انقضى يوم الإجازة والسكون كأنه لحظة خاطفة في عمر الزمن، وعاد الصباح الجديد ينسج خيوطه الذهبية الأولى فوق أفق الصحراء الممتدة. لم تكن شمس هذا الصباح مجرد ضوء يشرق على المدينة البعيدة، بل كانت إشارة البدء لعودة الآلة والرجال إلى الساحة، لاستكمال المعركة الهندسية التي لا ترحم المتكاسلين. في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، كانت الماكينات الضخمة قد بدأت تستيقظ من هجوعها المؤقت. امتلأت الساحة الترابية الواسعة بصفير الشاحنات المحملة بحديد التسليح والأتربة، بينما كانت الخلاطات الميكانيكية تدور بإيقاعها الثقيل، لتمسح بسخَبِها وصفيرها كل أثر للهدوء الذي خيم بالأمس. ارتفعت سحب خفيفة من غبار الأسمنت والتراب المحموم تحت وطأة أقدام عشرات العمال الذين انتشروا في أرجاء الموقع، يرتدون خوذهم الصلبة، ويحملون أدوات البناء وأجهزة القياس، كأنهم كتيبة تستعد لخوض مناورة حاسمة. ترجل ياسر وليلى من السيارة في الوقت نفسه، ووقفا لثوانٍ عند مدخل الموقع الرئيسي. كانت علامات الراحة والنوم المنتظم تبدو واضحة على محياهما؛ إذ زالت آلام الإرهاق القاتل التي كانت تثقل كاهل ياسر، واكتسبت ملامح ليلى حيوية ونضرة جديدة.
Magbasa pa