All Chapters of مدن لا تشبه الحب : Chapter 21 - Chapter 30

141 Chapters

البارت الحادى والعشرون

كانت تجر حقيبتها خلفها، وتجر معها أحلاماً تحطمت على صخرة الواقع، وروحاً مُزّقت أشلاؤها بين ليلة وضحاها. تركت خلف عتبة ذلك البيت ذكرياتها التي صنعتها في تلك الحقبة من حياتها، ذكريات ظنت يوماً أنها ستدوم للأبد. وقفت هايدي على باب الفيلا، تتطلع إلى جدرانها بحسرة مريرة وكأنها تودع قطعة من جسدها، قبل أن يمزق صمتها صوتٌ فظ يطالبها بالإسراع - يا مدام ياريت بسرعة شوية عشان نشوف شغلنا ونقفل المكان. كان الصوت لأحد الأفراد المكلفين باستلام الفيلا؛ فقد صدر القرار الحاسم بالحجز على جميع أموال وممتلكات زوجها عقب توالي القضايا المتهم بها. فرّت دمعة ساخنة من عينيها، فمسحتها بكبرياء جريح، ثم خطت خارجة بخطوات مسرعة؛ فلا فائدة من التأخير سوى تجرع مزيد من الإهانة والألم. أحكمت قبضتها على كف صغيرها، وضغطت عليه كمن يتمسك بطوق النجاة الأخير، وغادرت وهي عاجزة عن تحديد الخطوط العريضة لحياتها القادمة، فالأفق أمامها بدا ضبابياً ومظلماً. لكن، وسط هذا الشتات، لمع في رأسها هدف أساسي واحد كشعلة نار وسط الصقيع؛ وهي العودة إلى سادن مهما كان الثمن. الآن فقط، وهي تقف على الرصيف بلا مأوى، أدركت خطأها الفادح وجرمها
Read more

البارت الثانى والعشرون

اختفى سادن في الأيام التالية كمن يذوب في الضباب؛ كان يفعل ذلك متعمداً وبإصرار غريب. يغادر القصر مع تباشير الصباح الباكر، ولا يعود إليه إلا في الساعات المتأخرة من الليل بعد أن يضمن أن السكون قد لفّ الأرجاء. كان يهرب من مواجهتها، يخشى تلك النظرة في عينيها، ولأول مرة في حياته، كان يعجز عن تفسير أسباب خوفه أو فهم هذا الاضطراب الذي يغزو حصونه. على الجانب الآخر، كانت فيروز تترجم هذا الغياب بطريقتها الخاصة؛ فسرته على أنه ضيق خانق يشعر به سادن لأن الظروف وضعته أمام الأمر الواقع، وأجبرته على ارتكاب زواج لا يرغب فيه. كان الألم ينهش قلبها من أجله، وفي كل صباح، كانت تستيقظ بعزيمة حديدية مقررةً أن تذهب إلى والدها، وتعترف له بالحقيقة كاملة لتنهي هذه المسرحية الهزلية، متحملةً أي عقوبة تقع عليها. لكنها كلما جلست تنتظر عودة سادن حتى المساء لتخبره بقرارها، كان النعاس يغلب جفونها المتعبة، فتغفو قبل أن تلمح طيفه. أما اليوم، فلا مجال للهروب أو التأجيل؛ فاليوم هو الموعد المحدد للزفاف. استسلمت فيروز لطقوس هذا اليوم، وارتدت فستان الزفاف الأبيض بمساعدة كايلا وفريق محترف من أخصائيي التجميل. ورغم الأدوات وال
Read more

