Todos los capítulos de عاشقان المدينه : Capítulo 81 - Capítulo 90

96 Capítulos

part 81

لم تكن ليلى، طوال سنوات معرفتها بياسر، تتخيل أن حزنه منها أو غضبه عليها يمكن أن يصل إلى هذا العمق المرعب، أو أن يتشكل في هيئة جدار سميك وخرساني من التجافل الصامت الذي يقطع الأنفاس. كانت تعتقد في قرار نفسها أن الأمر لن يتعدى نوبة غضب رجولية عابرة، أو نقاشاً حاداً ينتهي ببعض الدلال والملاطفة كما اعتادت منه دائماً، لكن الصدمة الحقيقية بدأت تستبد بها في تلك اللحظة التي أغلقت فيها أضواء الصالة وخطت بقدمين ثقيلتين ونادمتين نحو الغرفة العلوية. صعدت ليلى أدراج السلم المظلمة بخطوات خفيفة ومترددة، وقلبها ينبض بدقات متسارعة يملؤها القلق. فتحت باب الغرفة برفق شديد كي لا تحدث جلبة، مستعدة لتقديم الاعتذار والتسلل إلى جانبه لتنام في أحضانه كما اعتادت في كل ليلة، تبحث عن ذلك الدفء الأبدي الذي يسورها به ساعداه القويان. لكن المشهد داخل الغرفة نزل عليها كالمطر البارد؛ كان ياسر مستلقياً على طرف الفراش البعيد، وقد أدار ظهره بالكامل لناحية الباب، مغطىً بردائه دون حركة، ومستغرقاً في صمت ثقيل ومطبق. اقتربت ليلى من حافة السرير ببطء، ووضعت يدها المرتجفة على كتفه العريض محاولة استمالته، وقالت بصوت ناعم ومب
Leer más

part 82

وقفَت ليلى في منتصف الصالة لثوانٍ معدودة، يتصاعد في صدرها وجيبٌ متسارع، وشعورٌ بالفزع والضياع لم تختبره من قبل. كان صمت ياسر ونظراته الشاخصة نحو الفراغ أكثر إيلاماً من أي عتاب صارم أو مواجهة حادة. تنفست بعمق وهي تحاول ابتلاع غصتها الحارقة، وأدركت أن أسلوب المواجهة والمناقشة المنطقية التي اعتادت عليها في الموقع والعمل لن يجدي نفعاً أمام هذا الحائط الصلد من الجليد الذي شيده حوله. قررت ألا تستسلم لهذا الجفاء القاتل، وألا تترك الليلة تمضي بنفس البرود الذي أكل روحها البارحة. خطت أدراج السلم بخطوات مصممة وناعمة، وصعدت ورائه إلى الغرفة العلوية، وقد عزمت على تغيير أسلوبها بالكامل؛ ستتخلى عن ثوب المهندسة الصارمة وحججها العملية، لتلجأ إلى سلاحها الأخير كأنثى وزوجة تحبه وتخشى ضياعه من بين يديها. فتحت باب الغرفة برفق شديد. كان ياسر يقف بجوار الطاولة الخشبية الكبيرة، قد خلع سترته الهندسية وألقاها بإهمال على الكرسي، ويبدأ في حل أزرار قميصه الكتاني ببطء وثقل. كانت ملامحه الحادة لا تزال مشدودة بقسوة، وعروق جبهته وساعديه بارزة من أثر الصداع الثقيل والغضب المكتوم الذي ينساب في جسده كالسم البطيء. لم
Leer más

