تسجيل الدخولأصبحت أزقة طرابلس تضيق علي كلما اتسعت أحلام عمران، ففي الوقت الذي كان يخطط فيه لمستقبله بذكاء وطموح لا يهدأ، كنتُ قد غادرتُ مقاعد الدراسة الجامعية مرغمة، لأسهر على راحة أمي التي انتكست صحتها، وأواجه أعباء الحياة بقلب أرهقه التعب قبل أوانه.
لقد قيل إن عمران ذاق مرارة الحياة وقسوتها قبل أن يسكن حينا، وأنه ترك دراسته لسنوات كما فعلتُ أنا تماما؛ لذا كنتُ أشعر دوما أن قصتينا متشابهتان، تجمعهما تضحية واحدة ووجع مشترك، غير أن الحياة ابتسمت له ومنحته فرصة ثانية، فعاد إلى الجامعة وهو يناهز الثالثة والعشرين، وبينما كان أقرانه يحتفلون بتخرجهم، بدأ هو من جديد بقلب لم يعرف اليأس. وبطموحه الذي لا ينكسر، صار الأول على دفعته، ولم يلتفت يوما للوراء أو يشعر بالأسى على ما فاته. كنتُ أنظر إليه بإعجاب حقيقي يشوبه خوف دفين، وأشعر بضآلتي أمام شموخه، فأسأل نفسي دوما بمرارة: - كيف أقارن نفسي به؟ هو الذكي، الطموح، صاحب النظرة الثاقبة الذي يستحق فتاة تكمله وترتقي معه، لا فتاة مكسورة الجناح مثلي، تقيد طموحه بآلامها والتزاماتها الثقيلة. كم وددتُ لو أن أبي لا يزال حيا، لربما يحمي سقف بيتنا أحلامي من التلاشي، وأكملتُ تعليمي ووقفتُ بجانب عمران كشريك لا كعبء، ولربما تكون هناك فرصة، ولو ضئيلة، لكي يكبر ذلك الحب وينمو في ظروف أكثر رأفة بقلبينا. لا أعلم يقينا لماذا أسمي ما بيننا حبا، لكن تلك النظرات الطويلة التي كان يخصني بها وحدي هي التي دفعتني لقول ذلك؛ فهو يحدق بي بعمق وكأنه شخص عاشق ولهان، يقرأ في ملامحي ما لا يراه الآخرون. ولا يمكنني أن أنسى حرصه الدائم على أن يكون بجانبنا، يسابق الريح لمساعدتي أنا وأمي في كل ضائقة. لقد جعلني أترك الحافلة المتهالكة التي كانت تنقلني للعمل، وأصر على أن يتولى هو مهمة توصيلي، متحججا بأخته "دنيا" التي بدأت رحلتها الجامعية، حيث قال لي: - هيا، أنت على طريقنا، ودنيا تريدك أن تذهبي معها لتؤنسيها. وافقتُ حينها، ويكاد قلبي يطير من بين ضلوعي فرحا، ليس هربا من تعب المواصلات، بل سعيا للبقاء في حضرة وجوده. ولا تزال كلماته تتردد في مسامعي كأنها لحن خالد، حين يخبرني دوما أنني ذكية ومثقفة، ويردد بيقين أن سعيد الحظ هو من سيفوز بي زوجة له. كان يتمنى من كل قلبه أن أعود لمقاعد الدراسة، حتى إنه عرض علي المساعدة يوما لأكمل تعليمي، لكني رفضت بكبرياء جريح؛ فلم أرد أن أضيف ثقلا جديدا فوق أثقاله التي ينوء بها. إن لم تكن هذه الأفعال بذرة حب حقيقي، أو على الأقل إعجابا صادقا نبت في أرض طيبة، فماذا عساها أن تكون؟ وهل يمنح المرء كل هذا الاهتمام إلا لمن سكن الروح وتربع على عرش القلب؟ أتذكر جيدا حين مرضت ذات يوم، وغبت عن العمل وعن الشارع لعدة أيام، فما كان منه إلا أن سأل عني بإلحاح لم يهدأ، ووجدت في هاتفي سيلا من الاتصالات والرسائل يستفسر فيها عن حالي بقلق واضح. وحين أجبته أخيرا، كان صوته يرتجف عبر الهاتف، سأل بلهفة عن حالي، ولما طمأنته بضعف، تنهد تنهيدة ارتياح طويلة كأن روحا ردت إليه، ثم أغلق الهاتف دون مزيد من الكلام. في تلك اللحظات، شعرت بقلبي يخفق بشدة بين ضلوعي، وظننت أن الدنيا ستضحك لي أخيرا، وأنني سأبتسم من جديد خلف جدران حزننا القديم، رغم أنني كنت أفسد على نفسي تلك اللحظات الجميلة بتفكيري الدائم والقلق؛ فبحالتي هذه ومسؤولياتي الثقيلة، كيف لي أن أناسب شخصا مثل عمران؟ كنت أخاف أن يكون حبي له مجرد قيد أضيفه إلى قيوده. لكن الأقدار لا تمضي دوما كما نشتهي، فخلف ذلك القلق والاهتمام، كانت هناك عواصف أخرى تستعد للاقتلاع ما تبقى من جذور أحلامي. بينما كنتُ أغرق في نشوة نظرات عمران وأغزل من اهتمامه ثوبا للأمل، لم ألحظ تسلل "لين" و"إياد" إلى محيطنا إلا متأخرا، كغريبين دفعتهما الأقدار لتبديل ملامح حينا الهادئ. قيل إنهما سكان جدد، لكن لكل منهما قصة؛ فإياد وعائلته جاؤوا هربا من ندبة شرف لحقت بأحد أبنائهم خلف القضبان، فبحثوا عن دار تواري انكسارهم، أما لين، فقد قدمت مع أهلها لبيع إرث قديم، لكن الرحيل تأجل حتى تضع ابنتهم ملامح ختام دراستها الجامعية. كانت لين، تلك الفتاة التي وضعت عمران نصب عينيها منذ اللحظة الأولى، تتنفس غطرسة وتتوسد التصنع في كل حركاتها. كنتُ أراقبها بقلب منقبض وروح مجهدة؛ فجمالها الصارخ ومكانتها العلمية المرموقة جعلت منها، في نظر الجميع، الشخص المثالي لعمران، فهي تملك بزهو كل ما كنتُ أفتقده في تلك اللحظات القاسية من عمري. هكذا كان ضجيج الناس من حولي، يهمسون بأن عمران ولين ثنائي لا يتكرر، وأن التوافق بينهما لا تشوبه شائبة. كانت تلك الكلمات تنهش روحي وتهلك قلبي كلما ترددت على مسامعي. كم أحسد لين، لا على ثوبها أو مالها، بل لأنها تتقاسم مع عمران قاعات الدراسة، وتشاركه صخب الكتب وعمق الأحاديث، بينما كنتُ أنا أتقاسم مع أمي أنات الوجع وجدران بيتنا الباردة. تمنيتُ لو كنتُ مكانها، لا طمعا في العلم وحده، بل بحثا عن تلك النظرة التي قد يلقيها عمران علي دون أن يلوثها شعور بالشفقة أو يكسرها الإحساس بالواجب. ولكن في يوم من الأيام، فتحتُ قلبي لصديقتي العزيزة "نور"، وبثثتُ لها ما يختلج في صدري تجاه عمران، وقصصتُ عليها تفاصيل اهتمامه بي، فشجعتني دون تردد على الاعتراف له بمشاعري. كانت تقول إن معظم الرجال يغلبهم الحياء حين يتعلق الأمر بالإفصاح، وأن أفعاله وإشاراته ليست سوى لغة حب صامتة تنتظر مني المبادرة. رفضتُ الفكرة مرارا، لكن مع كثرة إلحاحها، استقرت الفكرة في رأسي، وظننتُ أنني ربما أكون المخطئة في صمتي. أخترتُ يوما جميلا ومشمسا، وحين التقت نظرات عمران بي، استجمعتُ شجاعتي التي لم أعهدها من قبل. بدأتُ بشكره أولا على مساعدته الدائمة لي ولوالدتي، ثم قلتُ له والحرارة تلفح وجهي من شدة الحرج، إنني معجبة به كثيرا. لم ينطق بكلمة واحدة، فتح فمه قليلا، ووقف يحدق بي وكأنه لا يصدق ما سمعه، لم أحتمل نظراته تلك، فتركته في مكانه وهربتُ مسرعة، وارتميتُ فوق وسادتي بينما الإحراج ينهش روحي، حتى صار وجهي ذو اللون البني الفاتح كحبة طماطم قانية من شدة الخجل. أمسكتُ هاتفي وهاتفتُ نور التي دفعتني لهذا الموقف، وقلتُ لها بحدة وصوت متهدج: - سأريك يا نور! لقد شعرتُ بإحراج قاتل، ما الذي فعلته بنفسي؟ لا أعرف كيف استمعتُ إليكِ! فأجابتني بكلمات مقتضبة تحثني فيها على الصبر، وقالت بيقين: لا عليكِ، اصبري وانتظري رده، أنا متأكدة من أنه يحبك. بمجرد أن خرجت الكلمات من صدري، شعرت وكأن جبلا ثقيلا انزاح عن كاهلي، وكأنني لفظت معها أنفاس الحزن المكبوتة لسنوات. لم أكن أتخيل يوما أنني سأمتلك الشجاعة الكافية لأقف أمام "عمران" وأفصح له عما يختلج في أعماقي من مشاعر خبأتها في سراديب قلبي طويلا. والآن، أجدني عالقة في تلك المنطقة الرمادية، أتأرجح بين الرجاء والترقب، أنتظر ردا يحدد بوصلة أيامي القادمة ويرسم ملامح قدري. أحاول جاهدة رسم ملامح رده في خيالي، لكنني أفشل في كل مرة؛ فالحيرة تغلغلت في تفكيري. لو بادلني الشعور ذاته، فإن حياتي ستنقلب رأسا على عقب، ليس فقط لأنني سأكون مع من أحب، بل لأن عمران رجل من طراز رفيع؛ رجل صلب، يعتمد عليه في الشدائد والمحن. لقد رأيته كيف حمل هموم أسرته فوق رأسه بجلد، وكيف ضحى بسنوات غالية من عمره تاركا دراسته ليكون هو السند، تماما كما فعلتُ أنا حين عصفت بي الأيام. لكن الفارق بيننا يكمن في تلك الالتفاتة التي منحتها له الأيام؛ فالحياة ابتسمت له في منتصف الطريق، وواتته الفرصة فأكمل تعليمه ونال مراده، بينما بقيتُ أنا عالقة في زوايا ذكريات التعب وشقاء العمل، أرعى جروح أمي وأداري خيباتي. ومع ذلك، لا يزال التفاؤل يطرق باب قلبي بإلحاح، لعل في ارتباطي به فرصة جديدة لأستعيد حلمي الضائع الذي واريته التراب، وأكمل تعليمي تحت ظله الدافئ لو تكللت هذه القصة برباط مقدس يجمع شتات روحينا. كنتُ أتعمد التواري عن أنظار عمران، أفر من دربه كلما تقاطعت خطانا، فلم يعد لي عهد بتلك الشجاعة التي تملكتني حين واجهته بصدق قلبي. لم أرافقه إلى العمل، ولم أظهر في ردهات المستشفى كما كنتُ أفعل، بل أقحمتُ نفسي في تفاصيل حياة صديقتي "نور" هربا من مواجهته، وبحثا عن سكن لروحي القلقة. لكن القدر كان له رأي آخر، فكلما التقت نظراتنا صدفة، كان يهديني ابتسامة هادئة غامضة، ثم يشيح بوجهه سريعا، تاركا إياي أغرق في بئر عميق من الحرج والارتباك، أفسر صمته ألف تفسير وتفسير. مر أسبوع كامل وأنا أقتات على هذا الحرج المرير، وأحترق بنيران الانتظار، إلى أن جاء اليوم الذي حمل معه الرد الذي سيقلب موازين حياتي.كانت رائحة الطعام المنتشرة في الأرجاء وأصوات نقرات الملاعق والسكاكين تثير أعصابي وتجعل قلبي في حالة من الاضطراب الشديد، بينما ظل نظري معلقا به وجسدي كله في حالة من التشنج والترقب، أنتظر بفارغ الصبر تلك الكلمات التي ستخرج من فمه، ومستعدة تماما لكل ما سيقوله عمران. ولما نجحت في السيطرة على نفسي واستطعت أن أتنفس بهدوء، وانتبه هو لذلك، التفت إلي وكان أول شيء قاله قبل أن يبدأ في سرد الحقيقة: - شهد، أرجو أن تتفهمي ما سأقوله قبل أن تصدري أي حكم، وعليك أن تصبري معي حتى النهاية كي لا يبتر الحديث ويحمل معان غير التي أقصدها فتصلك الحقيقة ناقصة؛ سأبدأ بسرد حكايتي من البداية لنفهم الأسباب معا ونبحث عن حل. رغم ازدياد توتري الذي حاولت ضبطه بصعوبة بعد كلماته هذه، إلا أنني وافقت على الفور ووعدته بأنني سأستمع إليه بعناية، ولن أقاطع حديثه حتى ينتهي تماما. تنفس عمران الصعداء ثم قال: - شهد، قبل أن آتي إلى المدينة القديمة كنا نسكن في جنزور، وكنا أنا ولين جيران منذ الطفولة ولم نفارق بعضنا قط. لم أستطع إخفاء ملامح المفاجأة التي ارتسمت على وجهي، غير أنني في أعماقي أدركت أن الأمر كان واضحا منذ البد