البارت الثالث والعشرون

دلفت إلى الجناح الخاص بهما بعد انتهاء الحفل، الذي بالرغم من بساطته العفوية إلا أنه كان رائعاً ودافئاً؛ إذ اقتصر على أهلها، ووالد سادن، وشقيقته كايلا، وزوجة أبيه إلهام وابنتها دنيا، بالإضافة إلى صديقه المقرب وفهد شقيقه. ترك لها سادن الجناح لفترة حتى تتيح لها تبديل ملابسها الثقيلة براحة، فما إن انتهت حتى صدح رنين هاتفها معلناً اتصالاً من فريدة. تفاجأت فيروز بأختها تقص عليها ما حدث في الحفل بأسلوبها المرح، لتنفجر فيروز ضاحكة حتى دمعت عيناها؛ فقد كان تصرف فهد مباغتاً، إذ تسلل وجلب لفريدة حذاءً بديلاً من الأحذية الخاصة بفيروز دون أن يعلم حتى بصلة القرابة بينهما، وقدمه لها بشهامة لترتديه. راحت فريدة تقص عليها بنبرة حالمة كيف أن لذلك الشاب سحراً خاصاً أسرها بنظراته، وامتلك قلبها منذ الوهلة الأولى. جلست فيروز على الأريكة الوثيرة، متناسية تماماً وجود سادن أو شروطه، وتمددت عليها براحة وهي تستمع لحديث أختها وتستنتج من نبرتها أنها وقعت في شباك الحب من النظرة الأولى، فردت بمرح وتلقائية وهي لا تدري بذاك القابع خلفها يستشيط غيظاً - بصراحة يا فري.. الواد مز أوي ويستاهل إنك تكراشي عليه، ده حتى...
Read more

البارت الرابع والعشرون

ظل سادن واقفاً في مكانه، متسمراً وعيناه تتشربان تفاصيل ملامحها بذوق مغاير؛ فهذه هي المرة الأولى التي يراها فيها من دون حجابها. تحررت خصلات شعرها الغجري لتنساب على كتفيها بنعومة، مبرزةً بياض عنقها وصفاء وجهها كبدرٍ في ليلة تمامه. خطى نحوها خطوات وئيدة، مدفوعاً بذهول غيّب وعيه وأخرس كبرياءه، ليردد بهيام خافت لم يملك كبته - ياااه... إنتي طلعتي جميلة أوي لكن فيروز لم تكن لتفرط في أسلوبها الدفاعي أو تترك للرومانسية مجالاً لتغيير قواعد اللعبة؛ فسرعان ما نفضت عنها صدمة المباغتة، وتصلبت في وقفتها المعتادة متخذةً وضع التحدي. وضعت يدها في خصرها، ومالت بجسدها للأمام وهي تهاجمه بنبرة متهكمة - يعني أنت داخل عليا داخلة أمن الدولة دي، وفاتح الباب بالطريقة دي.. عشان تقولي إني جميلة؟ (حرام عليكِ.. فصلتِ الراجل وضيعتِ اللحظة.... اضربها يا سادن واخلص) وهنا، صفعته كلماتها لتوكزه خارج بستان دهشته، ليعود إلى أرض الواقع متذكراً سيل غضبه العارم الذي تبخر قبل لحظات. تقطّب حاجباه فوراً، ووقف أمامها بنفس النبرة الندّية والتحدي، ثم رفع سبابته في وجهها محذراً، وهدر بغضب يحاول استعادته - أنا قولتلك أكتر من م
Read more

البارت الخامس والعشرون

لم تكن حالتها بأقل وجداً وشوقاً منه؛ فقد كانت شاردة بطيفه، مستسلمة لذكراه التي لا تفارق مخيلتها. تتذكر بنبضات متسارعة حديثه اللبق، وتلك الشحنة الكهربائية العنيفة التي عصفت بكيانها وهزت أركانها عقب التقاء أعينهما في تلك الثواني الساحرة. لكنها، ورغم هذا الفيضان من المشاعر، كانت تتنهد بقلة حيلة؛ فكل ما تفكر فيه وتتمناه لا يزال في نظرها حلماً بعيد المنال، بل مستحيلاً لن تستطيع تحقيقه. ومع ذلك، لم تملك منع ابتسامة عذبة من الارتسام على شفتيها حين تذكرت تفاصيل موقفه الشهم؛ تذكرته وهو يقبل نحوها حاملاً بين يديه حذاءً بديلاً جلبه من الداخل، وكيف أخذ يبرر لها فعلته وعيناه تتهربان من عينيها خجلاً قائلاً بنبرة جادة - أنا قولت أتصرف.. وبما إني الصديق المقرب للعريس، وأخوه كمان، فأكيد سادن مش هيبدي أي اعتراض على اللي عملته. لكنه تجمد في مكانه على الفور، وانقطعت كلمات تبريره عقب رؤيتها تنفجر في ضحك متواصل عجزت عن كبته أمام ملامحه الجادة والواثقة، وتطلّع إليها بعينين متسعتين يسألها بدهشة مستغربة عن سبب ضحكاتها تلك، ليأتيه الرد صاعقاً من "فريد" أخيها، الذي قال من بين ضحكاته المجلجلة وهو يضرب كفاً بك
Read more

