Todos los capítulos de عاشقان المدينه : Capítulo 71 - Capítulo 80

96 Capítulos

part 71

انشق صباح اليوم التالي ثقيلاً ومغلفاً بغشاوة رمادية كثيفة. لم تكن أشعة الشمس تحمل الدفء المعتاد، بل بدت حارقة وباردة في آن واحد، كأنها تنعكس على أرجاء البيت الساكن لتزيد من كآبته وعزلته.استيقظ ياسر من نومه المتقطع والجاف على الأرض الخرسانية الممتدة أمام باب غرفتها القديمة. كانت عظام جسده تؤلمه بفعل الجلسة الصلبة طوال ساعات الليل الطويلة، ورأسه يثقل بحمل هائل من الأرق والندم. مسح وجهه بجرأة وحسرة، ثم التفت نحو الباب المغلق؛ فرأى مزلاجه الداخلي قد أُزيح ببطء وصمت، والباب مفتوح بضعة سنتيمترات.انتفض ياسر من مكانه فوراً، واحتدم نبض قلبه ببريق من الأمل الدافيء. خطى بخطوات سريعة وملهوفة ونادى بصوت خفيض يملؤه الرجاء:"ليلى.. أنتِ صحيتِ؟"دفع الباب برفق ودخل الغرفة الصغيرة، لكن المفاجأة نزلَت عليه كالصاعقة؛ كانت الغرفة فارغة تماماً.السرير القديم مرتب بعناية فائقة، ولا أثر لغطاء أو وسادة مبعثرة، وخزانة ملابسها الصغيرة مفتوحة جزئياً وقد أُخذت منها ملابسها الميدانية الكاملة. التفت ياسر نحو الممر، ثم ركض بخطوات مضطربة نحو الصالة والمطبخ، ليجد الشقة بأكملها خاوية على عروشها، ويجد مفاتيحها المي
Leer más

part 72

استمر نهار ذلك اليوم العصيب يحترق تحت شمس الصحراء الحارقة، وتصاعدت معه شحنات التوتر المكتوم في أرجاء الموقع الهندسي بأكمله. تحولت الساحة الترابية المترامية إلى ساحة حرب غير معلنة بين القائدين؛ حرب لم تُستخدم فيها الأسلحة أو الصراخ، بل اشتعلت بأسلحة الجمود، والتجاهل القاسي، والغيرة المشتعلة في الصدور. حاول ياسر أن يلتزم بالحدود الفاصلة التي فرضتها ليلى ببرودها الصارم. انصرف نحو مباني القطاع "ج" البعيدة، محاولاً دمج نفسه في مراجعة صبات الأساسات والتدقيق مع الاستشاريين الجدد. كان يتحرك بحزم، يوجه الأوامر بنبرة صوت عاصفة وجافة جعلت العمال والمساعدين يتحركون حوله كالآلات الخائفة، يتفادون الاصطدام به أو حتى إلقاء النظر نحو عينيه المشتعلتين بالشرار. لكنه، ورغم انغماسه الظاهري في حسابات الخرسانة وأعمدة حديد التسليح، لم يكن عقله حاضراً في تلك الأوراق مطلقاً. كانت عيناه، كصقر جريح، ترصدان كل حركة تجري في الساحة الخلفية حيث توجد ليلى. كان يراقبها من بعيد وهو يقف عند الطابق العلوي للمبنى المكتمل؛ يراها وهي تتنقل بصلابة بين المهندسين الميدانيين، ترفع لوحة الملاحظات، وتعدل بكل ثبات ودقة على حركة
Leer más

