登入لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل.
بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكامل وتنقله من ضيق الفقر إلى سعة الغنى، ومن التعب والمشقة إلى الراحة والاستقرار. فكري في مصلحته يا شهد، وكوني عاقلة، أنت في النهاية مقيدة بمرض والدتك وظروفك الصعبة، والارتباط بك لن يزيده إلا هما وثقلا لو جارك في هذا الحب وتزوجك. تجمدت الدماء في عروقي، واجتاحت جسدي حرارة مفاجئة غطت على برودة قلبي، تمنيت لو تنشق الأرض وتبتلعني، لتواري خجلي العارم وانكساري المرير أمامها. ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين، وظللت صامتة لثوان بدت كأنها دهر، بعد ذلك الصمت الثقيل، استجمعت بقايا كبريائي الجريح، وقلت بصوت واهن محاولة التماسك والثبات: - ليس لدي أي مشاعر تجاه عمران، لابد أنه أساء فهم الأمر ليس إلا، فالإعجاب لا يعني الحب بالضرورة. أخبريه ألا يشعر بالإحراج أبدا، وأتمنى له كل التوفيق والنجاح في حياته الجديدة. أدرت ظهري لها وعدت إلى البيت أهرول بخطى متعثرة، كأنني أهرب من نظرات لين الشامتة، ومن الحقيقة القاسية التي واجهتني بها دون رحمة. ما إن دلفت إلى غرفتي حتى ارتميت فوق فراشي، وأخذت أبكي بحرقة ومرارة حتى جفت دموعي، واستنفدت روحي كل ما تملك من طاقة، ومع هدوء نحيبي، بدأت أنهش نفسي بأسئلة لا أجد لها جوابا: - لماذا لم يكلمني عمران بلسانه؟ لماذا لم يمتلك الشجاعة ليأتي ويخبرني بنفسه أنه لا يبادلني الشعور؟ لقد وضعني في موقف غاية في الإحراج أمام تلك المتعجرفة، وتركني وحيدة أداوي كرامتي المهدورة. نمت في ذلك اليوم طويلا، ولم أعد أشعر بأي شيء حولي، وكأنني فقدت الوعي تماما، أو مت ثم عدت مرة أخرى إلى الحياة، حتى اتصالاته المتكررة لم أرد عليها، لم تكن لدي أدنى رغبة في سماع صوته، فقد اكتفيت بما تجرعته من إحراج ومهانة، ولم أعد أحتمل إضافة خيبة أخرى إلى رصيدي المثقل بالهموم. لم أفق من دوامة حزني الغارقة فيها إلا على صوت خالي الجهوري وهو يقتحم خلوتي بصرامة جردت المكان من سكينته وهدوءه، قائلا بنبرة حاسمة: - شهد، انهضي فورا... هناك من تقدم لطلب يدك، جهزي نفسك. نزلت كلماته علي كالصاعقة التي هزت كياني، فبينما قلبي المكسور يحاول بجهد أن يلملم شتات خيبته من عمران، كان القدر يسوقني نحو مصير جديد لا أملك من أمري فيه شيئا، وكأن وجع فقدان الحلم لم يكن كافيا، ليتدخل وجع الواقع ويطبق بقسوة على ما تبقى من أنفاسي. صرخت في وجهه بذهول: - كيف ذلك؟! أنا لم أوافق على أحد، ولم يأخذ أحد رأيي! اقترب مني والغضب يتطاير من عينيه، ثم صاح بي بنبرة قاسية: - وهل سأنتظر موافقتك؟ أمك تموت على فراشها وأنت لا تملكين ثمن علاجها، وأنا لن أبيع قطعة أرض من أملاكي من أجلها. تزوجي وليتكفل زوجك بمصاريف علاجها ويريحنا من هذا العبء. نظرت إليه بذهول غسل ملامحي، وقلت بصوت مخنوق بالتعب والخذلان: - لماذا تفعل هذا يا خالي؟ هذه أختك من لحمك ودمك! لم يرق قلبه لكلماتي، بل ظل متمسكا بجحوده الشديد، ذلك الجحود الذي كان سببا في تركي للدراسة باكرا، وجعلني أعافر وأعمل في مصنع للحلويات لساعات طويلة ومضنية، بينما كانت صديقتي الوفية "نور" -التي لن أنسى جميلها ما حييت- تحل مكاني بجانب أمي المريضة لتعتني بها، وتسمح لي بالذهاب وجلب قروش قليلة كانت تسد الرمق لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي وسط تلك الدوامة من القهر، التمعت في عقلي فكرة عابرة جعلت ثغري يبتسم للحظة واحدة؛ ظننت فيها أن العريس المتقدم قد يكون عمران، وأن كل ما قالته لين لم يكن سوى مزحة ثقيلة، أو خطة مدبرة ليتم مفاجأتي في النهاية. فرحت بهذه الفكرة كثيرا، بل إنها تملكتني لدرجة أن مخيلتي أخذت تحيك خيوط مشهد رومانسيٍّ طالما حلمت به؛ مشهدٌ يظهر فيه عمران فجأة، ويقول لي بصدق يزلزل كياني: ها قد أتيتِ أخيرا، فأنا في الحقيقة أحبك. كنت أنتظر أن يقول خالي، وبكل بساطة أن العريس هو عمران نفسه، ليتوج قلبي بسعادة أبدية. تلك الأماني كانت تغذي روحي وتجعلني أتحمل مرارة الواقع، متخيلةً أن كل تلك الظروف القاسية وما حدث لي لم يكن إلا تمهيدا لهذا اللقاء المنتظر، ولتلك الكلمات التي لطالما تمنيت سماعها حتى أؤمن أخيرا أن الحب قد ينتصر على الظروف الصعبة. لكن الصدمة الأكبر التي زلزلت كياني؛ إن العريس كان "إياد"، ذلك الرجل الذي يفوح منه عبق المجون والتحرر، وتتحرك عيناه بنظرات لا تعرف الاستقرار، ويحيط نفسه دوما بصحبة سوء تثير الريبة والشكوك في نفوس الجميع. رفضت بشدة، وتوسلت إلى خالي باكية، لكنه لم يعرف الرحمة، بل استخدم لغة الضرب والإرغام لكسر إرادتي وإخضاع رغبتي. وفي تلك الأثناء، ظلت أمي راقدة في المشفى غافلة تماما عما يحدث خلف ظهرها من مؤامرات، ولم أرد إخبارها بأي شيء، كي لا يقتلها الهم والقهر قبل أن يتمكن منها المرض. وفي لحظة يأس عارمة، فكرت في الاتصال بإياد مباشرة، لعل في قلبه بقية من مروءة أو شهامة تجعله يترفع عن هذا الزواج القسري ويرفضه من تلقاء نفسه. حادثته عبر الهاتف، وشرحت له وضعي بوضوح تام، وكشفت له عن عدم رغبتي في هذه الزيجة، لكنه كان كالجدار الأصم الذي لا تنفذ إليه الكلمات، قال لي بلهجة واثقة مستفزة زادت من بؤسي: - أنا أحبك ولن أتركك تضيعين من يدي، وأعدك بأنني سأتولى علاج أمك وأتكفل بكل مصاريفها. تخليت عن عنادي وإصراري في النهاية حين قطع إياد ذلك الوعد الجازم بتكفل كل مصاريف وعلاج أمي. وافقت على مضض، واستسلمت للأمر الواقع وفي أعماق قلبي غصة مريرة ووجع يعجز اللسان عن وصفه أو البوح به. وهكذا، تمت خطبتي من إياد بشكل رسمي، وجرت مراسمها كما اتفقنا تماما؛ في غرفة المستشفى وأمام أمي الراقدة هناك. وخلال تلك الدقائق، لفني حزن صامت وكئيب، حزن حاولت جاهدة إخفاءه بابتسامة مصطنعة، لكنه لم يفت على أمي التي كانت تبدو شاحبة وواهنة من أثر الأدوية. ورغم كل ذلك الثقل، سرت في أركان البيت نبرة تفاؤل كنا نفتقدها منذ زمن؛ فقد زف إلينا الأطباء خبرا بأن حالتها الصحية بدأت تتحسن بشكل ملحوظ، وأن موعد عمليتها الجراحية المستعجلة بات قريبا جدا. كان هذا الخبر بمثابة النور الوحيد الذي أضاء عتمة قلبي، والدافع الذي جعلني أشعر، ولأول مرة وسط هذا الركام، ببارقة فرح حقيقية. مر يومان كاملان على خطبتي، ولم يظهر عمران في الأرجاء قط، كان في السابق دائم الحضور، لا يغيب عن ناظري؛ يساعدني في نقل أمي إلى المستشفى، ويتحمل عناء شراء الأدوية اللازمة، ويهتم بأدق تفاصيلنا الصغيرة بنبل شديد. غيابه المفاجئ مريبا، وللحق، ظننت في لحظة ضعف أن غيابه هذا ما هو إلا دافع من دوافع الغيرة أو الغضب بسبب خطبتي، فخالط روحي فرح خفي، وابتسم قلبي المتعب لهذا الخاطر العابر الذي دغدغ مشاعري. وقلت في نفسي: - ربما