LOGINبدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل.
شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب. غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه. أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه. في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل. لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة. والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقتها من التعب لأقرأ. تأملت الكتاب في يده لهنيهة، وشعرت أن الرواية هي مفتاحي لكسر هذا الصمت المطبق. فالكثير من القراء يجدون متعة خاصة في مناقشة العوالم التي يسافرون عبرها، ومشاركة آرائهم حولها. فقررت أن أفتح معه حديثا يخص تفاصيل الرواية؛ أردت أن أدفعه للنقاش، وربما للجدال أيضا، علّه يجد في الكلمات مخرجا من حزنه، وينسى ولو قليلا، ذلك المشهد الذي استنزف روحه. وقبل أن ألفظَ أي حرف، باغتتني مقارنة جعلتني أندهش؛ ثمة تفاصيل عاشها "أوكونكوو" بطل الرواية تشبه إلى حد كبير ما يمر به عمران، فقد تحمل أوكونكوو المسؤولية باكرا، طفلا يخجل من والده الذي رحل دون ألقاب تُذكر في قريته، فصنع مجده بنفسه كفاحا، هربا من أن يشبهه، وسعيا إلى أن يكون من سادة القوم. هذا ما حصل تماما مع عمران؛ لقد حاول هو الآخر أن يصنع مجده بنفسه، وكافح جاهدا كي لا يعود إلى قسوة الحياة التي ذاقها سابقا، غير أن الفارق بينهما يكمن في عمق المشاعر. فعمران لا يخجل من والده أبدا، بل يفيض قلبه بالفخر به وبعطائه؛ فذلك الأب لم يتركهم لحظة واحدة، وقبل أن يهدّه المرض والضعف، كان يحارب الحياة باستماتة وتضحية لتأمين العيش الكريم لهم. ارتسمتْ على شفتيَّ ابتسامة خفيفة تعقيبا على هذا الشبه الذي دفع كلا من "عمران وأوكونكوو" لتغيير مسار حياتهما والتمرد على واقعهما السابق. وقلت بصوت منخفض، وبنبرة تحمل كل ترددي وخوفي من ألا يجدَ كلامي أي صدى أو اهتمام لدى شخصٍ غارق في حزنه كعمران: - ما رأيك في أوكونكوو الذي ظل يعتقد حتى اللحظة الأخيرة أنه يناضل كي لا تُداس كرامته...لكني أرى أنه كان يحارب نفسه قبل أي شيء. يحاول ألّا يكون نسخة ثانية من والده، ذلك الأب الذي دفعه إلى أن يسحق نفسه كي يحظى بلقب تعترف به القرية ليكون من سادتها، وجعله يتبنى فكرة التعامل بفظاظة مع أهل بيته لإثبات رجولته، ويخفي أي تعاطف لأنه عدّه ضعفا. لم يرد عمران عليّ في بادئ الأمر؛ مرت ثوانٍ من الصمت الثقيل حتى استصغرت نفسي وشعرت بالحرج، وظننت أنني لم أستطع إيصال الفكرة بالشكل المطلوب، أو أنني تطفلت على خلوته وسرقته من أفكاره. ولكنه، وعلى عكس مخاوفي، أغلق الكتاب بهدوء، وتنهد تنهيدة خرجت من أعماقه قبل أن يرد: - لا أرى أن السبب كان والده وحده، بل إن للمجتمع بقوانينه الصارمة له دور كبير في تشكيل شخصيته تلك. غير أن تأثير أونكا، والد البطل، كان الأعمق في ترك الأثر على تكوينه النفسي، لدرجة أنه عندما رأى في ابنه الأكبر ملامح وصورة والده، ازداد قسوة عليه خوفا من تكرار الخيبة. سكت قليلا ثم تابع قائلا: - ونجد