part 73

كان الطريق نحو بيتهم قصيراً للغاية، لا يستغرق أكثر من خمس دقائق بالسيارة، لكن تلك الدقائق الخمس مرت عليهما وكأنها أعوام دهماء طويلة من الشد العصبي والألم المكتوم. ساد الصمت المطبق داخل مقصورة السيارة، صمت مرعب وثقيل يحبس الأنفاس كأن الجو يخلو تماماً من الأوكسجين. كانت يد ياسر تقبض على عجلة القيادة بقوة تشنجية جعلت مفاصيل أصابعه تبيضّ، وعيناه ترصدان الطريق المظلم أمامها بشرار متقد ووجوم قاطع، بينما كان صدره يعلو ويهبط بأعصاب مشدودة إلى أقصى حد، والدم يغلي في عروقه من أثر الفضيحة الميدانية والعناد الشرس الذي واجهه به. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تجلس ملاصقة للباب الزجاجي، تدير وجهها بالكامل نحو النافذة المغلقة. كانت تنظر إلى الشوارع والمباني العابرة بعينين تلمعان بالدموع المكتومة والكبرياء المجروح، ويدها الأخرى تمسك بمعصمها الذي علّم عليه القيد الحديدي لياسر. لم ينطق أحدهما بكلمة واحدة طوال الطريق، لكن الهواء داخل السيارة كان مشحوناً بشرارات كهربائية متفجرة، وجو خانق يضغط على صدريهما كجبل ثقيل يوشك أن ينهار في أي لحظة. ما إن وصلت السيارة إلى أسفل البناية، حتى أوقفها ياسر بعنف مفاجئ
Leer más

part 74

مرّت ساعات الليل ثقيلةً كأنها الدهر، واستقرت العتمة في أرجاء الشقة المظلمة إلا من نور خافت يتسلل من المصباح الجانبي في الصالة. كانت ليلى تجلس على طرف المقعد المباشر للباب الخارجي، تطوّق جسدها بيديها المرتجفتين، وتستند برأسها إلى الخلف في انتظار يمزق الأحشاء. لم يغمض لها جفن، ولم تذق طعماً للراحة منذ أن أغلق ياسر الباب خلفه بغضب عاصف وغادر الشقة. كانت كلمات صراخه ونبرة وجعه الرجولي المكتوم تتردد في أذنيها كوقع الصواعق: *"أنا جوزك يا هانم مش غريب عشان تبقي مش عايزة تروحي معايا وتعملي الشو ده قدام الناس!"* لأول مرة منذ زواجهما، شعرت ليلى بعمق الفداحة التي ارتكبتها تحت تأثير العناد والجرح المتبادل. أدركت أن كبرياءها المجروح بالأمس قد دفعها لتصرف ميداني أطاح بهيبة رجلها وسندها أمام العمال والمقاولين، وأن غضب ياسر المشتعل لم يكن كبراً أعمى، بل كان بركاناً من الغيرة الجارفة والحرص المشتعل على وجودها وحمايتها. ظلت ترقب عقارب الساعة وهي تدور ببطء قاتل؛ الواحدة صباحاً، ثم الثانية، ثم الثالثة... ومع كل دقيقة تمضي، كان القلق ينهك جوارحها، والتفكير في مسير ياسر في شوارع المدينة المظلمة وهو بتلك
Leer más

part 75

استيقظ الزوجان في صباح اليوم التالي على وقع أنوار الصباح الدافئة التي غمرت غرفة النوم بالكامل، لتزيح عن أرجاء الشقة كل ذكريات الضغط الميداني والتوتر العاصف. كان الصباح مختلفاً تماماً؛ لم تكن هناك عجلة للخروج، ولا أصوات محركات متسارعة، بل سكون صافٍ ينبض بالحب والانسجام التام بعد الليلة الدافئة التي استعادت بها أرواحهما التلاحم والرضا. أخذ ياسر وليلى إجازة رسمية من الموقع لتجديد طاقتهما وإعادة ترتيب أوضاعهما الشخصية والمهنية بعيداً عن غبار الصحراء وصرامة المقاولين. اعتدل ياسر في مضجعه، والتفت نحو ليلى المسترخية على صدره؛ طبع قبلة حنونة على رأسها، ومسح على شعرها برفق وهي تتنفس بابتسامة هادئة تعبر عن كامل الأمان والاطمئنان. "صباح الخير يا حبيبتي.." قال ياسر بصوت دافئ يملؤه الحنان الرجولي، "النهاردة إجازة مقفولة علينا بالكامل.. لا حركة ولا خروج، اليوم ده بتاعنا إحنا وبس." ابتسمت ليلى ورفعت رأسها لتنظر في عينيه الصافيتين، وقالت ببهجة عفوبة: "صباح الفل يا كل دنيتي.. أحلى إجازة والله، وأنا بقى هنسيك تعب الموقع كله النهاردة، وهعمل لك أكل بيتي هادي بتحبه من زمان." قامت ليلى من الفراش بنشاط
Leer más

