All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 31 - Chapter 40

103 Chapters

الفصل 31

جلس جاسر داخل سيارته للحظات طويلة بعد خروجه من الفيلا، يحدّق في الشاشة الصغيرة لهاتفه كأنها تحمل بين طياتها إجاباتٍ لكل الأسئلة التي بدأت تتزاحم في رأسه منذ ساعات. المعلومات التي حصل عليها لم تكن عادية، ولم تكن من النوع الذي يمكن تجاهله أو تأجيل التعامل معه، بل كانت كشرارة صغيرة في غرفة مظلمة، كفيلة بإشعال سلسلة من الأحداث التي قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة. تنفس ببطء، وكأنه يحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدره، ثم اتخذ قراره أخيرًا واتجه إلى منزله سريعًا وما إن دخل حتى وصّل قرص التخزين بحاسوبه المحمول، وأرسل كل المعلومات التي حصل عليها إلى العقيد شوقي واتصل به. جاءه الصوت من الطرف الآخر هادئًا كما اعتاد، يحمل نبرة رجل خبر الكثير من المفاجآت حتى لم تعد تفاجئه بسهولة. لم يضيع جاسر وقتًا في المقدمات، بل بدأ يسرد ما توصل إليه بدقة، وكأنه يخشى أن يسقط تفصيل صغير قد يكون هو المفتاح لكل شيء. ثم انتظر لحظاتٍ بدت أطول مما ينبغي، قبل أن يأتيه الرد. "سنراجع كل شيء بدقة"، قال العقيد بنبرة عملية، ثم أضاف بعد لحظة صمت قصيرة: "لكن حتى ذلك الحين، عليك أن تستمر… راقب مدحت عن قرب، كل تحركا
Read more

الفصل 32

مع انحدار خيوط الشمس الأخيرة خلف الأفق، وامتداد الظلال بهدوء فوق جدران الغرف، كانت رهف قد أنهت ساعات طويلة من الدراسة، أغلقت خلالها كتبها بتأنٍ وكأنها تودع عالمًا مؤقتًا لجأت إليه هربًا من أفكارها. رفعت رأسها قليلًا، وأرخت كتفيها في محاولة لاستعادة بعض من الراحة، ثم تذكرت فجأة—— كما لو أن الفكرة كانت تنتظر تلك اللحظة تحديدًا... أن فهد سيأتي هذا المساء لتغيير ضمادها. توقفت لثوانٍ، تحدّق في الفراغ أمامها، بينما تشكلت فكرة خفيفة في ذهنها، لم تكن واضحة في البداية، لكنها بدأت تتبلور تدريجيًا. فكرة بسيطة… لكنها حملت شيئًا من التردد. هل تفعلها؟ هل سيكون ذلك مناسبًا؟ أم أنه تصرف مبالغ فيه؟ عضّت شفتها بخفة، وكأنها تناقش نفسها بصمت، ثم تنهدت أخيرًا وكأنها حسمت الأمر. "ولمَ لا؟" همست لنفسها، محاولة أن تبدو الفكرة عادية أكثر مما تشعر به في داخلها. نهضت من مكانها واتجهت نحو المطبخ، بخطوات هادئة لكنها غير خالية من الحماس الخفي. لم تكن تخطط لشيء معقد، فقط عشاء بسيط… شيء خفيف يمكن تحضيره بسرعة، لكنه يحمل في طياته معنى صغيرًا. كانت تعلم جيدًا أن فهد غالبًا لا يهتم بوجباته كما يجب، خاصة في الأيام
Read more