أثر ذلك جليا في تساؤله المرير عن كيف لرجل بقوته وسلطته أن ينجب ابنا ضعيفا لا يشبهه. ورغم أنه حاول جاهدا تغييره، إلا أنه في النهاية أدرك بمرارة ما عبّر عنه بقوله: إن النار قد تلد رمادا أيضا. ابتسمت ابتسامة عريضة غمرت وجهي، مدفوعة بجمال هذه المناقشة وعمقها؛ كم كان ممتعا أن أجد أخيرا شخصا يقرأ، ويحلل الشخصيات ودوافعها بهذا العمق. كان كلامه رائعا ومرتبا، حتى شعرت برغبة ملحة تجتاحني للاستمرار في هذا الحديث، وأن نتطرق أكثر لعوالم الروايات والأفكار الفلسفية التي تطرحها. أفرحني كثيرا وأسعد قلبي حين قال لي بابتسامة خفيفة: - يسعدني أنك تقرأين بعمق. كلماته البسيطة هذه جعلتني أشعر بالفخر، لأنها أكدت لي أنه يلاحظ اهتمامي الحقيقي وفهمي لكل ما أقرأه، تماما كما لاحظت فيه ذلك. بدافع من هذا الحماس، بدأت أقلب ناظريّ بين الكتب المبعثرة على الطاولة أمامي. فاستوقفتني فجأة رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي. لقد قرأتها أيضا وتجرعت مرارة صفحاتها من قبل، في تلك اللحظة، دار في عقلي تساؤل مثير: - هل يا ترى يوجد وجه شبه بين بطلها وعمران، يفتح لنا بابا جديدا للنقاش؟.. هل تحمل الرواية فكرة تتقاطع مع أفكارنا، أو تعكس شبها بين ما عاشه البطل وما تجرعناه نحن في دروب حياتنا؟ امتدت يدي إلى الكتاب، وبدأتُ أقلبُ صفحاته ببطء، فقفزت إلى ذاكرتي تلك الفكرة السوداوية التي نبتت في رأس "راسكولينكوف"؛ حين أقنع نفسه بأن عجوز المراباة الجشعة، التي تعيش على استغلال حاجات الناس، لا تستحق الحياة، وأن التخلص منها لن يكون جريمة محضة، بل خطوة قد ترفع الظلم عن كثيرين. ومع مرور الوقت، تحولت تلك الفكرة في عقله من مجرد خاطر عابر إلى مبرر أخلاقي كامل شرعن له ارتكاب الجريمة. هنا، لسعني خاطر مفاجئ جعلني أرتجف؛ هل فعل عمران الشيء ذاته؟ هل نظر إلى فظاظة لين وعجرفتها، وإهمالها لابنهما الذي انتهى به المطاف غريقا في المسبح، فرأى في موته ذنبا لا يغتفر، ومبررا أخلاقيا يمنحه الحق في معاقبتها؟ وهل أقنع نفسه بأن زواجه مني ليس مجرد انتقام، بل هو نوع من تحقيق العدالة؟ هل جعل من ارتباطنا عقابا يذيقها به مرارة الفقد والإهمال؟! توقفت عن التحديق بالكتاب ونظرت إلى عمران، لأجده بدوره يحدق بي بنظرة غامضة. لم أستطع كتمان هذا التساؤل المريب في صدري أكثر من ذلك، ومع ارتفاع دقات قلبي وتصاعد حرارة جسدي بفعل التوتر، قررت أن ألقي بالسؤال أمامه: - برأيك.. هل يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بأن فعلا قاسيا أصبح عادلا، لمجرد أنه يرى الطرف الآخر مذنبا أو مستحقا للعقاب؟ لم يرد عمران كعادته فورا، واكتفى بالتحديق الطويل في عيني، غير أن نظرته هذه المرة كانت حادة، كأنه شعر بالخيط الخفي وراء سؤالي، واكتشف شيئا مخبأ بين سطور تساؤلي له، وخاصة بعد أن نظر إلى الرواية في يدي. وبعد صمت حبس أنفاسي، رد باقتضاب: - ماذا لو كان في ظاهره فعل قاس.. ولكنه في الحقيقة يرد الحق لأصحابه الحقيقيين؟ وخاصة بعد معرفة الحقيقة. شحب لوني وبهت وجهي؛ كانت هذه هي المرة الثانية التي تبلغ مسامعي فيها كلمة الحقيقة في هذا اليوم. سمعتها أولا من دنيا، والآن أسمعها منه.. حقيقة ماذا؟ عن أي حقيقة تتحدث دنيا ويتحدث عمران؟ وما هي تلك الحقيقة التي تملك من القوة ما يجعل من انتقامه القاسي ظاهريا مبررا مشروعا لما فعله؟ والسؤال الأكبر الذي بات ينهش عقلي: - هل حقيقة دنيا هي نفسها الحقيقة التي عند عمران؟ كنت على وشك أن أنطق بها، أن أسأله عن تلك الحقيقة التي تاهت بين ملامحه، لولا أن نهض عمران فجأة، قاطعا حبل أفكاري. تحرك بهدوء وجلب لنفسه غطاء، ثم ارتمى على الكنبة مستعدا للنوم، ونظر إلي قائلا بنبرة هادئة: - نامي على السرير في الغرفة هناك.. نامي باكرا، فغدا عملية أمك. تنهدت بعمق، وذهبت إلى الغرفة أجر أذيال الخيبة وراء خطوتي المثقلة بالحيرة. في البداية، استعصى النوم على جفوني؛ فالعقل كان يغلي بالتساؤلات، والتخيلات، والتحليلات التي لا تنتهي. ومع ذلك، وبفعل التعب النفسي والجسدي، استسلمت أخيرا ونمت دون أن أشعر بنفسي. ولكن، في منتصف نومي العميق، شعرت بلمسات توقظني. كان عمران يهز كتفي برفق إلى أن استيقظت تماما، فتحت عيني المثقلتين بالنوم. نظرت إليه وسط عتمة الغرفة، فإذا به يتأملني، ثم قال لي ببطء وحنان: - شهد.. أريد أن أعترف لك بشيء.بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها في وجه القلق لتعكس بها مجرى الحقيقة، وتداري ما يعتمل في داخلها من وجع مرير. فأنا ابنتها، وأعلم جيدا أنها عندما تكون فعلا بخير، لا تكتفي بهذه الكلمة العابرة، بل ترد علي بوجه مستبشر قائلة: -الحمد لله، أنا في أحسن حال. وضف على ذلك أنها تبتسم وتفرح من أعماق قلبها، وتدب في جسدها حركة ونشاط، فلا تتوقف عن الكلام العذب أو الحركة في أرجاء البيت.أما أن أراها مستلقية هكذا، هامدة، شاحبة، ومنطفئة الملامح، ولا تجد في مخزون تعبها ردا تطمئنني به إلا كلمة "بخير"، فهذا كان دليلي القاطع على أنها تخفي خلفها بحرا من الآلام والأحزان التي لا تود إثقال كاهلي بها.لم أدرِ لمَ لمْ تعلّق أمي على وجود عمران ودنيا في بادئ الأمر، لكني لمحت في عينيها ونظراتها تساؤلا صامتا عن سبب مجيئهما، حتى عمران، بدا وكأنه قرأ في عي
تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.لم تمض سوى ثوان حتى تحرك عمران بسرعة خاطفة لم أتوقعها؛ امتدت يده القوية لتمسك بيدي وجذبني خلف ظهره، واقفا أمامي وجاعل من نفسه سد منيع ليحجب عني كل خطر.لم أصدق ما تشهده عيناي في تلك اللحظات المتسارعة، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي المشوش وتطحن تفكيري:- هل يحميني عمران حقا بجسده من ذلك المسعور إياد؟ترقرقت الدموع في عيني، وشعرت بحرارة تتدفق في أوصال جسدي لتذيب ذلك التجمد الذي أصابني، بينما اضطربت دقات قلبي بشدة. نظرت إلى ظهره العريض الشامخ أمام الخطر، وسألت نفسي مرة أخرى بقلب مرتجف ونبضات متسارعة:- هل يعقل أنّ عمران يكن لي بعض المشاعر في أعماقه؟ما أجمل أن تكون محاطا بأشخاص مستعدين للتضحية بأرواحهم لمجرد أن تبقى في أمان. لقد اشتقت كثيرا لهذه المشاعر الدافئة، تلك الأحاسيس الصادقة التي غا
أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسمعون بأنني قبلت أن أكون زوجة ثانية؟ لم يكن المجتمع يرحم في مثل هذه المواقف، وثمة غصة أخرى كانت تخنقني، غصة تدعى "لين"، تلك الفتاة التي يصر الجميع على تصنيفها كصديقة مقربة لي، رغم أن حبل علاقتنا لم يكن يوما عميقا، ولم أشعر قط بذلك القرب الروحي الذي يظنه المحيطون بنا. حين بلغت القلوب الحناجر ولم أعد قادرة على تحمل هذا الضغط النفسي المتراكم الذي ينهش روحي، وجدت أصابعي تتحرك نحو الهاتف، وبعد تردد طويل وصراع مرير بين التراجع والإقدام، قررت الاتصال بعمران. حبست أنفاسي للحظات، جمعت شتات نفسي المتناثرة، ثم تنفست بعمق علني أطرد هذا التوتر، وقبل أن يتملكني الخوف مجددا، قلت بصوت متهدج:- عمران، مرحبا.. كيف حالك؟ردّ عليّ باقتضاب شديد، وكأن الكلمات تخرج من بين شفتيه رغما عنه:- مرحبا.ابتلعت ريقي وتجرأ
مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في شركة خالها هناك.ووصلتني الأخبار مؤخرا أن عمران صار يعمل معها في تلك الشركة نفسها، يتقاسمان المبنى ذاته والروتين اليومي معا.لقد اختارا بكامل إرادتهما أن يبنيا حياتهما بعيدا عن أرض ذكرياتنا، ونجحا في التحليق معا نحو قمة النجاح والاستقرار، بينما بقيت أنا هنا، أراقب ذلك الصعود من بعيد، من مسافة سحيقة تفصل بين عالمين لا يلتقيان.لكن، وبعد مرور سنة ونصف إضافية على تلك الحال، وصلني خبر مفاجئ مزق نياط قلبي وأعاد بعثرة مشاعري؛ لقد توفي ابن عمران البكر والوحيد.ترقرقت الدموع في عيني الخضراوين من فورها، ولم أعد أعلم حينها أكان حزني الشديد هذا على الطفل الصغير الذي لم أره يوما ولم أقبله، أم كان على قلب عمران المفجوع، ذلك القلب الذي أعرف جيدا كم هو رقيق وحنون، وكم سيكون من الصعب عليه احتمال هذا الفقد ال
لم يأتني الجواب من ثغره، ولم يواجهني عمران بشخصه كما كنت أرجو وأتأمل. بدل من ذلك، جاءني الرد المحتوم عبر "لين"، تلك الصديقة الجديدة التي دأبت على التقرب مني في الآونة الأخيرة، وهي تظهر رغبة ملحة في كسب صداقتي ومودتي. لم يجد هذا التقرب صدى في قلبي، ولم أشعر تجاهها بارتياح قط، لكنني تقبلت وجودها على مضض، فقط لأن عمران يحترمها ويضع لها مكانا في محيطه. وفي ذلك اليوم، أقبلت تحمل في جعبتها نهاية لم أكن مستعدا لها. بحديثها البارد والمنمق، وضعت حدا فاصلا لكل تلك الأحلام التي غزلتها في خيالي، وهدمت في لحظة واحدة صروح الأمل العالية التي شيدتها، ليتضح أنها لم تكن سوى بيت بُنِيّ فوق رمال الأماني المتحركة. توقفت لبرهة، تنظر إلي بملامح حاولت جاهدة أن تكسوها بمسحة من الأسى المصطنع، وهي تتابع بلهجة تفيض بالتمثيل: - عمران بدأ ينجذب إلي، لكنه يشعر بإحراج قاتل تجاهك، يظن أنه سيخذلك؛ يعلم جيدا أنك تحبينه، في حين أنه لا يكن لك في داخله سوى مشاعر الاحترام والتقدير. صمتت قليلا لترى أثر كلماتها على وجهي، ثم تابعت مسترسلة: - هو الآن أمامه فرصة عمل كبيرة تنتظره بعد التخرج، فرصة ستغير مسار حياته بالكا