part 76

ارتدّ ياسر بجسده إلى الخلف مستنداً إلى أريكة الصالة، وأرجع رأسه يرقب ليلى وهي ترفع أواني الشاي. خيم على الجلسة سكونٌ ثقيل ومفاجئ، سكونٌ لم يكن خاوياً بل محنطاً برائحة النعناع وشمس العصر الدافئة التي انسربت عبر زجاج النافذة، لتوقظ في ذهنيهما زاوية قديمة ردمتها السنوات، زاوية شهدت على أول شرخ في جدار الخصام الممتد بينهما منذ الصغر. كانت تلك اللحظة بعيدة، في سن الخامسة عشرة، حيث لم يكن يُذكر اسم أحدهما في أروقة المدرسة إلا مقترناً بخصومة شرسة وتحدٍّ صامت لا يهدأ. في ذلك الصباح الخريفي الملبد بغبار الامتحانات، كان الفصل الدراسي يغلي بالتوتر والرقابة. لم تكن العلاقة بين ياسر وليلى تتعدى الحدود الرسمية الحادة؛ كلاهما في مقدمة الصف، كلاهما يحمل كبرياءً يمنعه من إبداء أي مرونة، وكأن وجود أحدهما في نفس الرقعة هو تهديد مباشر لمكانة الآخر. كانت المنافسة بينهما مضرب الأمثال بين المعلمين والطلاب؛ إذا حصل ياسر على الدرجة النهائية في الرياضيات، خاضت ليلى حرباً للظفر بالمجموع الأعلى في العلوم، وإذا أبدى ياسر ملاحظة ذكية على السبورة، سارعت ليلى بتفنيدها بأسلوب منطقي صارم. دخل معلم الفيزياء الفصل بوج
Leer más

part 77

انقطعت شريط الذكريات فجأة عند تلك النقطة المعتمة من الماضي، وتلاشى غبار الفصل المدرسي القديم ورائحة الطباشير وأوراق الفيزيا الجافة أمام دفء الحاضر وشمس العصر الساطعة في الصالة. كانت ليلى تقف على بُعد خطوات قريبة، تتأمل ملامحه الحادة التي استقرت على هدوء غريب. لاحظت شروده الطويل ونظراته الثابتة نحو الفراغ، فدنت منه بخطوات خفيفة، ثم انحنت قليلاً لتضع يدها الرقيقة على كتفه العريض، وسألته بصوت ناعم ومبحوح يقطر بالاهتمام والحنان: "ياسر.. حبيبي؟ سرحان في إيه كل ده؟ أنت لسه بتفكر في الموقع وضغط الشغل برضه، ولا الباشمهندس باله مشغول بحاجة تانية؟" لم يجبه ياسر على الفور، ولم يعطِ لسؤاله أي رد لفظي تقليدي. تجاهل الاستفسار كلياً، واستمر يرقبها بنظرات عميقة، دافئة، ومكتنزة بعشق ساطع لا يمكن إخفاؤه أو مداراته. كانت عيناه الداكنتان تلمعان ببريق من التملك الصافي والامتنان العميق؛ بريق يشي بأنه لم يكن يفكر في العمل أو المقاولين، بل كان يسترجع البداية الأولى للأنثى التي ملكت قلبه منذ أن كانت طفلة عنيدة في المقعد المدرسي الأخير، وحتى أصبحت ملكة بيته وشريكته في كل خطوة. ودون أن ينطق بحرف واحد، امتدت
Leer más

part 78

في الصباح التالي، أشرقت الشمس بغزلٍ دافئ تسلل عبر الستائر الحريرية المنسدلة، ليلوّن الشقة بنور ذهبي هادئ. تبددت كلياً آثار التعب ورواسب الأيام الشاقة، واستيقظ الزوجان على إيقاع جديد ينبض بالراحة، حيث لم يكن هناك رنين مزعج للمنبهات.. ولا سباق مع الزمن للوصول إلى المواقع الإنشائية. كانت هذه امتداداً لإجازتهما المقررة، يوماً خالصاً ينسيان فيه صخب الخرسانات والمناقصات، ويستردان فيه الشغف الصافي الذي يتغذى عليه حبهما الأبدي. استيقظت ليلى أولاً، وانسحبت من بين يديه بحذر شديد كي لا توقظه. ارتدت فستاناً هادئاً ولطيفاً، واتجهت نحو المطبخ بابتسامة متألقة ورغبة في إعداد فطور دسم ومميز يفتح الشهية. تحركت ببهجة، ورصت الصحون الخزفية بعناية؛ أعدت الفول المدمس بالزيت الحار والبهارات الفواحة، والبيض المقلي، والمربى المنزلية، والأجبان الطازجة، بجانب إبريق الشاي بالنعناع الذي يفوح بعطره الشهي ليملأ الممر الصغير. وفي تلك الأثناء، استيقظ ياسر على رائحة الفطور الذكية. اعتدل في جلسة هادئة على الفراش، ومسح وجهه بيديه ثم قام بخطوات متأنية نحو المطبخ. وقف عند العتبة يتأمل زوجته وهي تتحرك كالفراشة بين الأو
Leer más

