Share

الفصل 6

last update publish date: 2026-05-22 14:30:53

تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.

لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.

لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:

- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟

ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة.

نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:

- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟

ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان.

لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غابت تماما عن حياتي مع غياب عمران، وها هي الآن تعود معه في أكثر لحظات حياتي خطورة.

وعلى الرغم من تلك المشاعر الجميلة التي اجتاحت كياني وأعادت إليّ نبض الحياة، إلا أن قلبي لم يتوقف عن الاضطراب الخائف.

كنت أرتجف رعبا على عمران من تهور إياد وطيشه، ورغم مظهر إياد المخيف وهيأته التي تقطر شرا، إلا أنه كان من الواضح أنه خائف أيضا من عواقب فعلته؛ إذ يدرك جيدا خطورة المكان، ويريد سحب عمران إلى مكان آخر منزو بعيد عن أنظار رجال الشرطة المنتشرين.

لذلك، كان يتحدث بصوت منخفض حذر، وهو يجز على أسنانه بغيظ مكتوم يحرق أنفاسه.

التفت إلينا، ثم قال مهددا، وبنبرة يملؤها الحقد:

- تعال وتقدم إلي إن كنت رجلا.

استشاط عمران غضبا، وبدت عليه علامات الاندفاع وكأنه يوشك على خطو خطواته نحو الهلاك، لولا أنني تشبثت بقميصه بقوة، انهمرت دموعي وبدأت أرجوه وأتوسل إليه ألا يتحرك، فأنا أعرف جيدا جنون إياد ورغبته في قتله، ولم أكن مستعدة أبدا لخسارة شخص أعزه وأريد بقاءه.

نظرت إليه وبصوت يرتعش، يملؤه التوتر والرجاء، توسلت إليه:

- عمران، أرجوك دعنا نذهب من هنا... لا تشتبك معه.

لم يجب عمران في بادئ الأمر، وبدا لي وكأنه في عالم آخر، أو كأن كلماتي لم تجد طريقا إلى مسامعه، ثم نجح في كبح جماح نفسه وتوقف بشق الأنفس.

في تلك اللحظة الحرجة، بصق إياد على الأرض باحتقار، ووجه لي نظرات نارية يملؤها الغل، ثم قال بصوت متهكم:

- أيتها الخائنة، تخافين عليه! منذ متى وأنت تخونينني معه؟ وكيف تجرأت على الزواج منه؟

زمجر عمران غاضبا، وبرزت عروق عنقه من شدة الحنق، وحاول الاندفاع نحو إياد لولا أنني تمسكت بقميصه مرة أخرى بكل ما أوتيت من قوة.

وجه عمران إصبعه نحو إياد، وصرخ فيه مهددا:

- أيها النكرة، ستندم على كل كلمة عفنة خرجت من فمك، فهي لا تمثل إلا دناءة أفكارك وتربيتك.

لم يتراجع إياد أمام هذا التهديد، بل ازداد تهوره واشتعلت ملامحه بالحقد وهو يصيح:

- بل أنت من سيندم هنا، وستدفع الثمن غاليا.

ضحك عمران باستهزاء، وقال بنبرة متهكمة:

- انتظر، لدي هدية لك ستلجمك على الفور، وسنرى حينها إن كنت ستملك الجرأة لتنفيذ تهديدك.

تسمّرت في مكاني وأنا أشعر بذهول شديد حين رأيت عمران يخرج هاتفه من جيبه، ثم أشار بيده في هدوء وثقة.

في تلك اللحظة المشحونة، اقترب إياد خطوة إضافية، وهتف بغضب أعمى:

- ستموت أيها النذل!

لم تهتز شعرة في عمران، بل رد بثقة مطلقة:

- أي مكروه يصيبني، أو حتى مجرد شائعة عن موتي، ستكون هذه إشارة للذين يحتفظون بالنسخ الاحتياطية لكي ينشروا كل الصور والملفات التي تدينك أمام القضاء.

سأله إياد بحدة، والارتباك بدأ يتسلل وراء قناع القسوة على ملامحه، بينما تصاعدت شرارات الغضب في عينيه:

- أي صور وملفات تتحدث عنها أيها الخسيس؟ هل تظن حقا أنني سأخاف من أوهامك؟

لم يجبه عمران بكلمات، بل ضغط على شاشة هاتفه مرسلا ما لديه، ثم رفع رأسه ونظر إليه ببرود قائلا:

- افتح الفيديوهات الآن، وسترى بعينيك الدلائل التي ستجعل نهايتك قريبة جدا، وعندما تنتهي من المشاهدة، لك مطلق الحرية في اختيار مصيرك: إما أن أنشرها وتتعفن في السجن بقية عمرك، أو ترحل من هنا فورا دون رجعة، وتغيب عن أنظارنا للأبد.

