جميع فصول : الفصل -الفصل 20

141 فصول

البارت الحادى عشر

خيّمت أجواء من الحزن الثقيل على أرجاء المكان، واستبدّ الصمت بالجميع كأنه جدار مصمت لا ينفذ منه سوى أنين مكتوم. غارت الدموع في المآقي لتسيل صامتة حارقة، وكان الوقت يمر ببطء شديد، يزيد من عمق الجرح وينكأ في القلوب الواجفة مع كل دقة من دقات العقارب.فجأة، انقطع حبل الصمت مع دلوف فاروق من باب المنزل؛ انتفضت حياة من مكانها وركضت نحوه بخطوات متعثرة، تعلقت بعينيه بلهفة مستجدية وصوت يرتجف- طمني يا فاروق.. وصلت لأي حاجة؟ حد شافها؟هز فاروق رأسه بالنفي والوجوم يكسو ملامحه، لتنهار بقايا أملها وتعود أدراجها متهاوية على مقعدها، مستسلمة لسيول من الدموع انهمرت من عينيها، لعلها تطفئ النيران المستعرة في جوفها.في زاوية الغرفة، كانت فريدة تجلس شاحبة، تحتضن أخيها الأصغر فريد وتضمه إلى صدرها برفق؛ ورغم أن النوم قد غلب جسده النحيل من فرط الإجهاد، إلا أن المجاري المبللة على وجنتيه كانت تشهد أن دموعه لم تكف عن الهطول، وكأن عقله الغض يرفض أن يأخذ إجازة من الحزن، أو يتوقف عن النحيب على فراق شقيقته.هبط فاروق بجسده على أقرب مقعد، وجلس ينفث غضباً حارقاً، وهتف بنبرة جافة قست فيها ملامحه وصارت عيناه كالجمر- لما
اقرأ المزيد

البارت الثانى عشر

كانت دنيا تجلس في غرفتها، تُقلب في هاتفها بملل وتمرر أصابعها على شاشته المتوهجة، حتى تجمدت حركتها فجأة وشخصت عيناها بصدمة عقب رؤيتها لتلك الصورة الحديثة التي شاركتها كايلا على حسابها.كانت الصورة تجمع كايلا وتلك الفتاة الغريبة فجروالتي قررتا في سرّهما مجاراة اسمها الجديد؛ فما دام سادن قد أمر، فبصراحة.. لا أحد يملك الجرأة لكسر كلمتهلم تكن الفتاة هي ما لفت انتباه دنيا، بل تفصيل آخر خطير. أمسكت هاتفها بإحكام وركضت نحو والدتها إلهام بهستيرية، لتدفع بالشاشة أمام وجهها وهي تهتف بأنفاس متلاحقة- ماما شوفي.. شوفي الصورة دي كايلا منزلاها تطلعت إليها إلهام ببرود وعدم فهم، فقطبت حاجبيها قائلة بنبرة متهكمة-؛ وإيه الجديد يا دنيا؟ ما إنتِ عارفة كايلا تافهة وعادتها دايماً تتصور في كل مكان وكل وقت ومع أي حد- لأ يا ماما.. ركزي في التفاصيل.. مش الفراشة اللي في الصورة هي اللي تهمني، شوفي اللي واقف وراهمأشارت دنيا بإصبعها المرتعش نحو زاوية الصورة، وتحديداً على ذلك الجزء من ذراع رجل يظهر بوضوح بجانب فجر، ذراع بقميص أنيق وساعة فاخرة ومميزة لا يرتدي مثلها في هذا البلد سوى رجل واحد.. إنه ذراع سادنصمتت
اقرأ المزيد