الفصل 33

مع انغلاق الستار خلفهما، خيّم على الغرفة صمت خفيف، ليس صمتًا ثقيلًا، بل ذلك النوع الذي يولد بين شخصين حين يحاول كل منهما فهم الآخر دون كلمات. كانت رهف تقف بالقرب من الطاولة الصغيرة التي أعدّت عليها الطعام، بينما كانت يدها تتشبث بحافة المقعد كأنها تبحث عن شيء يثبتها في تلك اللحظة. لم تكن معتادة على وجوده بهذه الطريقة… لا في هذا القرب، ولا في هذا التوقيت، ولا في هذا الشعور الغريب الذي بدأ يتسلل إليها كلما كان موجودًا. نظرت نحو الأطباق التي أعدّتها بسرعة، ثم إلى الأكياس التي وضعها هو بجانبها، وكأن كل شيء في الغرفة يعكس تبادلًا صامتًا لم يكن مخططًا له. رفعت عينيها إليه بخجل واضح، لكنها سرعان ما أشاحت بنظرها، وكأنها تخشى أن يقرأ ما بداخلها من مجرد نظرة واحدة. كان في داخلها سؤال لا يتوقف: ماذا لو اعتقد أن تصرفها مبالغ فيه؟ ماذا لو شعر أنها تحاول التقرب أكثر من اللازم؟ أو أسوأ من ذلك… ماذا لو لم يهتم أصلًا؟ أما هو، فكان واقفًا قرب الشرفة للحظات، يضع الأكياس على الطاولة ببطء، وكأنه يوازن بين ما فعله وما يجب أن يفعله. في داخله، كان هناك صوت آخر أكثر هدوءًا لكنه أكثر إزعاجًا، يسأله بصراح
Read more

الفصل 34

مرّ هذا الأسبوع بطريقة لم تعتدها رهف من قبل، وكأن الأيام قررت فجأة أن تتخلى عن قسوتها المعتادة، وأن تمنحها هدنة قصيرة لا تعرف سببها. لم يكن هناك ما يعكر صفوها، لا مشاكل مفاجئة، ولا توتر خانق كما اعتادت في الأيام السابقة، بل على العكس… كان كل شيء يسير بهدوء يكاد يكون غريبًا، حتى إنها وجدت نفسها في بعض اللحظات تتوقف لتتساءل إن كان هذا الهدوء حقيقيًا أم مجرد استراحة مؤقتة تسبق عاصفة أخرى. انشغلت رهف خلال تلك الأيام بالاستعداد للاختبار القادم، كانت تقضي ساعات طويلة بين كتبها وملاحظاتها، تحاول أن تركز بكل ما تملك من طاقة، وكأنها تريد أن تثبت لنفسها قبل أي أحد آخر أنها قادرة على الاستمرار، على النهوض من جديد رغم كل ما مرّت به. لم يكن الأمر سهلًا، لكن هذه المرة… لم تكن وحدها تمامًا. فوجود فهد أصبح جزءًا من يومها بشكل لم تكن تتوقعه. لم يعد مجرد ظل يرافقها بصمت، بل أصبح حضورًا ملموسًا، داعمًا، حتى وإن لم يقل الكثير. في كل مرة كان يأتي لتغيير الضماد، كانت تلاحظ الفرق… ليس فقط في الجروح التي بدأت تلتئم تدريجيًا، بل في نفسها أيضًا. في المرة الثانية، كان الألم أخف، بالكاد تشعر به، وكأن جسده
Read more

الفصل 35

دخلت رهف بوابة الجامعة بخطوات ثابتة، وكأن الأرض التي كانت يومًا تثقلها أصبحت الآن أخف وطأة تحت قدميها. لم يكن المكان مختلفًا، نفس المباني، نفس الممرات، نفس الوجوه التي تعبر دون اهتمام، لكن شيئًا في داخلها هو الذي تغيّر. كانت تنظر حولها بهدوء، لا بحثًا عن خطر كما اعتادت، بل وكأنها تستعيد شيئًا فقدته منذ وقت طويل… شعور الانتماء، أو ربما الطمأنينة. وفي طريقها نحو قاعة الامتحانات، لم تكد تقطع سوى بضع خطوات حتى سمعت صوتًا يناديها بحماس مألوف، صوت لم يكن يحمل سوى الدفء والصدق. "رهف!" التفتت سريعًا، وما إن وقعت عيناها على ندى حتى لم تتمالك نفسها من الابتسام. كانت ندى تقترب منها بخطوات سريعة، تكاد تكون ركضًا، وعندما وصلت إليها، عانقتها بقوة دون تردد، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أيام. "كيف حالكِ الآن؟" قالتها وهي تبتعد قليلًا لتتفحص ملامحها، وعيناها تتحركان بسرعة وكأنها تبحث عن أي أثر تعب أو ألم. ابتسمت رهف بهدوء، تلك الابتسامة التي أصبحت تظهر بسهولة أكبر مؤخرًا، وقالت: "أنا بخير… أفضل بكثير." اتسعت ابتسامة ندى أكثر، وكأن الإجابة كانت كافية لتزيح عن قلبها عبئًا كاملًا، ثم أمسكت ب
Read more