فتح إياد الملف الذي أرسله عمران عبر هاتفه، وفي تلك اللحظة بالذات، تلاشت ملامح التحدي عن وجهه دفعة واحدة، وحل محلها ارتباك شديد نهش تفاصيله التي احتقنت بلون دموي من فرط الغضب والحنق.

ساد صمت طويل وثقيل، صمت كان كفيلا بأن يعري انكساره تماما أمامنا، ثم قال بصوت متلعثم يفيض بوعيد باهت لم يعد يخيف أحدا:

- سأذهب الآن.. ولكنني أعدك، سأنتقم.

استدار إياد نحو سيارته، ثم انطلق بها بسرعة جنونية مخلفا وراءه غبار الطريق، ليغادر المكان وينتهي الكابوس الذي كان جاثم على صدورنا.

تنفست الصعداء بعمق، وشاركني عمران الزفير ذاته وكأن جبالا انزاحت عن عاتقنا، التفت إلي، وتسلل القلق إلى نبرته وعينيه وهو يسأل:

- هل أنت بخير؟

أجبته بابتسامة خافتة تكاد لا تبين، أحاول بها مداراة الاضطراب الذي ما زال يعتمل في صدري:

- أنا بخير، لا تقلق.

لم تكد تمضي دقائق معدودة على رحيل إياد، حتى اقترب منا اثنان من رجال الشرطة المتمركزين أمام المحكمة بعد أن تناهى إلى مسامعهم صوت الشجار العالي والكلمات الحادة التي ألقاها إياد قبل مغادرته.

نظر إلينا الضابط بنظرات فاحصة متسائلة، وبادرنا بالسؤال عما إذا كان هناك أي خطب، أو إذا كنا بحاجة إلى مساعدة عاجلة.

في تلك اللحظة الحرجة، التفت إلي عمران وهدأت ملامحه تماما، ثم التفت نحو الضابط وأجابه بنبرة هادئة، حاول بها تبديد أي شكوك:

- لا يوجد ما يستدعي القلق أيها الضابط، كل ما في الأمر أنه كان خلافا عابرا ونقاشا حادا مع أحد المعارف، وقد غادر المكان قبل قليل، نحن بخير تماما، شكرا لاهتمامكم وحرصكم.

أومأت أنا الأخرى برأسي مؤكدة كلماته، محاولة رسم ابتسامة هادئة على وجهي لإقناعهم بأن الأزمة انقضت.

تبادل الشرطيان النظرات للحظة، ثم تمنيا لنا يوما آمنا وانصرفا عائدين إلى موقعهما.

بعد أن اطمأن عمران على سلامتي، اصطحبني إلى أحد الفنادق القريبة لنقضي فيه تلك الليلة قبل موعد سفرنا. حرص عمران على حجز غرفتين متقابلتين، ليحافظ على المسافة الفاصلة بيننا، ويمنح كل منا خصوصيته التامة داخل غرفته.

ورغم علمي اليقين بأن هذا الزواج ليس سوى زواج مصلحة باتفاق واضح، إلا أنني شعرت براحة غامرة تتدفق داخل قلبي؛ ربما لأنني أدركت أخيرا أن أمي ستكون في أمان، وستبتعد نهائيا عن قسوة خالي وجبروته، خاصة بعد أن وعدني عمران بصدق أنها ستعيش بجواري، وسيكون بيتها قريبا من بيتنا، بل وسيوفر لها من يخدمها ويرعاها في محنتها المرضية.

كان هذا الوعد وحده كافيا لأن يعيد إلى نفسي الطمأنينة التي ظننت أنني فقدتها للأبد في دروب الحياة الموحشة.

أصبحت تلك الراحة التي غمرتني في الفندق استثنائية وعميقة، ليس فقط لأنني تخلصت أخيرا من قيود إياد وتهديداته، وعناء العمل المستمر، بل لأنني شعرت، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بأنني أتنفس بحرية حقيقية.

كان النوم في تلك الليلة وادعا ومسالما إلى حد بعيد، لدرجة أنني استغرقت فيه حتى تجاوزت موعد الرحلة المحددة.

