم يكن يتذكر مهمةً واحدة خاضها الفريق إلا وكان اسم جاسر هو الذي يتصدر التقارير، وهو الذي يحصد كلمات الإشادة من القيادات.بينما كان هو يقف دائمًا في الخلف، يؤدي واجبه كما يؤديه الآخرون، ثم يختفي اسمه كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.كم مرة عاد إلى منزله وهو يستعيد كلمات الثناء التي كان العقيد شوقي يوجهها إلى جاسر؟وكم مرة أقنع نفسه أن الأمر مجرد صدفة، وأن الفرصة القادمة ستكون من نصيبه؟لكن السنوات مضت، ولم يتغير شيء، بل ازداد الأمر سوءًا، حتى أصبح يشعر أن وجود جاسر وحده يحجب عنه الضوء.وأنه مهما بذل من جهد فلن يراه أحد ما دام ذلك الرجل يقف في المقدمة.ولم يتوقف الأمر عند حدود العمل.بل لاحظ في الأشهر الأخيرة أن العقيد شوقي أصبح يعتمد على رأي جاسر في أكثر القرارات حساسية، وأن بقية أفراد الفريق باتوا ينظرون إليه باعتباره القائد غير
Read more

الفصل 173

ومع انتهاء ساعات الدوام، خرج جاسر من المبنى كعادته، دون أن يلاحظ السيارة السوداء التي كانت تقف في الجهة المقابلة من الشارع. وقد جلس خلف مقودها خالد، واضعًا نظارة شمسية أخفت جزءًا كبيرًا من ملامحه، بينما كانت عيناه تتابعان كل حركة يقوم بها زميله.أدار جاسر محرك سيارته، وانطلق بهدوء.انتظر خالد عدة ثوانٍ، ثم شغّل سيارته هو الآخر، محافظًا على مسافة كافية حتى لا يثير أي شك، فقد كان يعلم أن جاسر يتمتع بحس أمني مرتفع، وأن أي خطأ بسيط قد يجعله يكتشف أنه مراقَب.لذلك لم يحاول الاقتراب كثيرًا.بل كان يترك بينهما عدة سيارات كلما سنحت الفرصة، ويغير الحارة بين حين وآخر، حتى يبدو مجرد سائق عادي يشق طريقه وسط الزحام.وبينما كانت شوارع المدينة تزدحم شيئًا فشيئًا مع اقتراب المساء، ظل خالد يتبعه بصبر شديد، غير عابئ بطول الطريق أو إشارات المرور التي كانت تؤخره أحيانًا.فقد كان يشعر أن هذه الساعات قد تكون أهم ساعات حياته.كان يريد شيئًا واحدًا فقط...أن يعرف إلى أين يذهب جاسر بعد انتهاء عمله.في البداية ظن أنه سيتجه إلى أحد المقرات السرية، أو إلى منزل عائلته، أو ربما إلى مكان يلتقي فيه بمصدر معلومات.ل
Read more

الفصل 174

كان جاسر في المصعد، يكاد الحماس يسبقه إلى الطابق الذي تقع فيه شقته، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها، مهما حاول أن يبدو متماسكًا.فمنذ أن انتهت مهمته الأخيرة، وهو يعد الساعات انتظارًا لهذه اللحظة.ولم يكن يعلم أن رهف، على الجانب الآخر، كانت تعرف موعد عودته، لذلك استيقظت مع أول خيوط الصباح وهي تخطط لكل تفصيلة، وكأنها تريد أن تهديه يومًا يمحو عن قلبه إرهاق الأسابيع الماضية وضغوط العمل التي اعتاد أن يحملها بصمت.وقفت في المطبخ تتأمل ما أعدّته، ثم أعادت ترتيب الطاولة للمرة الثالثة، لا لوجود خطأ، وإنما لأنها أرادت أن يبدو كل شيء كما تخيلته تمامًا.أما جاسر، فما إن انفتح باب المصعد حتى خرج بخطوات متسارعة وعيناه معلقتان بباب الشقة.كان يشعر بشوق غريب؛ ذلك الشوق الذي لا تصنعه المسافات الطويلة، بل تصنعه الأيام المزدحمة التي تحرم الإنسان من أبسط لحظات الطمأنينة.توقف أمام الباب، وأراد إدخال الرقم السري، لكنه تردد لثانية.ابتسم لنفسه وهو يتخيل رهف ربما ما تزال نائمة، أو منشغلة بعملها المعتاد داخل المنزل. ثم فتح الباب دون أن يحدث صوتًا، ظنًا منه أنه سيفاجئها.لكن ما إن فتح الباب حتى
Read more