الفصل 36

في طريق العودة إلى الفيلا، كانت السيارة تسير بهدوء، يقطع صمتها صوت المحرك فقط، بينما جلست رهف تنظر من النافذة، تراقب الشوارع التي تمر أمامها دون أن تراها حقًا. كان هناك شيء يدور في ذهنها، فكرة صغيرة بدأت تكبر تدريجيًا، لكنها لم تكن تملك الشجاعة الكافية لقولها بسهولة. التفتت نحوه قليلًا، ثم عادت بنظرها إلى الأمام، وكأنها تتردد. مرت لحظات قصيرة قبل أن تتنفس بعمق وتقول بصوت خافت، لكنه واضح: "فهد… هل يمكننا ألا نذهب إلى المنزل الآن؟" تجمدت يد جاسر على المقود لثانية، ثم نظر إليها بسرعة، وقد انعكست المفاجأة بوضوح على ملامحه. لم يعتد منها مثل هذا الطلب، ولم يكن هذا ضمن أي سيناريو وضعه في ذهنه. خفف السرعة، ثم أوقف السيارة جانب الطريق، واستدار نحوها بالكامل، وعيناه تبحثان في وجهها بقلق صريح. "هل هناك خطب ما؟" سألها مباشرة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "هل والدكِ سيعاقبكِ مرة أخرى؟" لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها، ابتسامة لم تكن فقط بسبب سؤاله، بل بسبب تلك النبرة… ذلك القلق الذي لم يحاول حتى إخفاءه. هزّت رأسها برفق وقالت بهدوء: "ليس هكذا…" توقفت لحظة، وكأنها تبحث عن الكل
Read more

الفصل 37

عندما توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابة الفيلا، عاد الهدوء يخيّم من جديد، لكنه لم يكن كأي هدوء مرّ بينهما من قبل. كان مختلفًا… مشبعًا بكل ما حدث خلال الساعات الماضية، وكأن الهواء نفسه يحتفظ بذكريات تلك اللحظات التي لم يرغبا في انتهائها. أطفأ جاسر المحرك، وبقيت رهف جالسة مكانها لثوانٍ، لم تتحرك فورًا كما اعتادت. كانت تنظر أمامها في البداية، ثم التفتت نحوه ببطء، وكأنها تجمع شيئًا في داخلها قبل أن تقوله. كانت نظرتها هذه المرة مختلفة. لم تكن مجرد نظرة عابرة، ولا امتنان بسيط يمكن تجاوزه، بل حملت في طياتها شيئًا أعمق… مزيجًا من الشكر والتقدير وربما شيء آخر لم تستطع تسميته، لكنها شعرت به بوضوح. لاحظ ذلك. لم يقل شيئًا، لكنه شعر به… في تلك النظرة التي لم تهرب هذه المرة، بل استقرت عليه بثبات. "فهد…" بدأت بصوت هادئ، يحمل دفئًا لم يكن معتادًا منها بهذا الوضوح. توقفت لحظة، ثم أكملت بابتسامة خفيفة: "شكرًا… على كل شيء." لم تكن الكلمات طويلة، لكنها خرجت صادقة، بلا تردد وكأنها تحمل وزن يوم كامل من التفاصيل التي لم تقلها. أرادت أن تضيف شيئًا آخر… ربما أكثر وضوحًا، ربما تعبيرًا أدق عما تشعر به،
Read more