البارت الثالث عشر

اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار، لكن المقاعد خلت من بهجتها المعهودة، وتحول الطعام في الأفواه إلى غُصص مريرة. دارت عيون الجميع ما عدا فاروق نحو مقعد فيروز الفارغ، تطلعت حياة وفريدة وفريد إلى الموضع الخالي بقلوب مكلومة، والتمعت الدموع الحارقة في عيونهم كالجمر، لكنهم حبسوها خلف جفونهم المرتجفة، وكتموا أنفاسهم في صدورهم، خوفاً من بطش فاروق وقسوته التي كانت تتربص بأي بادرة حزن.لم تطق حياة هذا الكتمان المطبق، فتمزق جدار صمتها، وقالت بنبرة يملؤها الشجن واللوعة، وعيناها مثبتتان على الطبق الفارغ-يا ترى أنتِ فين دلوقتي يا فيروز؟ وبتعملي إيه.... والا ايه اللى حصلك ما إن نطق لسانها بالاسم حتى انتفض فاروق واقفاً كالمجنون، فاهتزت المائدة واصطكت الأطباق ببعضها. صوب نحو زوجته نظرة تحذيرية حادة كالنصل، وهتف بصوت جهوري زلزل أركان الغرفة- السيرة دي مش عاوز أسمعها في البيت ده تاني.. مفهوم؟! فيروز بالنسبة لي ماتت، اللى يعمل عاملتها دى يبقى مات ثم التفت بعينيه القاسيتين نحو ولديه، اللذين تجمدا في مقعديهما، وتابع بنفس الحدة والوعيد- غوري على جامعتك يا فريدة.. ومش عاوز تأخير ثانية واحدة بعد المحاضرات
اقرأ المزيد

البارت الرابع عشر

وقف في بهو الفيلا الداخلي، كالأسد الهائج، يزلزل جدران المكان بصوته الجهوري وهو يتوعد الجميع بأشد العقاب. كان قد قلب الفيلا رأساً على عقب بحثاً عن فجر دون أن يعثر لها على أثر، ليتسمر في منتصف البهو حائراً، تائهاً، وشاعراً بثقل ذنب لم يعهده من قبل؛ كان يحس في أعماقه أنه المسؤول الأول عنها، وأنها الأمانة الغالية التي استودعتها شقيقته كايلا بين يديه، وها هي الأمانة تضيع منه وتتبخر في ليلة وضاها.تقدم بخطوات واسعة ومرعبة نحو عائشة، رئيسة الخدم، وسألها بنبرة تقطر دماً وعيون حمراء من شدة الغضب عن مكان فجر، فنفت عائشة معرفتها مرتعشة، وأضافت بملامح شاحبة أنها فجأة بحتث عنها ولم تجدها في أرجاء المنزل.بينما كانت عائشة تتحدث بتلعثم واضح وصوت يرتجف خوفاً من بطشه، تطلعت إليها الخادمة الصغيرة "فردوس" بدهشة واستنكار لصمتها، ولم تحتمل رؤية هذا الظلم؛ فاندفعت فجأة بجرأة لم تعهدها في نفسها، وهتفت قائلة- أنا هقولك الحقيقة يا سادن بيه... الست إلهام جت هنا بعد حضرتك ما نزلت الشغل، وطردت البنت بره بعد ما سمعتها كلام زي السم، وشدتها من إيدها ورمتها بره البوابة وحزرتها ترجع تانى - إلهام؟ردد الاسم بدهشة ع
اقرأ المزيد

البارت الخامس عشر

ثلاثة أيام كاملة مرت وهي منغلقة على نفسها خلف جدران تلك الغرفة؛ استعصمت بالصمت ورفضت الحديث مع أي كائن، وكلما أرسل إليها سادن أحد الخدم يستحثها على النزول لتشاركه طعام مائدته، كانت تختلق عذراً واهياً لتلوذ بوحدتها من جديد. مع هبوط الليل، مرّ سادن من أمام غرفتها، فتباطأت خطواته المعهودة وتوقف رغماً عنه. تطلعت عيناه إلى أسفل الباب، حيث لمح ذلك الخيط النحيل من النور الخافت المتسلل من جوف غرفتها، فشعر بانقباضة مفاجئة تعتصر صدره؛ إذ تراءى لخياله ذلك الظلام الدامس الذي تعيش فيه روحها المنطفئة بالداخل. هزّ رأسه بقلة حيلة وهمّ بتخطي الباب والمغادرة، لكن قَدَميه خانتا كبرياءه وعادتا به أدراجه؛ وقف يطرق الخشب الصامت عدة طرقات متزنة، حتى أتاه صوتها البائس الواهن من الداخل، يسأل بنبرة خفيضة عن هوية الطارق. وما إن علمت أنه هو، حتى فتحت الباب ببطء بعد أن أحكمت لف حجابها حول وجهها الصغير، وبدت عيناها كأنها تجاهدان لمواجهة الضوء المنبعث من الرواق. شعر سادن بقلبه يعتصر ألما على هيئتها؛ صدمته تلك الهالات السوداء التي تمكنت من جفونها، وعلامات الحزن والشحوب التي شقت طريقها بقسوة في وجهها الطفولي النضر
اقرأ المزيد

