LOGINلم يكن الدخان المتصاعد من دير "سانتا ماريا" في ميلانو مجرد نتاج لاحتراق الأجهزة واللوحات، بل كان بخاراً يخرج من جسد التاريخ المحترق. كانت ليلى تقف في الساحة الخارجية، والشظايا الزجاجية المتطايرة قد تركت جروحاً طفيفة على وجنتيها، لكنها لم تكن تشعر بالألم. كانت تمسك بآدم الذي استعاد وعيه جزئياً، وهو ينظر بذهول إلى النيران التي تلتهم عمه "لورينزو" وكل الأسرار القذرة التي بناها طوال حياته."لقد انتهى الأمر يا ليلى.." همس آدم وهو يحاول الوقوف، مستنداً على كتفها النحيل الذي أصبح الآن أقوى من الفولاذ. "لقد قتلتِ الشيطان في معقله."نظرت ليلى إلى ألسنة اللهب، ولم يكن في عينيها ندم، بل كان هناك برود غريب لم تعهده من قبل. "لا يا آدم، لورينزو كان مجرد رأس واحد من رؤوس الهيدرا. الشيطان الحقيقي لا يزال مختبئاً في جينات عائلتك، وفي صمت والدي الذي لم يخبرني بكل شيء."فجأة، ومن وسط الدخان الكثيف، ظهر ظل رجل يتحرك ببطء وثبات. لم يكن لورينزو، بل كان "جوليان". كانت ملابسه محترقة ووجهه ملطخاً بالرماد، لكن عينيه كانتا تشعان بحقد يفوق الوصف. كان يحمل في يده اليمنى حقيبة معدنية صغيرة، وفي اليسرى مسدساً موجها
كانت مياه نهر "التيبر" تزمجر تحت جسور روما الحجرية كوحش جريح، بينما كانت ليلى تخرج من بين ضفاف النهر وهي ترتجف من البرد والخوف. كانت ملابسها ملتصقة بجسدها، واللوحة الثالثة المغلّفة بالجلد المشمع كانت محشورة تحت ذراعها كأنها طفل رضيع تخشى عليه من النسمة. لم تلتفت ليلى خلفها لترى ما حدث في السرداب؛ لم تكن تملك رفاهية الوداع. كان صدى رصاص جوليان وصراخ آدم لا يزال يتردد في أذنيها، يمتزج مع صوت المطر الغزير الذي بدأ يغسل شوارع روما من آثار دماء تلك الليلة.وقفت ليلى في زقاق مظلم بالقرب من "الفاتيكان"، تحاول التقاط أنفاسها. كانت تدرك أن روما الآن لم تعد مدينة آمنة؛ فعيون لورينزو ومنظمته منتشرة في كل زاوية، وكاميرات المراقبة ستلتقط وجهها المبلل والمنهار في غضون دقائق. لم تكن تملك سوى حقيبة الكاردينال الصغيرة، وبضعة دولارات كانت قد خبأتها في بطانة معطفها، والشعلة التي أوقدها آدم في قلبها قبل أن يدفعها نحو الماء."لن أموت هنا.." همست ليلى لنفسها وهي تضغط على جرح إصبعها الذي لا يزال ينزف. "سأصل إلى ميلانو، وسأحرق هذا السر الذي دمر كل من أحببت."اتجهت ليلى نحو محطة قطارات "تيرميني" المركزية. كان
كان البحر المفتوح يبتلع خلفهم آخر خيوط الضباب الفينيسي، بينما كان القارب السريع يشق عباب الموج نحو المجهول. ليلى كانت تجلس في مؤخرة القارب، معطفها مبلل برذاذ الملح، وعيناها معلقتان بالأفق حيث كانت ألسنة اللهب تتصاعد من بعيد من كنيسة "القديس الغريق". كان ذلك المشهد يمثل لها نهاية فصل دامي من حياتها، لكنه لم يكن نهاية الألم؛ فقد تركت والدها هناك، في قلب النيران، للمرة الثانية في حياتها. لم تكن تدري إن كان قد نجا، أم أنه اختار أن يحترق مع أسراره لكي يمنحها فرصة العيش.آدم كان يقبض على المقود بيدين مرتعشتين، ليس خوفاً، بل من فرط الألم والإجهاد. كان دمه قد بدأ يتسرب مجدداً من جرح كتفه الذي لم يحظَ بفرصة للالتئام. نظرت إليه ليلى، وشعرت بغصة تمزق حلقها؛ هذا الرجل الذي دُمرت حياته بسببها، والذي اكتشف للتو أن له توأماً يطارد موته، لا يزال يقف كالجبل ليحميها."آدم.. توقف، أنت تنزف بشدة!" صرخت ليلى وهي تقترب منه محاولة الإمساك بالمقود."لا يمكننا التوقف يا ليلى.." قال بصوت مبحوح، وعيناه مسمرتان على جهاز الملاحة. "رادارات لورينزو تمسح البحر الآن. إذا لم نصل إلى نقطة الالتقاء قبل الفجر، سنكون طعام
