جميع فصول : الفصل -الفصل 18

18 فصول

ما وراء الباب المحرم

م تذق ليلى طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت الدقائق تمر وكأنها دهر، وصوت المطر الرتيب الذي ينقر على زجاج نافذتها العالية بدا وكأنه طبول حرب تقترب من أسوار قلبها المنهك. ظلت تراقب عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء قاتل نحو السادسة صباحاً، وكل ثانية تمر كانت تزيد من حدة الصراع داخلها. كان عقلها ساحة معركة كبرى بين تحذيرات "مارك" الباردة التي تشبه نصل السكين، وبين وعود آدم الغامضة التي تسكنها بحة حزينة لا يمكن تزييفها. هل ستجد خلف ذلك الباب دليلاً دامغاً على جريمة قديمة؟ أم ستجد جرحاً إنسانياً غائراً لم يندمل رغم مرور السنين؟عندما دقت الساعة الخامسة وخمسة وأربعين دقيقة، نهضت ليلى من فراشها الذي لم تنم فيه إلا لسويعات متقطعة. غسلت وجهها بماء بارد كالثلج، وكأنها تحاول إيقاظ شجاعتها النائمة وإزالة غشاوة الحيرة عن عينيها. ارتدت كنزة صوفية بسيطة لتقيها من برد الفجر القارس في أروقة القصر، وخرجت من غرفتها بخطوات حذرة. كان القصر في هذا الوقت من الفجر يبدو مختلفاً تماماً؛ الضوء الرمادي الشاحب يتسلل من النوافذ العالية كالأشباح، والصمت كان ثقيلاً ومهيباً لدرجة أنها كانت تسمع وقع خطواتها فوق السجاد الفارسي
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

عاصفة تحت سقف واحد

بقيت ليلى واقفة في وسط الغرفة المغلقة، وأنفاسها مسموعة في ذلك الفراغ المهيب. كانت عيناها تتنقلان بجنون بين اللوحة الأصلية التي كشف عنها آدم وبين الباب الذي أُغلق خلفه بعنف. شعرت أن الجدران تضيق عليها، وأن الأسرار المعلقة في الهواء بدأت تخنقها. كان صوت الجرس في الأسفل لا يزال يتردد في أذنيها كصرخة إنذار، يعلن وصول "مارك" واللحظة التي قد تنتهي فيها كل الأكاذيب.. أو تبدأ فيها مأساة جديدة."لا تخرجي مهما حدث،" صدى صوت آدم التحذيري ظل يتردد في عقلها، لكن الفضول والخوف على آدم كانا أقوى من أي أمر. لم تستطع البقاء حبيسة الجدران بينما تدور رحى حرب في الأسفل هي وقودها الأساسي. اقتربت من الباب ببطء، ووضعت يدها المرتجفة على المقبض البارد. ترددت لثوانٍ، ثم فتحته بهدوء لا يكاد يُسمع، وتسللت إلى الممر المظلم.عندما وصلت إلى حافة الدرج الرخامي الكبير، كانت الأصوات في الردهة قد بدأت ترتفع. اختبأت خلف أحد الأعمدة الضخمة، وأطلت برأسها لتشهد المواجهة. كان آدم يقف في وسط الصالة، شامخاً كطود عظيم، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت. وأمامه، كان مارك يقف ببرود مستفز، يرتدي معطفه الطويل الذي لا تزال قطرات المطر تلمع
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

بين الركام والرماد

فتحت ليلى عينيها ببطء شديد، لتجد أن العالم من حولها قد استحال إلى لوحة ضبابية من الغبار الرمادي. كان هناك طنين حاد يمزق أذنيها، ورائحة البارود والتراب المحروق تملاً رئتيها، مما جعلها تسعل بعنف وهي تحاول استعادة توازنها. شعرت بثقل غريب فوق جسدها، وببرودة الرخام تحت كفها المرتجف."آدم؟" حاولت مناداته، لكن صوتها خرج مخنوقاً وضعيفاً، وكأنه يغرق في بحر من الصمت الذي تلا الانفجار. تذكرت اللحظات الأخيرة؛ النجفة التي سقطت، صرخة آدم، والظلام الذي ابتلع كل شيء. بدأت تتحسس ما حولها، لتدرك أن قطعة كبيرة من الحطام الخشبي قد سقطت فوق ساقيها، مانعة إياها من الحركة.فجأة، سمعت صوتاً بعيداً، صوتاً مبحوحاً يئن باسمها. "ليلى.. هل أنتِ.. بخير؟"كان هذا صوت آدم. نظرت باتجاه الصوت لترى ظله وهو يحاول النهوض من بين ركام الأثاث المحطم. كان قميصه الأسود ممزقاً، وهناك خط من الدماء يسيل على جبهته، لكن عينيه كانتا تشتعلان بقلق لم تره من قبل. زحف نحوها بصعوبة، متجاهلاً جروحه الخاصة، حتى وصل إليها."أنا هنا.. أنا هنا،" همس وهو يضع يديه القويتين على قطعة الخشب الضخمة ليحركها بكل ما أوتي من قوة. برزت عروق يديه وتصبب
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