part 83

ظلت ليلى واقفة في منتصف الغرفة كالمصنومة، تتأمل الباب المغلق للحمام وصوت خرير الماء المنساب خلفه بكثافة. كانت مشاعر الخيبة والانكسار تنهك روحها، وعلامات البؤس الشديد تكسو وجهها الصغير الذي فقد نضارته وشغفه. كانت تلك المرة الأولى التي تجد فيها نفسها معزولة تماماً عن قلبه؛ ليمسي ذلك الحصن الذي طالما لجأت إليه وأسندت رأسها عليه، بقعة باردة ومهجورة لا تصلها لمساتها ولا تعنيها تضرعاتها. تنهدت ليلى بصوت مجهد، تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدرها كأنها تزفر بها ثقل الدنيا كلها. مسحت العرق والدموع المحتبسة عن وجنتيها بكفها المرتجفة، وأدركت أن الوقوف هنا لن يغير من الأمر شيئاً. قررت أن تنزل إلى الأسفل، لعل في انشغالها بإعداد الطعام محاولة جديدة لرأب الصدع، أو خلق مساحة هادئة قد تسمح برأب هذا الجفاء القاتل. نزلت أدراج السلم بخطوات ثقيلة ومجهدة، تتجه نحو المطبخ المظلم. أضاءت النور الأصفر الخافت، وبدأت في تجهيز مائدة العشاء. لم تطبخ شيئاً جديداً، بل أخرجت الأطباق التي أعدتها بالأمس وظلت كما هي في الثلاجة، وقامت بتسخينها على نار هادئة. كانت تحرك الأواني بآلية جافة، وعقلها يغلي بآلاف الأفكار والمتنا
Leer más

part 84

شرقت شمس اليوم التالي باردة وشاحبة، تسلل نساؤها عبر أستار الغرفة ليعلن عن بدء يوم ميداني جديد. لم يكن هناك متسع للهروب أو المماطلة؛ فالمسؤولية المهنية والتزامات المشروع الكبيرة كانت تقف بالمرصاد. نزل ياسر وليلى من الغرفة واستقلا السيارة معاً هذه المرة. لم يكن خروجهما الموحد دليلاً على انقضاء الأزمة أو ذوبان الجليد، بل كان مجرد تسليم بالأمر الواقع والتزام صارم بجدول العمل. سادت داخل السيارة حالة من الصمت الثقيل والمكثف؛ صمتٌ يختلف عن جفاء البارحة، إذ كان أشبه بهدنة هشة يحاول فيها كل طرف جمع شتات شجاعته وتغليف مشاعره المشتعلة بغلاف من الرصانة والتماسك. كانت يدا ياسر تقبضان على عجلة القيادة بثبات صارم، وعيناه مثبتتان على الشارع الإسفلتي دون أن يلتفت، بينما كانت ليلى تجلس إلى جواره، تنظر عبر زجاج النافذة وتتأمل المظاهر المبتعدة، وعقلها يعج بالمشاعر المتضاربة وتأنيب الضمير المحرق. وما إن وطئت أقدامهما أرض الموقع الإنشائي، حتى ظهرت المهارة الاستثنائية التي يمتلكانها في إدارة الذات؛ فقد اتخذا قراراً ضمنياً بالفصل التام والكامل بين حياتهما الشخصية المنكوبة وبين واجبهما الهندسي. لم يستطع ال
Leer más

part 85

ومع حلول ساعات الليل المتمخرة، اتجه الزوجان نحو الصالة الرئيسية، حيث أعدا طاولتهما الصغيرة وشاشة الحاسوب المحمول للقيام بالاتصال المرئي الدوري المُتفق عليه مع العائلة في القاهرة. كان هذا اللقاء العائلي بمثابة طقس أسبوعي يجمع الأخوين؛ والد ليلى ووالد ياسر، ومعهما والدة ليلى التي كانت تكتفي بالتعليق بكلمات حنونة وعابرة من وقت لآخر، للطمأنينة ومتابعة مستجدات حياتهما وشغلهما الميداني، وهو اجتماع لم يكن ممكناً التملص منه أو تأجيله مهما كانت الظروف الحاكمة. جلس ياسر وليلى جنباً إلى جنب أمام الشاشة المثبتة. كانت المساحة بينهما ضيقة بحكم الكاميرا ذات الزاوية المحدودة، مما أجبرهما على الالتصاق المكاني الظاهري؛ حيث لامست كتف ليلى العارية ثوب ياسر القطني، واستقرت يداهما المتقاربتان على الطاولة الرخامية. وقبل أن تشتعل الشاشة بالصورة، تبادلا نظرة سريعة ومقتضبة؛ نظرة اتفقا فيها بغير كلام على ارتداء أقنعة التماسك الكامل، وتصنيع نبرة السعادة والرضا كي لا ينشغل بال الأبين بأزمة بيتهما الداخلية. انفتحت الشاشة، وظهر وجه والد ياسر بملامحه الحازمة والوقورة التي يكللها الشيب، وإلى جواره شقيقه والد ليلى
Leer más