ظلّ الفضول ينخر عقلي كلما وقعت عيني على عمران أو دنيا، فكان لابد لي أن أسأل عن شيئين لأرتاح: الحقيقة التي نطقا بها ولم يخبراني بها، والاتصال الذي جاء لعمران.عزمتُ على أن أسأل عمران، فتقدمت نحوه بخطى مرتعشة، وقلبي يدق بعنف، وحرارة جسدي تلفحني كلما تحركت باتجاهه. لا أعرف سبب هذا الاضطراب؛ هل لأني أخاف أن تكون ردة فعله قوية ويصدني، أم لأني سأصدم بالحقيقة عندما أحظى بمعرفتها؟عندما وصلت وتوقفت أمامه، ضربت جسدي ارتعاشة خفيفة، كأنها ماس كهربائي، مع ذلك انفرج فمي وسألته:- ما بك؟! تبدو مشوشا وقلقا منذ أن جاءك الاتصال...هل هناك خطب ما؟!حدق في وجهي لبعض الوقت وملامح التجهم تكسو محياه، ولكن رده جاء على غير ما توقعت تماما، إذ كان في غاية اللطف وتحدث بنبرة هادئة قائلا:- لا تقلقي...إنها مشاكل العمل وضغوطه فحسب، يبدو أنها تلاحقني حتى هنا.رسمت على شفتي ابتسامة باهتة، لم أستطع تصديق كلامه، ولكنني شعرت أنه لا حيلة بيدي في هذه اللحظة، لأكذبه، وأجبره على قول الحق.غير أن الأمر الذي فاجأني، هو أنه استطرد في حديثه وكأنه يقرأ كل ما يدور في عقلي من أفكار، ليعدني بأنه سيخبرني بالحقيقة كاملة، ولكن في الو
شهد.. أريد أن أعترف لكِ بشيء.بثّت تلك الكلمات الفزع في أوصالي، وجعلتني أتساءل بحيرة إن كان ما أراه هو الحقيقة أم أنه مجرد حلم. عقدتُ حاجبيّ وقد تملكتني رغبة في أن أسأله: - بماذا ستعترف؟خيّم على المكان صمت ثقيل وممتد، إلى أن قطعه رنين صوته الهادئ؛ كان صوته الهادىء يشبه نسمة باردة تلامس الوجه وتنعشه:- أنا أحبكِ...في تلك اللحظة، اتسعت عيناي، وعجز لساني عن إسعافي بأي كلمة، بينما سرت في جسدي حرارة مباغتة كالنار.لم يمهلني عمران أي فرصة لأستوعب ذهولي، بل أخذ يقترب مني خطوة تلو الأخرى، وهو يمحو كل المسافات الفاصلة بيننا، حتى شعرت بأنفاسه الحارة وهي تختلط بأنفاسي، مما زاد من اضطرابي وتوتري. لم أعد أدرك ما يدور حولي؛ فقد استسلم جسدي بالكامل لهذه اللحظة الحميمية المفاجئة، واغرورقت عيناي بدموع لم أعرف إن كانت من فرط الصدمة أم من مشاعر أخرى غامضة.عشت لحظة مثالية يملؤها السحر، ولكن سرعان ما تبدد كل شيء، حين وجدت عمران نفسه يهز كتفي بقوة ليوقظني من النوم.نعم، لقد كان مجرد حلم، وهما عابرا نسجه عقلي لا أكثر.فور استيقاظي ورؤيته شاخصا أمامي، اجتاحتني موجة عارمة من الحرج والارتباك؛ فقد كانت تف
بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي
تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا
أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسم
مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في ش
- بإمكاني مساعدتك في علاج والدتك ونقلها إلى الخارج. تجمدتُ في مكاني للحظات عند رؤية عمران، وغرقتُ في تفاصيل وجهه التي حاولتُ نسيانها طويلا. رغم حدة ملامحه، وجدتُ نفسي أتأملها بتركيز لم أحصل عليه يوما؛ تبرز عيناه البنيتان من خلف رموشه الطويلة التي تظلل نظراته، وتلتقي اللحية المهذبة بحدود فكه القو
لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها ع