استجواب في عتمه الذاكره

كانت ليلى تجلس على مقعد جلدي بارد داخل غرفة التحقيق الصغيرة بمخفر الشرطة. رائحة القهوة الرديئة والتبغ كانت تملأ المكان، والضوء الأبيض المسلط فوق رأسها جعل عينيها تؤلمانها بشدة. كانت لا تزال ترتدي معطف آدم الممزق، والذي لم تفلح محاولات الممرضة في نزعه عنها في سيارة الإسعاف؛ فقد كان يمثل لها خيط النجاة الأخير، والذكرى الوحيدة الملموسة من تلك الليلة المرعبة وسط الحطام.دخل المحقق "برنارد"، وهو رجل في الخمسين من عمره، ذو ملامح صلبة وعينين خبيرتين قرأتا آلاف الأكاذيب في حياته. وضع ملفاً ثقيلاً على الطاولة وجلس قبالتها ببطء شديد، وكأنه يمنحها الوقت لتشعر بالتوتر."آنسة ليلى.. أنتِ مرممة فنون ماهرة، ولديكِ سجل نظيف تماماً،" بدأ برنارد حديثه بنبرة هادئة لكنها تحمل تهديداً مبطناً. "ما الذي يفعله شخص مثلكِ في قصر آدم في منتصف الليل أثناء وقوع انفجار غامض؟ وما هي علاقتكِ الحقيقية بالمدعو مارك، الذي يدعي أنكِ كنتِ محتجزة هناك رغماً عن إرادتكِ؟"أخذت ليلى نفساً عميقاً، وتذكرت كلمات آدم في الحديقة: "لا تذكري أي شيء عن الغرفة المغلقة أو اللوحة الأصلية". نظرت إلى المحقق وقالت بصوت حاولت جاهدة أن يكون
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

صندوق الاسرار المحرمه

لم تكن ليلى قادرة على إغماض عينيها في تلك الليلة؛ فالمفتاح الذهبي الصغير الذي وجدته في جيب معطف آدم كان يبدو وكأنه يحترق في كفها. كانت الكلمات التي كتبها آدم، بطلبه منها البحث عن "اعتذاره"، تدور في رأسها كالعاصفة. هل كان آدم يعلم أن مارك سيحاول تسميم عقلها بقصة والدها؟ أم أن هذا الصندوق يحتوي على الحقيقة التي كان يخشى مواجهتها معها وجهاً لوجه؟في الصباح الباكر، وقبل أن تستيقظ المدينة بالكامل، كانت ليلى تقف أمام البوابة الخلفية للقصر. كان القصر يبدو كعملاق جريح؛ آثار الدخان الأسود لا تزال تلطخ الجدران الرخامية، وأشرطة الشرطة الصفراء تحيط بالمكان وكأنها أسلاك شائكة. تسللت ليلى بحذر، مستغلة معرفتها بالمداخل الجانبية التي لم تنتبه لها الحراسة المشددة في الأمام. كان قلبها يخفق بجنون، وكل صرير لقطعة خشب تحت قدمها كان يشعرها وكأنها ترتكب جريمة كبرى.وصلت إلى المرسم السري بصعوبة، حيث كان الحطام يغطي أجزاء من الممر. دفعت الباب الذي كان لا يزال موارباً، لتدخل إلى الغرفة التي شهدت مواجهتها الأخيرة مع آدم قبل الانفجار. كانت اللوحة الأصلية لأم آدم لا تزال في مكانها، محمية بجدران المرسم القوية التي
last updateآخر تحديث : 2026-05-06
اقرأ المزيد