كان الضجيج الناتج عن الانفجار لا يزال يطن في أذني ليلى وهي تندفع خلف والدها "يوسف" في ذلك الممر المائي الضيق والبارد. كانت المياه العفنة في القبو تصل إلى كاحليها، وبرودة فينيسيا الليلية تلسع وجهها كالسياط. لم تكن تصدق أن الرجل الذي يمسك يدها الآن بقوة هو نفسه الرجل الذي بكت فوق قبره الفارغ لعشرين عاماً. كان يوسف يتحرك بخفة لا تناسب سنه، وكأنه يحفظ كل زاوية في هذه المتاهة المائية عن ظهر قلب."أبي.. توقف! أريد إجابات!" صرخت ليلى وهي تحاول انتزاع يدها منه بعد أن وصلا إلى زاوية مظلمة بعيدة عن مرأى الحراس.توقف يوسف والتفت إليها، وكان ضوء القمر المنعكس على مياه القناة يظهر التجاعيد العميقة التي حفرها الزمن والخوف على وجهه. "ليس الآن يا ليلى! لورينزو وجوليان لن يتركا حجراً في فينيسيا دون أن يقلباه بحثاً عنا. هما لا يريدان اللوحة فقط، هما يريدان 'المفتاح الحي'.. وهو أنتِ.""أنا لستُ مفتاحاً لأحد!" ردت ليلى بمرارة والدموع تخنق صوتها. "أنا ابنتك التي تركتها للذئاب. أخبرني الحقيقة.. هل جوليان هو فعلاً توأم آدم؟ وهل كنتَ تعمل معهم طوال هذه السنين؟"تنهد يوسف، وسقطت كتفاه وكأن ثقل العالم قد هبط ع
كانت الممرات الضيقة داخل القصر الفينيسي تبدو وكأنها شرايين حجرية باردة تضيق على ليلى وهي تتبع الممرضة "مريم". لم تكن مريم هي تلك الفتاة الرقيقة ذات الملامح الهادئة التي كانت تغير ضمادات آدم في مستشفى بلجيكا؛ لقد تحولت الآن إلى ظل حاد، تتحرك بخفة قطة برية في الظلام، وتمسك بمسدسها كأنها ولدت وهي تحمل السلاح. كان صمتها يثير في نفس ليلى رعباً يفوق رعب المواجهة مع لورينزو."مريم.. توقفي!" همست ليلى وهي تحاول التقاط أنفاسها. "إلى أين نذهب؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟ هل كنتِ تعملين مع لورينزو منذ البداية؟"توقفت مريم فجأة، والتفتت ببطء، ونظرت لليلى بعينين باردتين كجليد الشمال. "أنا لا أعمل مع لورينزو، ولا أعمل مع آدم. أنا أعمل لصالح 'الكيان'، وهو الطرف الذي يراقب الجميع من بعيد. لورينزو مجرد رجل عجوز مهووس بالمال، لكن 'الكيان' يبحث عن التاريخ. والآن، اصمتي واتبعيني، لأن رجال لورينزو اكتشفوا اختفاءكِ بالفعل."انطلق صوت صفارات إنذار خافتة في أرجاء القصر، وبدأت أضواء كاشفة تمسح مياه القناة بالخارج. سحبت مريم ليلى من يدها بقوة وأدخلتها في ممر ضيق ينتهي بفتحة صغيرة تطل مباشرة على مياه القناة المظلمة. هن
مرت الليلة الأولى لليلى في فينيسيا وكأنها حلم محموم، لم تكن تعرف فيه أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال. كانت تقف في المرسم الفاخر الذي خُصص لها، وهو عبارة عن قاعة واسعة في قصر فينيسي قديم يعود للقرن السادس عشر، حيث تآكلت جدرانه بفعل الرطوبة ولكن ملامح الترف لا تزال واضحة في سقوفه المذهبة. كانت رائحة الملح المنبعثة من القناة الكبرى تمتزج برائحة زيت الكتان القوية، لتخلق جواً من الكآبة التي تليق بمدينة غارقة في أسرارها. أمامها، كان الجزء الثالث من "الثلاثية" يقبع تحت ضوء كشافات قوية. كانت لوحة "المرأة الغارقة" تبدو وكأنها تنظر إليها بعتاب. بدأت ليلى تتحسس سطح اللوحة بأصابع مرتعشة، لم تكن تبحث عن عيوب في الطلاء، بل كانت تبحث عن "روح" والدها في ضربات الفرشاة. كانت تعلم أن يوسف، والدها، لا يترك خلفه عملاً فنياً دون أن يضع فيه "مخرج طوارئ"، شفرة لا يفهمها إلا من يملك عينه وعقله. "أراكِ غارقة في التفكير، يا ليلى،" جاء صوت لورينزو من خلفها، وكان يمسك بكأس من الكريستال يلمع فيه سائل أحمر كالدم. "الوقت يمر، والعد التنازلي لحياة آدم بدأ بالفعل. هل وجدتِ الشفرة؟" التفتت ليلى إليه، وحاولت أن تج