part 86

انطفأت الشاشة البيضاء العريضة للحاسوب، وعاد الظلام الخفيف والهدوء الساكن ليخسف بالصالة مجدداً، مخلفاً وراءه صمتاً أشد ضغطاً وثقلاً من كل ما سبقه. كان صوتا نفاذ أطراف الحديث العائلي لا يزالان يترددان في الأرجاء؛ تلك النبرات الحنونة المشفقة من الأخوين، والد ياسر ووالد ليلى، والتي عرت كل أدوار التماسك المسرحي التي حاول الزوجان لعبها ببراعة أمام الكاميرا. ظلت ليلى جالسية على مقعدها المنجد، مسمرة في مكانها وهي ترقب السواد الشاخص على الشاشة المظلمة. كانت دموعها قد جفت على وجنتيها، معيدة رسم خطوط شاحبة ومالحة على بشرتها الإفريقية الناعمة، لكن التوتر والارتباك كانا يعتصران قلبها كالمقصلة. التفتت ببطء شديد نحو ياسر، الذي كان يجلس إلى جوارها مباشرة، مسنداً ساعديه القويين على الطاولة الرخامية، ومطرقاً رأسه نحو الأسفل بجمود صلب، تنبعث منه طاقة هائلة من التعب والوجع المكتوم. تنفست ليلى الصعداء ببطء، وحاولت استجماع شتات شجاعتها المبعثرة. أمالت جسدها قليلاً نحوه، وقالت بصوت مبحوح، خفيض، يمتلئ بالدهشة والحيرة العارمة: "ياسر.. هما كدة كدة عرفوا إن فيه بيننا حاجة.. اتأكدوا إننا متخاصمين وفي أزمة. ل
Leer más

part 87

خيّم صمتٌ حاد وجاف في أرجاء الصالة عقب انطفاء شاشة الاتصال المرئي، لكنه لم يكن صمتاً هادئاً يبعث على السكينة، بل كان ذلك الصمت الخانق الذي يسبق الانهيار. كانت أطياف حديث الأبوين -والد ياسر ووالد ليلى- ما تزال تتردد في الفضاء؛ تلك النبرات الحنونة والمشوبة بالقلق العائلي التي عرت كل أدوار التماسك المسرحية التي حاول الزوجان لعبها ببراعة أمام الكاميرا. كان ياسر ما يزال يرسل الدخان الأبيض الثقيل في الفضاء الخافت، وعيناه مثبتتان على العدم، يمسك بسيجارته ببراعة أصابعه الطويلة المجهدة، متجاهلاً وجود ليلى التي كانت تجلس إلى جواره بقلب يتآكل حسرة ونفساً يقتلها التوتر. لم تعد ليلى قادرة على تحمّل هذا البرود القاتل والجفاء المنظم؛ كان تجاهله لها ونظراته الشاخصة نحو الفراغ يمثلان جرحاً ينكأ كرامتها ومشاعرها كل لحظة، ويشعرها بأنها مجرد غريبة تعيش في زاوية مهجورة من بيته. التفتت إليه بكليتها، وقالت بصوت متهدج، خفيض، ويختنق بالبكاء المكتوم: "لحد إمتى يا ياسر؟ لحد إمتى هنفضل في الحالة دي؟ نتكلم في الشغل برسمية وجفاف، ونتصنع الابتسامة الشاحبة قدام أهلي وأهلك في المكالمات، ولما يقفل علينا باب واحد ن
Leer más

part 87

مرّت الأيام الأولى عقب مغادرة ياسر للشقة بطيئة، ثقيلة، ومحملة ببرودٍ جاثم يرفض أن ينجلي. تحولت الشقة الدافئة التي كانت تضج بالضحكات والمناقشات الهندسية الهادئة إلى مكانٍ مهجور يبتلع الصدى؛ أصبحت ليلى تستيقظ كل صباح على فراش بارد، يلفها هدوءٌ موحش لا يقطعه سوى صوت ساعات الحائط المنتظم. كانت تتأمل أركان البيت، وتفاصيل زواياه التي بناها معاً، فتستشعر حجم الفراغ الهائل الذي تركه رحيله، ويقض مضجعها ندمٌ مكتوم على كل كلمة قاسية تفوّهت بها في لحظة انفعال. في المقابل، كان ياسر يعيش في كرفان السكن الميداني المخصص لمهندسي الإدارة في قلب الموقع الإنشائي. كرفان ضيق، بملامح معدنية جافة، وأثاث بسيط لا يمت للدفء بصلة. أغرق ياسر نفسه في العمل بشكل هستيري؛ كان يستيقظ مع تباشير الفجر الأولى، ويتفقد الموقع قبل وصول العمال، ويستمر في مراجعة المخططات وحساب الكميات حتى ساعات متأخرة من الليل، محاولاً مستميتاً أن يهرب من طيفها الذي يلاحقه في كل زاوية، ومن العتاب المحرق الذي يغلي في صدره. أما في موقع العمل الشاسع، فقد ساد بينهما نظامٌ إجباري من التعامل المهني الصارم. اتفقا بلا كلمات على إبقاء حدودهما الذات
Leer más