البارت السادس عشر

كانت تجلس في غرفتها، وعيناها معلقتان بعقارب الساعة بشغف طفولي حارق؛ فاليوم تنتهي غيبته، اليوم يعود من سفره الخارجي بعد رحلة عمل مضنية استمرت لأسبوعين كاملين، شعرت فيهما بأن جدران الفيلا قد ضاقت عليها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وهي تسترجع تفاصيل اهتمامه بها طيلة غيابه؛ إذ لم يكن يمر يوم واحد دون أن يهاتفها، يطمئن على أحوالها بنبرته الرخيمة، ويشدد عليها بصرامة حانية ألا تهمل تناول أدويتها في مواعيدها. تطلعت إلى الساعة مجدداً، لتدرك أن موعد وصوله قد حان، وما هي إلا لحظات حتى أضاءت شاشة هاتفها باسمه المهيب سادن، لتجيب بلهفة، وتستمع إلى صوته وهو يخبرها أنه بات على مشارف الفيلا. تحركت نحو خزانة ملابسها بنشاط، تنقل عينيها بين الفساتين، حتى وقع اختيارها على فستان زهري اللون، فضفاض ويحمل بهجة الصيف، ارتدته على عجل، ولفت حول رأسها حجاباً أبيض صافياً، فبدت في هيئتها تلك كحورية هبطت لتوها من السماء لتنير عتمة المكان. فجأة، شق سكون المحيط صوت محرك سيارته يعلن عن وصوله؛ لم تتمالك نفسها، وركضت نحو الباب لتبدأ في الهبوط على درجات السلم لاستقباله. لكن، وفي غمرة ركضها اللاهف، تعثرت قدمها لتسقط
اقرأ المزيد

البارت السابع عشر

انهت كايلا عملها مبكراً عن غير عادتها، وبدأت في لملمة أشيائها على عجل استعداداً للمغادرة. وبينما كانت تهم بالخروج، توقفت فجأة حين رأت آدم يقف عند باب مكتبها، يراقب حركتها بدهشة وعدم استيعاب لإنصرافها في هذا الوقت الباكر. ابتسمت كايلا بهدوء واقتربت منه، وقالت بصوت خفيض - أنا ماشية بدري عشان ورايا مشوار مهم جداً.. هروح لأهل فيروز النهاردة، لازم أمهد الأمور لرجوعها وأحكي لهم على كل اللي حصل، خصوصاً وإني عارفة إن باباها شخص صعب وقاسي جداً، ومش عاوزاها تتعرض لأي أذى. دلف آدم إلى داخل المكتب دون أن ينبس ببنت شفة، ثم جلس على المقعد وشرع في الغرق في عالم آخر من التفكير والشرود. أثارت حالته الغامضة فضول كايلا وقلقها؛ فجلست في المقعد المقابل له، وضيقت ما بين حاجبيها وهي تسأله بحدة محب - في إيه يا آدم؟ مالك؟ إيه الحالة اللي أنت فيها دي؟ صمت آدم للحظات طويلة، ثم أطلق تنهيدة حارة كأنها تخرج من أعماق صدره، وقال بنبرة هادئة ومفعمة بالشفقة - سادن.. سادن صعبان عليا أوي يا كايلا. دهشت كايلا من كلماته، ورددتها ببطء وهي تحاول استجلاء المكنون وراءها. فتابع آدم بصوت متهدج - أخوكي مش بس معجب بيها، س
اقرأ المزيد

البارت الثامن عشر

اجتمعت الأسرة في الصالون، ليلتف كل من فريدة وفريد حول والدتهما حياة التي كانت تبكي بصوت متهدج وتنتحب بمرارة، لكنها من بين شهقات بكائها ولوعتها، كانت ترفع يديها إلى السماء وتحمد الله بقلب نابض على نجاة ابنتها وعودة روحها إليها، وانخرط ولداها بجوارها في بكاء دافئ، ممزوج براحة لا توصف بعد أشهر من العذاب الصامت. بينما على الجانب الآخر، كان فاروق يجلس متصلباً على مقعده، يتطلع إلى دموعهم بصمت غامق وعينين جامدتين. دارت في عقله مئات الحسابات وهو يحاول أن يزن تلك الأمور الغامضة، ومحاولاً التخلي ولو مؤقتاً عن تلك القسوة المتأصلة فيه ليتفهم طبيعة المأزق، ثم وجه حديثه إلى حياة بتجهم وضيق - هي أخت جوز بنتك دي مقالتش البيه هيتشرف وييجي هنا إمتى؟ مسحت حياة دموعها بطرف شالها وأجابته بنبرة متحشرجة، تخبره أنه في رحلة عمل طارئة خارج البلاد وسيأتي فور عودته منها مباشرة. لكن الإجابة لم تزد فاروق إلا تهجماً، فأبدى استياءه الشديد من تلك الرواية التي رآها مهلهلة؛ فكيف لرجل أعمال أن يتزوج من فتاة فاقدة للذاكرة، بلا هوية وبدون أهل؟! لوى ثغره بتهكم وبدأ يدير الأمور في عقله بشكل آخر يتماشى مع شكوكه الدائمة، م
اقرأ المزيد