البارت السادس والعشرون

مرت الأيام التالية عليهما في سلام نسبي، وبالطبع لم تخلُ تلك الفترة من بعض المشاغبات والمناكفات اليومية العفوية بين سادن وفيروز، تلك التي كانت تنتهي دائماً وبشكل قطعي لصالح فيروز؛ فبرغم كبريائه وجبروته، كان سادن يجد نفسه مستسلماً مستمتعاً بهزيمته أمامها. إلى أن أتى ذلك اليوم العصيب؛ حيث شعرت فيروز بملل شديد يكاد يخنقها. كانت تقضي الأيام بأكملها بمفردها داخل جدران الفيلا الفسيحة، بينما ينعزل سادن فور عودته في غرفة المكتب حتى ساعات متأخرة من الليل، غارقاً بين الأوراق والملفات لإنهاء بعض الأعمال العالقة؛ فهو على وشك تقفيل سنة مالية حاسمة لشركاته. أما اليوم، فقد بلغ الضجر منها ذروته، واكتست ملامحها بعبوس وغضب حاد؛ بعد أن رفض سادن طلبها بزيارة والدتها اليوم خوفاً عليها أو ربما انشغالاً عنها. حاول سادن جاهداً أن يتودد إليها ويفتح معها أي حديث ليرضيها، لكنها كانت ترد عليه بإيجاز شديد وإقتضاب جاف، مما جعل غصة من الحزن والضيق تسري في صدره على موقفها هذا. بعد مدة من الصمت، أحس سادن بنغزة في قلبه؛ فنهض يبحث عنها في أرجاء الشقة والجناح، ثم الفيلا بأكملها، فلم يجد لها أثراً. في تلك اللحظات، شعر
Read more

البارت السابع والعشرون

انتهت فريدة من محاضراتها اليوم وهي تلعن في سرها ذلك الشخص الذي لم تره سوى مرة واحدة، ورغم ذلك استطاع أن يستولي على كامل تفكيرها، ويسلبها تركيزها حتى أنها لم تستطع استيعاب نصف ما قاله الدكتور في القاعة. كانت تلوم نفسها بشدة على تلك الحالة المزرية التي وصلت إليها؛ فهو بالتأكيد لا يتذكرها، فلماذا تعشم نفسها بأمل كاذب؟ ما كان بينهما إلا لقاء عابر في مناسبة جمعتهما لدقائق معدودة، وانتهى كل شيء. احتضنت حقيبتها إلى صدرها، وتحتضن معها أملاً غامضاً ونبضات قلب ترجو اللقاء وتتمناه. وفجأة، شق صمت أفكارها صوت شخص يهتف باسمها بنبرة مألوفة - فريدة أغمضت عينيها لثانية واحدة؛ فهي تتذكر هذه النبرة جيداً، وظنت لوهلة أن عقلها الباطن بدأ يترجم هواجسها إلى أصوات. تنهدت واستأنفت سيرها، لكنها سمعت الصوت يتردد مرة أخرى، وتلك المرة كان أوضح وأقرب. التفتت ببطء شديد، لتتسع عيناها بذهول وهي تشاهد "فهد" يقف على بعد خطوات منها، وتتطلع إليها عيناه كأنهما بحر من الشوق الممتزج بالسعادة الفائضة. رددت في نفسها بهلع طفولي(إيه ده بقى؟ هو أنا بحلم ولا دي حقيقة؟ أنا حالتي بقت صعبة خالص.. ما تفوقي يا فريدة بقى لحسن يفتكر
Read more