الفصل 175

في الجهة الأخرى من المدينة، كان خالد يقود سيارته بهدوء شديد، بينما ارتسمت على وجهه ملامح باردة لا تحمل أي أثر للتردد.منذ أسابيع وهو يراقب رجلًا يعمل لصالح مدحت، بعد أن تمكن بمجهوده الخاص من الوصول إليه، لكنه تعمد ألا يبلغ المقر أو أي فرد من الفريق بما توصل إليه.كان يريد هذه الورقة لنفسه.كان يدرك أن الجميع يبحث عن مدحت، لكن أحدًا لم يكن يعلم أنه بات أقرب منهم جميعًا إلى الوصول إليه.أوقف سيارته في شارع جانبي بعيد عن الأنظار، ثم ترجل منها مرتديًا قفازات سوداء، وتقدم نحو المنزل بخطوات ثابتة.ألقى نظرة سريعة حوله ليتأكد من خلو المكان، قبل أن يخرج عدة صغيرة من جيبه ويبدأ في فتح الباب الخارجي.لم تستغرق العملية أكثر من ثوانٍ.ابتسم ابتسامة جانبية وهو يدفع الباب بهدوء.رغم ظلام قلب خالد، ورغم الحقد الذي كان يحرك معظم قراراته، إلا أن سنوات عمله الطويلة جعلت منه ضابطًا محترفًا يعرف كيف يدخل ويخرج دون أن يترك أثرًا.تسلل إلى الداخل بصمت كامل.كان الرجل يجلس في غرفة المعيشة يشاهد التلفاز، ولم يشعر بوجود أحد حتى وجد فوهة مسدس بارد تستقر خلف رأسه.تجمد مكانه.قال خالد بصوت منخفض يخلو من أي انفع
Read more

الفصل 176

وفي اليوم التالي، بدأ الصباح بالنسبة إلى خالد في ساعة أبكر مما اعتاده في الأيام الماضية، لا لأن واجباته المهنية كانت تفرض عليه التوجه مبكرًا إلى مقر المخابرات، بل لأن النوم لم يمنحه سوى سويعات متقطعة لم تكفِ لإراحة ذهنه الذي ظل طوال الليل أسيرًا لذلك الرقم الذي حصل عليه في اليوم السابق. إذ كان يتأمله مرة بعد أخرى وكأنه لا ينظر إلى مجموعة من الأرقام الجامدة، وإنما إلى مفتاح خفي قادر على فتح باب ظل مغلقًا لسنوات طويلة. ولم يكن ما يشغل تفكيره في تلك اللحظات هو القبض على مدحت كما يقتضي واجبه كضابط، بل كان منشغلًا برغبة دفينة غذّتها سنوات متراكمة من الغيرة والحقد والشعور المرير بأنه عاش دائمًا في ظل رجل آخر اسمه جاسر، الرجل الذي كان يحصد التقدير بينما يبقى هو مجرد اسم يقف في الخلف. قاد خالد سيارته حتى وصل إلى أحد الشوارع الهادئة التي لا يلفت الوقوف فيها الانتباه، ثم أوقف المركبة على جانب الطريق وأخرج هاتفًا احتفظ به بعيدًا عن أي استخدام رسمي. أخذ يحدق طويلًا في الرقم المحفوظ أمامه قبل أن يسحب نفسًا عميقًا يحاول به تهدئة اضطرابه الداخلي، ثم ضغط زر الاتصال وهو يدرك أن هذه المكالمة قد تكو
Read more

الفصل 177

خيم صمت طويل على المكالمة، صمت امتد إلى درجة جعلت خالد يظن للحظة أن الخط قد انقطع، غير أن الصوت عاد هذه المرة مختلفًا تمامًا. فقد اختفى منه الهدوء وحل محله توتر واضح وخشونة لم يحاول صاحبها إخفاءها، وهو يقول بحدة: "ماذا قلت؟" فأعاد خالد عبارته ببطء وكأنه يتلذذ بأثرها: "قلت إنني أعرف مكان رهف." وصل إلى أذن خالد صوت شهيق عميق أعقبه سؤال خرج متعجلًا: "أين هي؟" ابتسم خالد وقال بهدوء: "ها قد بدأنا نتحدث في الأمر الصحيح." عندها قال مدحت بنبرة غاضبة: "إذا كنت تكذب..." لكن خالد قاطعه دون أن يسمح له بإكمال الجملة قائلًا: "لو كنت أكذب لما أهدرت وقتي بالاتصال بك." عاد الصمت ليخيم بينهما، ثم قال الرجل بصوت أكثر انخفاضًا: "كيف وصلت إليها؟" هز خالد رأسه مبتسمًا رغم أن الطرف الآخر لا يستطيع رؤيته وقال: "يبدو أنك تحب الأسئلة كثيرًا." فاشتدت نبرة الرجل وهو يأمره: "أجبني." إلا أن خالد أجاب ببرود واضح: "ليس من الضروري أن تعرف كيف وصلت إليها، ولا كيف حصلت على رقمك، ويكفيك أن تعلم أن لدي معلومة تحتاج إليها أكثر من أي شيء آخر." مرت عدة ثوانٍ لم ينطق خلالها أي منهما بكلمة، وكأن كل واحد منهما ينت
Read more