ثمن الوفاء

لم يكن دوي الرصاصة مجرد صوت عابر في أرجاء المرسم المحطم، بل كان صرخة النهاية لكل الأوهام التي عاشتها ليلى. شعرت بجسد آدم الثقيل يسقط فوقها، وكأنه يحاول حجب العالم بأسره عن عينيها بظهره. ساد صمت رهيب لثوانٍ معدودة، صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاس آدم المتحشرجة ورائحة البارود التي اختلطت برائحة الورق القديم المبعثر حولهما."آدم! لا.. أرجوك لا تتركني!" صرخت ليلى وهي تحاول إسناد رأسه، لتجد يدها قد تلطخت بدمائه الدافئة التي بدأت تلوث قميصه الأبيض. كان آدم ينظر إليها، وعيناه اللتان كانتا دائماً مليئتين بالغموض والتحدي، تلمعان الآن بضعف إنساني مفجع، لكنهما كانتا تحملان طمأنينة غريبة، وكأنه وجد خلاصه في تلك اللحظة."ليلى.. اهربي.." همس آدم بصوت بالكاد يُسمع، بينما كانت قواه تخور بسرعة مخيفة. "المذكرات.. لا تدعيه.. يأخذها.."على الجانب الآخر، كان مارك يقف متجمداً للحظة، والمسدس لا يزال في يده يرتجف. لم يكن يتوقع أن يضحي آدم بنفسه بهذا الشكل الانتحاري. لكن سرعان ما عاد الجشع ليملأ عينيه الباردتين. تقدم نحو ليلى بخطوات ثقيلة، وصوت حذائه على الخشب المحطم بدا وكأنه دقات ساعة الفناء."انظري ماذا فعلتِ ب
last updateآخر تحديث : 2026-05-06
اقرأ المزيد

ترميم الروح من تحت الانقاض

مرت الأسابيع الأولى بعد ليلة الانفجار وكأنها ضباب كثيف يرفض الانقشاع. كانت ممرات المستشفى البيضاء الباردة قد أصبحت مسكناً لليلى، حيث قضت أيامها ولياليها جالسة على ذلك الكرسي الخشبي القاسي بجانب سرير آدم. كان صوت الأجهزة الطبية الرتيب هو الموسيقى الوحيدة التي تسمعها، ودقات قلبه الضعيفة التي تظهر على الشاشة كانت هي البوصلة التي تحدد حالتها النفسية. كانت ليلى تنظر إلى يديها اللتين اعتادتا على التعامل مع الألوان والفرشاة، وتجدهما الآن ترتجفان كلما لامست يد آدم الشاحبة، وكأنها تخشى أن يختفي إذا ما أغمضت عينيها للحظة.في صباح يوم ربيعي دافئ، بينما كانت خيوط الشمس تتسلل بخجل من خلف الستائر الزرقاء، فتح آدم عينيه ببطء. لم تكن نظرته غامضة هذه المرة، بل كانت تحمل صفاءً لم تعهده فيه من قبل. نظر إلى ليلى، التي كانت قد غفت ورأسها مسند إلى حافة السرير، ومد يده المرتجفة ليمسح على شعرها برقة متناهية."ليلى.." همس بصوت مبحوح، وكأن الكلمة خرجت من أعماق بئر سحيق.استيقظت ليلى فزعة، لتقابل عينيها عيناه. لم تستطع حبس دموعها التي انهمرت كالشلال، وارتمت بين أحضانه وهي تهمس بكلمات غير مفهومة من الفرح والندم.
last updateآخر تحديث : 2026-05-06
اقرأ المزيد

الهروب الى مدينه المرايا

كانت ليلى تظن أن خروج مارك من الغرفة مقيداً بالأصفاد يعني أن الكابوس قد انتهى، وأن جدران المستشفى هي آخر حصون الألم التي ستسكنها. كانت تجلس بجانب آدم، تمسك يده الشاحبة وتراقب جهاز نبضات القلب وهو يعزف لحن الاستقرار. لكن هدوء المستشفى في تلك الليلة لم يكن هدوءاً عادياً؛ كان صمتاً ثقيلاً، صمتاً يسبق العواصف التي لا تبقي ولا تذر.فجأة، انقطعت الأضواء عن الجناح بالكامل. ساد ظلام دامس لم يقطعه إلا ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة. شعرت ليلى ببرودة غريبة تسري في الممر، وبصوت خطوات منتظمة وسريعة تقترب من الغرفة. لم تكن خطوات ممرضات، بل كانت وقع أحذية عسكرية ثقيلة. وقبل أن تصرخ أو تستدعي الحرس، انفتح الباب بعنف، ودخل ثلاثة رجال يرتدون ملابس سوداء بالكامل وأقنعة لا تظهر سوى أعينهم الباردة."من أنتم؟ ماذا تريدون؟" صاحت ليلى وهي تقف حائلة بين الرجال وسرير آدم.لم ينطق أحدهم بكلمة. وبحركة خاطفة، قام أحدهم برش مادة مخدرة في الهواء. بدأت ليلى تشعر بدوار شديد، ورأت العالم يترنح من حولها. سقطت على ركبتيها، وكانت آخر صورة رأتها قبل أن يبتلعها السواد هي جسد آدم وهو يُحمل على محفة طبية غريبة، ورجل را
last updateآخر تحديث : 2026-05-06
اقرأ المزيد
السابق
12
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status