part 79

مع غياب آخر أشعة لشمس النهار الخريفي الدافئ، انسحبت حمرة الشفق لتبسُط العتمة رداءها الكحلي على سماء المدينة، واستيقظت أنوار الشوارع القديمة وأعمدة الإنارة الفانوسية لتصنع ظلالاً ساحرة على البنايات العرقية. عادت ليلى وياسر إلى شقتهما الهادئة؛ كان التعب اللذيذ يغمر أجسادهما بعد يوم طويل من التجوال الممتد بين الأزقة والحدائق، يلفّهما الشعور التام بالسكينة والتناغم الأبدي الذي ساد حياتهما خلال هذين اليومين الاستثنائيين. أغلقت ليلى باب الشقة ببطء، وتنفست بعمق وهي تخلع حذاءها وتترك حقيبتها الصغيرة على الطاولة المجاورة للمدخل. كانت أضواء الشقة خافتة، تنبعث من مصابيح جانبية دافئة ذات لون أصفر ناعم يُضفي على المكان أثراً رومانسياً مشبعاً بالأمان. أما ياسر، فقد توجه فوراً إلى بلكونة الصالة الواسعة، وأغلق الزجاج الخارجي جزئياً ليتفادى الهواء البارد، ثم أعدّ كوبين من الشاي الساخن بالمرمية الفواحة، وحملهما نحو العريشة الخشبية الصغيرة المقامة داخل البلكونة، حيث تُطلّ على أنوار المدينة المتلألئة من بعيد. "تعالي يا ليلى.." نادى ياسر بصوت خفيض يقطر بالدفء والرجولة الحنونة، "القعدة هنا تحت نور الشا
Leer más

part 80

انعقد لسان ليلى، وزاد اضطراب أنفاسها وهي تشعر بنظرات ياسر الثاقبة تخترق كل دروعها الهاشة. كانت تحاول تجنب اللحظة التي يُفتح فيها هذا الملف الصعب؛ ملف طالما أرق مضجعها طوال أشهر شراكتهم الزوجية والهندسية، وظلت تؤجله وتسوف فيه أملاً في ألا تضطر لمواجهته بهذه الصراحة العارية. ولكن، أمام حماسه المتأفق وشغفه الجارف بإنشاء أسرَة كبيرة، وجدت نفسها محاصرة عند زاوية ضيقة، فلم يعد أمامها مفر من إخراج ما في جدار صدرها، مهما كانت التبعات قاسية. سحبت ليلى يدها الباردة من بين قبضتيه ببطء شديد، وجلست بشكل مستقيم، مستندة بيديها المرتجفتين على حافة الأريكة الخشبية. ساد البلكونة هدوءٌ خانق وجاف، تلاشت فيه كل مظاهر الدفء والشغف التي سادت طوال النهار. أطرقت رأسها نحو الأرض لثوانٍ، تحاول تجميع شتات شجاعتها، قبل أن ترفع عينيها لتواجه وجهه المتسائل بحزم شاحب، وخوف مكتوم يخلطه كبرياء أنثوي وصحفي مهني. "ياسر.." بدأت ليلى الحديث بصوت خفيض، يرتجف في بدايته ثم ما يلبث أن يستقر على نبرة جافة، حاسمة، ومجردة من أي مشاعر عاطفية، "أنت سألتني ليه أنا مش متحمسة وليه ارتبكت.. وأنا هرد عليك بمنتهى الصراحة والوضوح، ومن
Leer más
ANTERIOR
1
...
5678910
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status