الفصل 38

في تلك الأثناء، وبينما كانت رهف تغرق في عالمها الصغير المليء بالصور والذكريات الدافئة، كان في الخارج عالم آخر يتحرك بخطوات مختلفة تمامًا، عالم لا يعرف الهدوء ذاته، ولا يسمح بمثل تلك اللحظات البسيطة أن تدوم طويلًا. خرج مدحت من الفيلا بخطوات واثقة، وكأن ذهنه منشغل بأمر أكبر من مجرد يوم عادي، وما إن تجاوز البوابة حتى وقعت عيناه على فهد، الذي كان لا يزال في سيارته، وكأنه لم يغادر المكان رغم انتهاء مهمته الظاهرة. اقترب منه قليلًا، ثم قال بنبرة عملية لا تخلو من الجدية: "فهد، من الجيد أنك أتيت الآن، سأقابل شريكًا مهمًا لي الليلة، وأريدك معي." تنبه جاسر على الفور، ولم يحتج إلى الكثير من التفكير، فاكتفى بإيماءة قصيرة برأسه، لكنها كانت كافية لتعبر عن استعداده الكامل، ثم تحرك خلف مدحت دون أن يطرح أي أسئلة، مدركًا أن الإجابات ستأتي في وقتها، أو ربما لن تأتي أبدًا. انطلقا بالسيارة في صمت لم يقطعه سوى صوت المحرك وانعكاسات الأضواء المتقطعة على زجاج النوافذ، وكان الطريق أطول من المعتاد، أو هكذا بدا لجاسر الذي أخذ يراقب المسار بعين خبيرة، محاولًا حفظ التفاصيل دون أن يظهر ذلك، حتى بدأت ملامح المكان
Read more

الفصل 39

مرّت ساعة كاملة منذ أن أُغلق ذلك الباب الثقيل خلف مدحت، ساعة بدت أطول من المعتاد، كأن الزمن نفسه قرر أن يبطئ إيقاعه داخل ذلك القصر المهيب، بينما ظل جاسر في الخارج واقفًا في الممر الهادئ، يستند أحيانًا إلى الحائط، ثم يعود فيستقيم، كأن جسده يرفض الاسترخاء رغم السكون المحيط به، وعيناه لم تفارقا الباب المغلق، تراقبانه بترقّب حذر، وكأن شيئًا ما في داخله يخبره أن ما يجري خلفه ليس مجرد نقاش عابر. وحين انفتح الباب أخيرًا، لم يكن صوت المفصلات هو ما لفت انتباهه، بل ذلك التغير الواضح في ملامح مدحت، الذي خرج بخطوات ثابتة، لكنها أثقل من ذي قبل، ووجهه متجهم على نحو غير معتاد، لا يحمل غضبًا صريحًا ولا ارتياحًا خفيًا، بل مزيجًا غامضًا من التفكير العميق والانزعاج المكبوت، كأن شيئًا لم يسر كما أراد تمامًا. اعتدل جاسر في وقفته فورًا، وتبعه دون أن ينطق بكلمة، لكنه لم يستطع تجاهل تلك الإشارات الدقيقة التي التقطها بحسه المتدرب، فطريقة شدّ مدحت لفكّه، ونظراته الثابتة إلى الأمام، وصمته الثقيل، كلها كانت تقول أكثر مما يمكن أن يُقال. خرجا من القصر، وعادا عبر ذلك الممر الطويل الذي بدت أضواؤه أكثر خفوتًا الآن
Read more

الفصل 40

توقفت السيارة أمام بوابة الجامعة، كما في كل مرة، لكن هذه المرة لم يكن المشهد عاديًا تمامًا، على الأقل بالنسبة لجاسر. لم يقل شيئًا حين وصلت رهف، ولم يضف كلمات تشجيع إضافية، بل اكتفى بنظرة قصيرة تحمل ما يكفي من الاطمئنان، ثم تركها تنزل بهدوء. راقبها وهي تبتعد، خطواتها ثابتة ظاهريًا، لكنها لم تكن كذلك تمامًا. كان هناك شيء في حركتها، في طريقة حملها لكتبها، في تلك النظرة الشاردة التي لم تفارقها منذ الصباح، جعله يشعر أن ما يشغلها أكبر من مجرد اختبار. "ركّزي فقط…" قالها في نفسه، وكأنه يكرر ما قاله لها، ليس لها فقط… بل لنفسه أيضًا. ظل في مكانه ينتظرها، كما فعل في المرة السابقة، لم يغادر، ولم يحاول حتى الانشغال بشيء آخر. دخلت قاعة الاختبار وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن هذا اليوم يجب أن يمر بسلام، جلست في مكانها وبدأت تقلب ورقة الأسئلة، لتجد أنها قادرة على الإجابة، بل إن ذهنها كان حاضرًا بشكل جيد، وكأنها تحفظ كل ما قرأته، فخطّت إجاباتها بثقة ملحوظة. ومع ذلك لم تستطع أن تتخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي يجثم على صدرها، شعور غامض يتسلل إليها كلما تذكرت نظرات والدها الباردة وكلماته المقتضبة، وكأن
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status