part 88

مرّ أسبوعٌ آخر على ذلك الفراق الصامت، واستمرت الحياة في الموقع كأنها آلة صماء تتغذى على جهد البشر وعرقهم. استقرت وتيرة الجفاء بين ليلى وياسر على رسمية مجردة، حيث استحالت المشاعر الدافئة إلى بروتوكولات هندسية صارمة، وحوارات مقتضبة لا تتجاوز حدود الجداول الزمنية وتقارير التسليم. إلا أن هذا التماسك الظاهري كان يتآكل ببطء تحت وطأة الإنهاك النفسي المتبادل؛ فشحوب ليلى بات يزداد وضوحاً، وهالات التعب المحيطة بعينيها أصبحت أعمق، بينما بدا ياسر أكثر صرامة وحدة، ينفق طاقته بالكامل في إدارة الموقع ليتجنب النظر في عينيها أو مواجهة الفراغ المعتم الذي يخلفه غيابها في نهاية كل يوم. مع بواكير الصباح، تبدلت أجواء المنطقة الإنشائية بشكل مفاجئ. تحول الطقس المعتدل إلى حالة من الاضطراب الجوي الحاد؛ إذ تصاعدت رياح عاتية محملة بالأتربة والرمال، وتلبدت السماء بسحب ركامية داكنة تنبئ بهطول أمطار غزيرة غير متوقعة. كانت هذه التغيرات الجوية تمثل كابوساً حقيقياً للمشروع؛ حيث كان الجدول الميداني يقتضي صب المرحلة الرئيسية من القواعد الخرسانية لمنشأة محورية، وهي عملية تتطلب جفافاً نسبياً واستقراراً في البيئة لتجنب ت
Leer más

part 89

قطع ياسر مسافة الميدان بخطوات شاسعة ومهرولة، يطأ الطين المبتل بحذائه الميداني الثقيل غير أبهٍ بالانزلاق أو بالمطر الذي كان يتساقط بغزارة كأنه يغسل خطايا الصمت والجفاء بينهما. كان يحمل ليلى بين ذراعيه بإحكام، يضمها إلى صدره الشاسع وكأنه يحاول أن يسكب نضج حياته ودفء أنفاسه في جسدها البارد الشاحب. كانت قطرات المطر تخلط بالدماء الرفيعة النازفة من حاجبها، وتتساقط على قميصه المبتل، بينما كان رأسه يغلي برعشة هلع لم يذق مثلها طوال حياته. وصل بها إلى كرفان الإدارة الميداني، فدفح الباب بقدمه بقوة أدّت إلى ارتطامه بالجدار المعدني. وضعها برفق شديد على الأريكة الجلدية العريضة في زاوية المكتب، وجثا على ركبتيه فوراً أمامها. كانت يداه القويتان، اللتان طالما تحكمتا في صب القواعد وأقسى المعدات، المرتجفتين بالكامل وهي تمسحان عن وجنتيها الطين والمياه. "ليلى.. ليلى فتحي عينيكِ عشان خاطري!" قال ياسر بصوت مبحوح، متقطع، يطفح بلوعة ورجاء إنساني كسر كل كبرياء ووقار اعتاد عليه. أخرج من الخزانة الصغيرة علبة الإسعافات الأولية ومنشفة جافة. مسح وجهها وشعرها المبتل بلمسات دافئة ورقيقة، ثم أخذ يضغط بقطعة شاش معقم
Leer más
ANTERIOR
1
...
5678910
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status