البارت التاسع عشر

جلس آدم أمامها على مقعده، مذهولاً من فرط جراءتها وجسارتها على التلاعب بأوراق عائلية بتلك الخطورة؛ كان يتأمل ملامحها المشرقة وهي تفتخر بفعلتها وتكاد تطير فرحاً، بعد أن تمكنت من تنفيذ الخطوتين الأوليين من خطتها بحرفية شديدة وبذكاء يحسب لها. ورغم إعجابه الشديد بذكائها، إلا أن ملامح القلق بدأت ترتسم على وجهه؛ فكان يخشى في أعماقه من إنقلاب الموازين كاملة فوق رؤوسهم، وأن تأتي النتيجة عكسية فيثور سادن ويرفض الاستمرار في تلك التمثيلية، ليدمر كل شيء في لحظة عناد. لكن كايلا كان لها رأي آخر تماماً، وقرأت مخاوفه بوضوح؛ مالت بجسدها للأمام وقالت بنبرة واثقة - اطمن يا آدم، سادن خلاص دخل المصيدة.. نعم هو ثار في بداية الأمر وأبدى رفضه القاطع وشغل أسطوانة كبريائه، بس أنا كنت عارفة نقطة ضعفه كويس؛ ضغطت عليه بسلاح الغيرة، وخيرته بين إنه يتدخل أو أسيب فيروز لراجل تاني.. والنتيجة؟ الغيرة اشتغلت ووافق ثم تنهدت كايلا بخفة وتابعت بنبرة حائرة - وبالرغم من كل ده، الغريب إن سادن لسه مش واعي لحد دلوقتي لطبيعة المشاعر الحقيقية اللي بيكنها تجاه فيروز.. تخيل إنه رافض حتى اللحظة دي إنه يتخلى عن تسميتها بفجر؟ كأن
اقرأ المزيد

البارت العشرون

دبَّت الروح فجأة في أرجاء البيت، وتحول السكون الذي طال لشهور إلى خلية نحل لا تهدأ؛ فالجميع يعمل بهمة، وحتى فريد الذي كان يجر خطاه بكسل، تحولت حركته إلى نشاط غير معهود عقب تلك المكالمة الهاتفية المنتظرة من كايلا. الكلمات القليلة التي زفتها إليهم كانت كفيلة بقلب البيت رأساً على عقب فيروز عادت، وستقوم بزيارتهم غداً". في غرفتها، كانت حياة تخوض معركتها الخاصة مع الحنين، لم تكن تنظف الغرفة فحسب، بل كانت تستحضر غياب ابنتها. وقفت أمام الخزانة المفتوحة، تمسك بكل قطعة ثياب، تطويها بعناية فائقة وتضغطها نحو صدرها، تستنشق رائحتها وكأنها تحاول تعويض شهور الجفاف العاطفي. تبتسم دامعة وهي تتذكر فستاناً بعينه ركضت به فيروز ذات يوم، ثم تغلبها غصة البكاء وهي تدرك أن صغيرتها كبرت وأصبحت لغيرها. أما المطبخ، فقد تحول إلى ساحة معركة تفوح منها روائح السمن البلدي والفانيليا الذكية. كانت فريدة تتحرك بخفة كالفراشة، تنثر الدقيق وتراقب نضج الكيكات والحلوى في الفرن بمهارة تشهد لها بها العائلة. وفي المقابل، كانت حياة تقف في منتصف المطبخ كقائد جيش محتار أمام خارطة الحرب الرخامة تضج بصواني الرقاق الذهبي، ولفائف الج
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
15
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status