البارت الثامن والعشرون

اعتدلت فيروز في جلستها على الفور، واستقامت بظهرها بينما راحت نبضات قلبها تتعالى وتتسارع بعنفوان أثار رعبها. تملكتها الظنون عقب نبرته الجادة الصارمة، واعتقدت واجفة أن لحظة النهاية قد حانت؛ فمنذ ذلك المساء الذي طالبت فيه بالخروج للعمل وما تلاه من صدام حاد في الحديقة، لم يفتح أي منهما هذا الأمر مجدداً، وظل الصمت حائلاً بينهما. (على لسان فيروز) - أول ما نطق جملته دي، عقلي راح لبعيد أوي.. أول حاجة جت في بالي إنه خلاص استكفى ونوى يقطع الخيط ده وينهي العلاقة. بالرغم من إني عايشة معاه ومتوقعة الطلاق في أي لحظة ومستعدة له، بس مش عارفة ليه أول ما الفكرة دي خطرت على بالي حسيت بوجع فظيع وقبضة غريبة في قلبي نهشت صدري.. كأن الفراق بقى فكرة مرعبة مش قادرة أتقبلها. نهضت فيروز من مكانها بحركة بطيئة متثاقلة يكسوها التردد، لكنها تفاجأت به يتحرك برزانة ويدور حول الأريكة الفاخرة؛ وبحركة عملية واثقة، فك زرار بدلته الأنيقة ليتحرر جسده قليلاً، ثم جلس على الأريكة واضعاً قدماً فوق الأخرى بهيبته الطاغية، وأشار لها بسبابتة بوقار آمر أن تجلس بجواره مجدداً. استسلمت لشرطه وجلست بوجه شاحب، حبست فيه أنفاسها وهي ت
Read more

البارت التاسع والعشرون

فور أن انتهت فريدة من محاضرتها الأولى، حتى خرجت مسرعة، تسبقها دقات قلبها المضطربة؛ فلقد أرسل إليها يخبرها بأنه ينتظرها بالخارج في أمر بالغ الأهمية لا يحتمل التأجيل. وما إن خطت خارج قاعة المحاضرات، حتى وجدته في وجهها تماماً، واقفاً بثقة ووعيد محبب؛ حيث رفع كتفيه ببساطة وفرد ساعديه على اتساعهما في حركة صبيانية مجنونة، فلم تملك هي إلا أن تبتسم بعذوبة اتسعت لها ملامحها أمام هذا الجنون المباغت الذي يزلزل رصانتها. اقتربت منه فريدة بخطوات وئيدة، وحاولت جاهدة إكساء صوتها بنبرة جادة هادئة وهي تردد - في إيه يا مجنون؟ قول بسرعة.. قدامك عشر دقائق بالثانية عشان ألحق محاضرتي اللي جاية تقدم فهد منها خطوة، مقلصاً المسافة بينهما، واستنشق بعمق عبيرها الخاص الذي تغلغل في رئتيه فأنعش روحه وخطب وده، ثم ردد بنبرة تفيض هياماً وعشقاً - أولاً.. أنا بعترف فعلاً إني مجنون، أيوه مجنون بيكي ومن أول لحظة عيني شافت عينك فيها.. والله لو حد كان حكى لي عن الحب من أول نظرة ما كنت هصدقه ثانياً.. أنا جيت هنا مخصوص عشان أشوفك وتملي عيني منك قبل ما أروح أستلم شغلي الجديد في شركة سادن.. وثالثاً، وده الأهم من كل اللي فا
Read more

البارت الثلاثون

عادت كايلا إلى القصر بعد يوم عمل طويل ومرهق أدارت فيه ملفات كثيرة في شركات شقيقها؛ كانت جسدها يطالب بالراحة وعقلها يبحث عن السكينة، لكن خطتها تعثرت ما إن وطئت قدماها الردهة؛ حيث وجدت دنيا في انتظارها. كانت تقف وعيناها تلمعان ببريق مريب، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطاطة مألوفة، ابتسامة تعرفها كايلا عن ظهر قلب... إنها تلك الابتسامة الخبيثة التي تخفي خلفها دائماً مصلحة شخصية وأمراً مدبراً بعناية يخص دنيا وحدها. راحت دنيا تثرثر لبعض الوقت بكلمات متقاطعة مدعية العفوية، وأخذت تجتر حديث الصدمة والوجع عقب زواج سادن المباغت؛ ذلك الرجل الذي طالما تمنت قربه وحلمت به لسنوات، وكيف أن هذا الزواج قد جرح كبرياءها وقسم قلبها نصفين. ولم تكتفِ بهذا العويل، بل صبغت كلماتها بنبرة عتاب مبطنة، ملمحة إلى أن أقرب الناس إليها قد تخلوا عنها في محنتها ورفضوا مد يد العون لها لتفوز به، رامية بتلك السهام المسمومة مباشرة نحو كايلا التي كانت تستمع إليها بملامح جامدة. تنهدت كايلا بنفاذ صبر، ونظرت إلى ساعة يدها قبل أن ترمقها بنظرة حادة أخرست استرسالها، ثم قالت بنبرة قاطعة خالية من المشاعر - لخصي يا دنيا.. وفوتك م
Read more
PREV
123456
...
15
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status