الفصل 178

مرّت الأيام التالية على غير ما اعتاد الجميع، وكأن العاصفة التي ظلت تضرب حياتهم بلا رحمة قد هدأت مؤقتًا لتمنحهم فرصة قصيرة لالتقاط أنفاسهم.فلم تقع أي تطورات مفاجئة في القضية، ولم يظهر مدحت بأي تحرك يكشف مكانه، الأمر الذي جعل الهدوء يخيم على الأجواء، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن سوى ستار يخفي وراءه أحداثًا كانت تستعد للانفجار في أي لحظة.وخلال تلك الأيام، بدأت المسافة التي كانت تفصل بين جاسر ورهف تتلاشى شيئًا فشيئًا، وأصبحت الأحاديث بينهما أطول وأكثر دفئًا، وأخذ كل واحد منهما يكتشف جانبًا لم يكن يعرفه في الآخر.حتى بات وجود جاسر بالقرب منها يمنحها شعورًا بالأمان افتقدته منذ زمن طويل، بينما وجد هو نفسه يعتاد على وجودها في تفاصيل يومه الصغيرة.فيسأل عنها كلما تأخر في العودة، ويتأكد من أنها تناولت طعامها، ويحرص على ألا تشعر بأنها عبء عليه.أما في الجهة الأخرى، بعيدًا عن ذلك الهدوء الذي كان يزداد رسوخًا بينهما، فقد كانت خيوط لعبة مختلفة تُنسج في الظلام، حيث تواصل خالد مع مدحت أكثر من مرة خلال الأيام الماضية.يتبادلان التفاصيل بدقة شديدة، ويراجعان كل خطوة من الخطة التي اتفقا عليها، حتى يضمنا تن
Read more

الفصل 179

احتاجت رهف إلى ثوانٍ فقط حتى استعاد عقلها صورته كاملة.كان خالد...الضابط الذي جاء إلى المستشفى قبل فترة للتحقيق معها ومع فهد، برفقة عدد من رجال الشرطة، والذي لم تستطع أن تنسى أسئلته الكثيرة ونظرته التي كانت تجعلها تشعر بعدم الارتياح، حتى بعد انتهاء التحقيق.ترددت للحظة قبل أن تفتح الباب، ثم اكتفت بالكلام من خلفه قائلة بحذر: "هل يمكنني مساعدتك بشيء؟"جاءها صوته هادئًا، لكنه يحمل نبرة رسمية لا تحتمل النقاش."مرحبًا... أنا خالد، ضابط الشرطة المسؤول عن التحقيق في قضية مدحت."ازدادت حيرتها، فأمسكت بمقبض الباب دون أن تفتحه."ماذا هناك؟"تنهد خالد وكأنه يحمل خبرًا ثقيلًا، ثم قال ببطء مدروس: "للأسف... أصيب فهد اليوم على يد أحد رجال مدحت."شعرت رهف بأن الكلمات ارتطمت بها بقوة حتى كادت تفقد توازنها.أما خالد فأكمل دون أن يمنحها فرصة لاستيعاب ما سمعته: "تم نقله إلى المستشفى، وحالته الآن حرجة."في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم كله توقف عن الحركة.اختفى كل ما حولها، ولم يبقَ في ذهنها سوى اسم واحد.فهد...تغير لون وجهها، واتسعت عيناها في ذهول، ثم فتحت الباب بسرعة دون أن تشعر بما تفعل، وقد بدأت الدمو
Read more

الفصل 180

وفي الجهة الأخرى من المدينة، وقف جاسر وسط فريق التحقيق يتابع باهتمام بالغ كل تفصيل جديد ظهر في القضية. بعدما أمضى ساعات طويلة متنقلًا بين التقارير الرسمية وإفادات الشهود، يراجع كل كلمة ويقارن كل معلومة بأخرى، محاولًا أن يجمع القطع المتناثرة من اللغز الذي استنزف وقته وجهده طوال الفترة الماضية. حتى بدأ يشعر أن الدائرة أخذت تضيق شيئًا فشيئًا حول مدحت، وأن النهاية التي انتظرها الجميع بصبر باتت أقرب من أي وقت مضى، ولذلك كان تركيزه شديدًا إلى حد أنه لم ينتبه إلى الهاتف الموجود في جيبه إلا بعدما اهتز معلنًا وصول اتصال من رقم مجهول. أخرج الهاتف بسرعة ونظر إلى الشاشة لثوانٍ قصيرة قبل أن يعيده إلى جيبه دون أن يجيب، فهو كان يقف وسط اجتماع مهم يناقش فيه مع زملائه آخر التطورات التي توصلوا إليها. إلا أن الهاتف لم يمهله طويلًا، إذ عاد للاهتزاز مرة أخرى بإصرار أوحى بأن المتصل لا ينوي الاستسلام، فنظر إليه بضيق واضح، ليجد الرقم ذاته يعاود الاتصال. فتجاهله مجددًا محاولًا متابعة الحديث مع زملائه، غير أن الاتصال انقطع ليعود بعد ثوانٍ قليلة للمرة الثالثة، وكأن الشخص الموجود على الطرف الآخر قد عقد العز
Read more
PREV
1
...
1617181920
...
22
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status