نقلت لين كلامه بشكل خاطئ، أو لعلها كذبت علي من الأساس لتفرق بيننا. لكن مر يومان آخران، ولم يظهر لعمران أي أثر، أو حتى اتصال، أو يرد على اتصالاتي. وهنا دفعني فضولي الشديد وقلقي الساكن في الجوانح لمعرفة ما يحدث معه وما وراء هذا الاختفاء. خرجت وقصدت دارين، فصادفتها تمشي في الشارع في طريق عودتها إلى بيتها، سألتها بلهفة واضحة لم أستطع مداراتها، إلا أن ردها جاء جافا وقاسيا على غير العادة؛ أخبرتني بنبرة حاسمة أن عمران منشغل للغاية بالاستعداد لحدثين جميلين ومصيريين في حياته: - حفل تخرجه القريب، وخطبته الرسمية على لين. صعقت في تلك اللحظة صدمة ألجمت لساني، وشعرت بضغط دمي يهوي فجأة إلى القاع، بينما سرت حرارة غريبة ولاذعة في كامل جسدي كأنها تلتهمه. كان الخبر كزلزال عنيف هز أركان روحي وأحالها خرابا، ورغم أنني كنت أشك دائما في داخلي باحتمالية زواجهما، إلا أن مواجهة الحقيقة كانت أثقل من أن تحتمل، فهما في النهاية يبدوان من الخارج ثنائيا مناسبا ومتوافقا تماما. تركت دارين التي عاملتني بفظاظة وجفاء؛ فقد سرت شائعات في الحي بأنها معجبة بإياد، وظنت واهمة أنني أخذته منها، وعدت أدراجي إلى البيت بخطى متثاقلة تحمل ثقل العالم فوق كتفي. هناك، في عزلتي، نزعت خاتم خطبتي من إصبعي ورميته جانبا باستهجان، وانفجرت في بكاء مرير وحرقة. ربما بسبب ذلك الأمل الواهن الذي يعيش في داخلي؛ بأن يظهر عمران فجأة أمام بابي، ليقول لي بنبرة رجاء: - افسخي خطبتك فورا.. فأنا أحبك أنت. أحبك... هذه الكلمة ظلت تتردد في عقلي بشكل هستيري ومؤلم في ذلك الوقت، كأنها صدى يرفض الخمود. أخذت أسأل نفسي بعجز: - لا أعلم لماذا كان يرمقني دائما بنظرات تفيض بالإعجاب والدفء إن كان لا يكن لي في أعماقه مشاعر حب حقيقية؟ أيعقل أن تكون كل تلك النظرات والاهتمامات مجرد شفقة على حالي وحال والدتي المريضة؟! استسلمت في النهاية لتعبي، وتركت كل شيء حولي وغصت في نوم عميق، هربا من أفكار لا تتوقف تنهش في كل موقف مررت به وكل خيبة تجرعتها.بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي
تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا
أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج:- عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه:- مرحبا.ابتلعت ريقي وتجرأ
مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في شركة خالها هناك.ووصلتني الأخبار مؤخرا أن عمران صار يعمل معها في تلك الشركة نفسها، يتقاسمان المبنى ذاته والروتين اليومي معا.لقد اختارا بكامل إرادتهما أن يبنيا حياتهما بعيدا عن أرض ذكرياتنا، ونجحا في التحليق معا نحو قمة النجاح والاستقرار، بينما بقيت أنا هنا، أراقب ذلك الصعود من بعيد، من مسافة سحيقة تفصل بين عالمين لا يلتقيان.لكن، وبعد مرور سنة ونصف إضافية على تلك الحال، وصلني خبر مفاجئ مزق نياط قلبي وأعاد بعثرة مشاعري؛ لقد توفي ابن عمران البكر والوحيد.ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين من فورها، ولم أعد أعلم حينها أكان حزني الشديد هذا على الطفل الصغير الذي لم أره يوما ولم أقبله، أم كان على قلب عمران المفجوع، ذلك القلب الذي أعرف جيدا كم هو رقيق وحنون، وكم سيكون من الصعب عليه احتمال هذا الفقد ال
لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكا







