كانت تجر حقيبتها خلفها، وتجر معها أحلاماً تحطمت على صخرة الواقع، وروحاً مُزّقت أشلاؤها بين ليلة وضحاها. تركت خلف عتبة ذلك البيت ذكرياتها التي صنعتها في تلك الحقبة من حياتها، ذكريات ظنت يوماً أنها ستدوم للأبد. وقفت هايدي على باب الفيلا، تتطلع إلى جدرانها بحسرة مريرة وكأنها تودع قطعة من جسدها، قبل أن يمزق صمتها صوتٌ فظ يطالبها بالإسراع - يا مدام ياريت بسرعة شوية عشان نشوف شغلنا ونقفل المكان. كان الصوت لأحد الأفراد المكلفين باستلام الفيلا؛ فقد صدر القرار الحاسم بالحجز على جميع أموال وممتلكات زوجها عقب توالي القضايا المتهم بها. فرّت دمعة ساخنة من عينيها، فمسحتها بكبرياء جريح، ثم خطت خارجة بخطوات مسرعة؛ فلا فائدة من التأخير سوى تجرع مزيد من الإهانة والألم. أحكمت قبضتها على كف صغيرها، وضغطت عليه كمن يتمسك بطوق النجاة الأخير، وغادرت وهي عاجزة عن تحديد الخطوط العريضة لحياتها القادمة، فالأفق أمامها بدا ضبابياً ومظلماً. لكن، وسط هذا الشتات، لمع في رأسها هدف أساسي واحد كشعلة نار وسط الصقيع؛ وهي العودة إلى سادن مهما كان الثمن. الآن فقط، وهي تقف على الرصيف بلا مأوى، أدركت خطأها الفادح وجرمها
Read more