All Chapters of حين يعود حبيبي لي: Chapter 1 - Chapter 8

8 Chapters

الفصل 1

- بإمكاني مساعدتك في علاج والدتك ونقلها إلى الخارج. تجمدتُ في مكاني للحظات عند رؤية عمران، وغرقتُ في تفاصيل وجهه التي حاولتُ نسيانها طويلا. رغم حدة ملامحه، وجدتُ نفسي أتأملها بتركيز لم أحصل عليه يوما؛ تبرز عيناه البنيتان من خلف رموشه الطويلة التي تظلل نظراته، وتلتقي اللحية المهذبة بحدود فكه القوي، فتحدد معالم وجهه بدقة. كان يرتدي بدلة زرقاء عززت فخامة حضوره، وكأن السنوات لم تزده إلا صلابة وشموخا. همس قلبي في تلك اللحظة بشيء أخفيته لسنوات: - لقد اشتقتُ إليه كثيرا. قطع شرودي صوته الجاد حين كرر عرضه بحزم: - بإمكاني مساعدتك في علاج والدتك ونقلها إلى الخارج. حين استوعبتُ العرض، ضيقتُ عيني وسألته باستنكار، والخوف يصارع الكبرياء في صدري: - لماذا؟ لم قد تساعدني؟ وما المقابل الذي تريده؟ ضيق عمران عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، قبل أن يجيب ببرود: - أن نتزوج نهاية الأسبوع. هكذا، وبكلمات قليلة جردت من العواطف، بدأت قصة زواجي من عمران. لم يكن هناك متسع للرومانسية التي تخيلتها يوما في أزقة المدينة القديمة، ولم تكن هناك زهور أو وعود بالحب الخالد، كان عرضا واضحا ومقايضة صريحة
last updateLast Updated : 2026-05-05
Read more

الفصل 2

أصبحت أزقة طرابلس تضيق علي كلما اتسعت أحلام عمران، ففي الوقت الذي كان يخطط فيه لمستقبله بذكاء وطموح لا يهدأ، كنتُ قد غادرتُ مقاعد الدراسة الجامعية مرغمة، لأسهر على راحة أمي التي انتكست صحتها، وأواجه أعباء الحياة بقلب أرهقه التعب قبل أوانه. لقد قيل إن عمران ذاق مرارة الحياة وقسوتها قبل أن يسكن حينا، وأنه ترك دراسته لسنوات كما فعلتُ أنا تماما؛ لذا كنتُ أشعر دوما أن قصتينا متشابهتان، تجمعهما تضحية واحدة ووجع مشترك، غير أن الحياة ابتسمت له ومنحته فرصة ثانية، فعاد إلى الجامعة وهو يناهز الثالثة والعشرين، وبينما كان أقرانه يحتفلون بتخرجهم، بدأ هو من جديد بقلب لم يعرف اليأس. وبطموحه الذي لا ينكسر، صار الأول على دفعته، ولم يلتفت يوما للوراء أو يشعر بالأسى على ما فاته. كنتُ أنظر إليه بإعجاب حقيقي يشوبه خوف دفين، وأشعر بضآلتي أمام شموخه، فأسأل نفسي دوما بمرارة: - كيف أقارن نفسي به؟ هو الذكي، الطموح، صاحب النظرة الثاقبة الذي يستحق فتاة تكمله وترتقي معه، لا فتاة مكسورة الجناح مثلي، تقيد طموحه بآلامها والتزاماتها الثقيلة. كم وددتُ لو أن أبي لا يزال حيا، لربما يحمي سقف بيتنا أحلامي من التلاشي،
last updateLast Updated : 2026-05-07
Read more

الفصل 3

لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكا
last updateLast Updated : 2026-05-16
Read more

الفصل4

مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في شركة خالها هناك.ووصلتني الأخبار مؤخرا أن عمران صار يعمل معها في تلك الشركة نفسها، يتقاسمان المبنى ذاته والروتين اليومي معا.لقد اختارا بكامل إرادتهما أن يبنيا حياتهما بعيدا عن أرض ذكرياتنا، ونجحا في التحليق معا نحو قمة النجاح والاستقرار، بينما بقيت أنا هنا، أراقب ذلك الصعود من بعيد، من مسافة سحيقة تفصل بين عالمين لا يلتقيان.لكن، وبعد مرور سنة ونصف إضافية على تلك الحال، وصلني خبر مفاجئ مزق نياط قلبي وأعاد بعثرة مشاعري؛ لقد توفي ابن عمران البكر والوحيد.ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين من فورها، ولم أعد أعلم حينها أكان حزني الشديد هذا على الطفل الصغير الذي لم أره يوما ولم أقبله، أم كان على قلب عمران المفجوع، ذلك القلب الذي أعرف جيدا كم هو رقيق وحنون، وكم سيكون من الصعب عليه احتمال هذا الفقد ال
last updateLast Updated : 2026-05-17
Read more

الفصل 5

أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج:- عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه:- مرحبا.ابتلعت ريقي وتجرأ
last updateLast Updated : 2026-05-20
Read more

الفصل 6

تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

الفصل 7

جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي
last updateLast Updated : 2026-06-03
Read more

الفصل الثامن

بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status