ولما عاتبت عمران لاحقا والملامح المستاءة ترتسم على وجهي، وسألته قائلة:

- لماذا لم توقظني من نومي؟ لقد فوتنا موعد الرحلة المحددة بسببي!

نظر إلي بعينين تفيضان بالدفء والحنان، ورد علي ردا هادئا جعل كل حصوني الدفاعية تنهار تماما أمام فيض هذه المشاعر المباغتة، إذ قال لي بنبرة رقيقة:

- لم أشأ أن أزعجك أو أفسد عليك نومك.. لقد مررت بيوم عصيب ومليء بالخوف والضغط، وكان جسدك ونفسك بحاجة ماسة إلى هذه الراحة... لا تقلقي، أما الرحلة فسنلحق بها بأي طريقة كانت.

كانت كلماته البسيطة والعميقة في آن واحد كفيلة بأن تذيب بقايا الجليد في قلبي، وتجعلني أدرك كم هو حريص على راحتي وأماني، حتى في أدق التفاصيل التي كنت أظنها عبئا عليه.

لكن القدر كان رحيما بي هذه المرة؛ إذ تبين أن لعمران صديقا مقربا، وهو رجل أعمال ذو نفوذ واسع يمتلك طائرة خاصة، وكان متجها إلى ألمانيا في رحلة عمل، فرتب عمران الأمر وانضممنا إليه في رحلته.

كانت هذه هي المرة الأولى التي أطأ فيها أرضا خارج حدود بلادي، ووجدت نفسي مأخوذة تماما بجمال "برلين" التي استقبلتنا بهدوئها المهيب وأناقتها الساحرة التي لا تشبه أي شيء رأيته في حياتي.

كانت العاصمة الألمانية أشبه بلوحة جميلة تتمازج فيها عراقة التاريخ بأحدث مظاهر المستقبل، أبنيتها الضخمة ذات التصاميم الكلاسيكية تقف في شموخ بجوار المباني الزجاجية التي تعكس أضواء النهار.

أما شوارعها فكانت واسعة، شديدة التنظيم، وتضج بحياة هادئة، حيث تمتزج أصوات المارة من مختلف الأجناس واللغات بأصوات الدراجات الهوائية التي تجوب الطرقات.

كان الهواء يحمل نسمات باردة ومنعشة تداعب الوجوه بلطف حتى في وضح النهار، بينما تنبعث رائحة القهوة الطازجة من المقاهي الدافئة المنتشرة في كل زاوية، حيث يجلس الناس يتبادلون أطراف الحديث بسكينة.

تمنيت في قرارة نفسي، وأنا أراقب هذا العالم الجديد، لو يطول بي المقام هنا إلى الأبد، بعيدا عن أشباح الماضي الصاخب ووجوه الحقد والظلم التي تركتها خلفي.

كانت ألمانيا تمنح الروح شعورا دافئا بالحرية، وتجبرك على أن تؤمن بأن الحياة لا تزال تخبئ في طياتها تفاصيل جميلة تستحق أن تُعاش.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل الثامن

    بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل 7

    جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل 6

    تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل 5

    أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج:- عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه:- مرحبا.ابتلعت ريقي وتجرأ

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل4

    مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في شركة خالها هناك.ووصلتني الأخبار مؤخرا أن عمران صار يعمل معها في تلك الشركة نفسها، يتقاسمان المبنى ذاته والروتين اليومي معا.لقد اختارا بكامل إرادتهما أن يبنيا حياتهما بعيدا عن أرض ذكرياتنا، ونجحا في التحليق معا نحو قمة النجاح والاستقرار، بينما بقيت أنا هنا، أراقب ذلك الصعود من بعيد، من مسافة سحيقة تفصل بين عالمين لا يلتقيان.لكن، وبعد مرور سنة ونصف إضافية على تلك الحال، وصلني خبر مفاجئ مزق نياط قلبي وأعاد بعثرة مشاعري؛ لقد توفي ابن عمران البكر والوحيد.ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين من فورها، ولم أعد أعلم حينها أكان حزني الشديد هذا على الطفل الصغير الذي لم أره يوما ولم أقبله، أم كان على قلب عمران المفجوع، ذلك القلب الذي أعرف جيدا كم هو رقيق وحنون، وكم سيكون من الصعب عليه احتمال هذا الفقد ال

  • حين يعود حبيبي لي   الفصل 3

    لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status