登入أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.
اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف: - كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج: - عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه: - مرحبا. ابتلعت ريقي وتجرأت أخيرا، مستجمعة بقايا شجاعتي لأقول: - أريد أن أطلب منك طلبا.. هل يمكنك تأجيل الزواج؟ على الأقل حتى تتحسن حالة أمي و... لكنه لم يمهلني حتى أتم حديثي، بل قاطعني بنبرة حادة وصوت يملؤه الغضب: - أهذا كل ما لديك؟ تتصلين بي لتقولي هذا الهراء؟ اسمعي جيدا، هذه آخر مرة سأكرر فيها شرطي؛ إذا لم توافقي، سأبحث عن غيرك. تسلل ضيق خانق إلى أعماقي من فرط قسوته وجفافه، وتساءلت في سري بذهول وصدمة: -هل هذا هو عمران الذي عهدته طيبا وحنونا؟ أم أنني أمام رجل آخر غريب يرتدي ملامحه فقط ليرعبني؟ لم أحتمل هذا الجبروت فتأففت بمرارة، ثم قلت بحدة وقد بدأت أفقد السيطرة على هدوئي: - ألا تدرك ما تقوله؟ إن علمت أمي بالأمر فقد تتدهور حالتها أكثر. قاطعني مجددا، وبدا أن غضبه قد بلغ ذروته وهو يصيح: - أمك تحتاج لعملية عاجلة، ولا داعي لتخبريها بحقيقة زواجنا...اخلقي أي عذر تقنعينها به، المهم هو تنفيذ الاتفاق. والآن، هل أنت موافقة؟ أم أبحث عن غيرك؟ جثم موقفه القاسي على أنفاسي حتى كدت أختنق، وشعرت بجدران الغرفة تضيق من حولي، ولم أجد من مفر أو مهرب أمام حاجتي لإنقاذ أمي، فوافقت على السير في هذا الطريق الذي رسمه لي مجبرة ومسلوبة الإرادة. وما إن سمع موافقتي حتى أنهى المكالمة بلهجة حازمة: - لا تتصلي بي نهائيا؛ سأقوم أنا بالاتصال بك حين أحتاج لذلك، وسأخبرك بالخطوة القادمة. في اليوم التالي، وبعد أن هدأت عاصفة مشاعري بعض الشيء واستعدت توازني الهش، جاءني اتصال من عمران يطلب مني الاستعداد، معلنا أن اليوم هو الموعد المحدد. أخذت أفكر في كلامه وإصراره الغريب على هذا الزواج السريع، وصرت أتساءل بريبة عن دوافعه الحقيقية التي تخفيها تلك الملامح الجافة والنبرة القاسية؛ هل يسعى حقا للانتقام؟ هل يريد أن يرى لين تعاني كما عانى هو من فقدان ابنه؟ في تلك اللحظة، تذكرت مأساة ابنهما الراحل، حين قيل إن لين انشغلت بهاتفها وتركت الباب مفتوحا بلا اكتراث، ليزحف الصغير نحو المسبح ويغرق وحيدا دون أن يشعر به أحد. بدا لي الآن، وأنا أربط الخيوط ببعضها، أن عمران يريد أن يعذب لين فوق عذابها لفقدانها ابنها، وللأسف الشديد، لم أكن في عينيه سوى وسيلة ضمن خطته المحبوكة للانتقام. مع هذا الخاطر المرعب، انهارت دموعي بغزارة بينما كنت أتحدث إليه، وعجزت تماما عن السيطرة على شهقاتي التي تعالت حتى تشنجت أنفاسي في صدري، وأصابني شعور شديد بالضيق والاختناق جعلني أتساءل في داخلي بمرارة وانكسار: -هل يعقل أن أكون مجرد أداة يستخدمها لتحقيق رغبته في الانتقام؟ لماذا لا أحظى بأيام جميلة أبدا؟ تلاشت شهقاتي تدريجيا وحل بيننا صمت ثقيل ومخيف، ثم قطعه صوته الذي جاء من الطرف الآخر مناديا بقلق: - شهد! شهد! هل أنت بخير؟ أجيبي! استعدت أنفاسي بصعوبة بالغة وطمأنته أنني بخير، مكتفية بذلك الرد المقتضب، فتنهد بعمق وأغلق الهاتف. لكن ما إن مرت لحظات قليلة حتى عاد واتصل مجددا، وكأن قلقه تلاشى وحل محله حسمه المعتاد، ليقول: - جهزي نفسك، موعدنا اليوم. سألته بتردد ممزوج بالخوف: - وخالي؟ لم أخبره بشيء بعد، هل يعرف هو الآخر؟ قاطعني قائلا: - كل شيء جاهز، خالك ينتظرك في الخارج للتوجه إلى المحكمة. اخترت ملابسي بهدوء، ملابس عادية جدا، قميص أبيض واسع، وسروال أسود بسيط، وجمعت شعري للخلف. تأملتُ وجهي الشاحب في المرآة جيدا قبل الخروج، بدت عيناي الخضراوان مرهقتين، وشعري البني باهت. لم أرد أن أتأخر، وضعت القليل من المكياج يكاد لا يرى، ثم حملت أوراقي وخرجت. توجهنا أولا إلى المأذون لإتمام العقد، ثم إلى المحكمة لتثبيته رسميا أمام القانون. ما لفت نظري هو تصرف خالي المفاجئ، كان في غاية السعادة، يغمرني بترحيبه، ويحتفل بزواجي من عمران وكأنني فزت بكنز ثمين. كانت خالتي تشاركه تلك الفرحة المريبة، بينما كانت ابنة خالي تنظر إلي بنظرات الغيظ والحقد التي لم تحاول إخفاءها. لم أجد تفسيرا واحدا لهذا الحماس المبالغ فيه تجاه زواج أعلم في قرارة نفسي أنه قائم على صفقات ومصالح، لا على الود والمحبة. حضر مراسم عقد القران خال عمران وأحد أعمامه، بينما كان خالي وخالتي هما الشهود من طرفي. انقضت كل المراسم بتهنئات باردة لا تحمل في طياتها أي شعور بالدفء، ثم غادر الجميع الواحد تلو الآخر عائدين إلى منازلهم، فلم يتبقَّ أمام مبنى المحكمة سوى أنا وعمران. كسر الصمت الثقيل حين أخبرني أن إجراءات نقل والدتي إلى ألمانيا قد بدأت بالفعل، وأننا سنلحق بها بعد غد. سألته بلهفة عن الشخص الذي سيرافقها في هذه الرحلة الحرجة، فأجابني بهدوء طالبا مني ألا أقلق، وأخبرني أنه خصص طاقما طبيا متكاملا للعناية بها، وأن أخته "دنيا" ستكون معها في كل خطوة لتطمئن قلبي. شعرت براحة كبيرة غمرت كياني، فقد زال ذلك الثقل الجاثم على صدري منذ زمن. تنفست بعمق لاستعيد توازني بعد كل هذا العناء، وقبل أن نخطو خطواتنا باتجاه السيارة، اخترق سكون المكان صوت جهوري صرخ من بعيد بنبرة مفعمة بالغضب: ـ أيها الخونة، كيف تفعلون هذا بي!بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي
تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا
أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج:- عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه:- مرحبا.ابتلعت ريقي وتجرأ
مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في شركة خالها هناك.ووصلتني الأخبار مؤخرا أن عمران صار يعمل معها في تلك الشركة نفسها، يتقاسمان المبنى ذاته والروتين اليومي معا.لقد اختارا بكامل إرادتهما أن يبنيا حياتهما بعيدا عن أرض ذكرياتنا، ونجحا في التحليق معا نحو قمة النجاح والاستقرار، بينما بقيت أنا هنا، أراقب ذلك الصعود من بعيد، من مسافة سحيقة تفصل بين عالمين لا يلتقيان.لكن، وبعد مرور سنة ونصف إضافية على تلك الحال، وصلني خبر مفاجئ مزق نياط قلبي وأعاد بعثرة مشاعري؛ لقد توفي ابن عمران البكر والوحيد.ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين من فورها، ولم أعد أعلم حينها أكان حزني الشديد هذا على الطفل الصغير الذي لم أره يوما ولم أقبله، أم كان على قلب عمران المفجوع، ذلك القلب الذي أعرف جيدا كم هو رقيق وحنون، وكم سيكون من الصعب عليه احتمال هذا الفقد ال
لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكا







