حان موعد زيارته الشهرية الراتبة إلى أقاليم الشمال، حيث يتفقد أحوال رعيته هناك، ويصغي إلى شكاواهم، ويقف على احتياجاتهم بنفسه. وكما في كل مرة، لم يكن يؤرقه طول الطريق الملتوي ولا مشقة المهمة الرسمية؛ بل كانت تلك الصغيرة ذات الجدائل المتناثرة والدمية القطنية الممزقة هي من تؤرق حبات قلبه، وتزرع الغصّة في حلقه قبل أن يخطو خطوة واحدة خارج أعتاب القصر المنيف. في كل زيارة مضت، كانت تقف أمامه باكية بدموعٍ حارقة، متشبثة بردائه الحريري بعنادٍ طفلي، ترجوه بنحيبٍ أن يصطحبها معه، وكأن قلبها الغض لا يعرف معنى الطمأنينة والأمان إلا في جوار ظله. وكان يعلم، يقيناً، أن رحيله يعنى دائمًا إشارة البدء لموجة عنادٍ عاتية لا تنتهي حتى عودته، وسلسلة من الشكاوى المنهكة التي لا تنقطع من مربيتها وحراس القصر وضباطه. لكن اليوم... ثمة شيء غريب ومختلف يلوح في الأفق. جلس "عليان" على طرف سريرها الصغير، يتفقد دميتها البالية ذات العين المفقودة، يقلّبها بين كفيه بحرص كما لو كان يبحث في خيوطها المنسلّة عن تفسيرٍ شافٍ لصمتها المباغت الغريب. يثرب هي المخلوق الوحيد على وجه الأرض القادر على كسر هيبة وسلطان “ابن القمر” كما ي
Baca selengkapnya