Semua Bab الرحلة 301: Bab 21 - Bab 30

124 Bab

البارت الحادى والعشرون

حان موعد زيارته الشهرية الراتبة إلى أقاليم الشمال، حيث يتفقد أحوال رعيته هناك، ويصغي إلى شكاواهم، ويقف على احتياجاتهم بنفسه. وكما في كل مرة، لم يكن يؤرقه طول الطريق الملتوي ولا مشقة المهمة الرسمية؛ بل كانت تلك الصغيرة ذات الجدائل المتناثرة والدمية القطنية الممزقة هي من تؤرق حبات قلبه، وتزرع الغصّة في حلقه قبل أن يخطو خطوة واحدة خارج أعتاب القصر المنيف. في كل زيارة مضت، كانت تقف أمامه باكية بدموعٍ حارقة، متشبثة بردائه الحريري بعنادٍ طفلي، ترجوه بنحيبٍ أن يصطحبها معه، وكأن قلبها الغض لا يعرف معنى الطمأنينة والأمان إلا في جوار ظله. وكان يعلم، يقيناً، أن رحيله يعنى دائمًا إشارة البدء لموجة عنادٍ عاتية لا تنتهي حتى عودته، وسلسلة من الشكاوى المنهكة التي لا تنقطع من مربيتها وحراس القصر وضباطه. لكن اليوم... ثمة شيء غريب ومختلف يلوح في الأفق. جلس "عليان" على طرف سريرها الصغير، يتفقد دميتها البالية ذات العين المفقودة، يقلّبها بين كفيه بحرص كما لو كان يبحث في خيوطها المنسلّة عن تفسيرٍ شافٍ لصمتها المباغت الغريب. يثرب هي المخلوق الوحيد على وجه الأرض القادر على كسر هيبة وسلطان “ابن القمر” كما ي
Baca selengkapnya

البارت الثانى والعشرون

كانت تحاول جاهدة أن تُغرق نفسها في العمل، وتدثر وعيها بضجيج التفاصيل الصغيرة، كما يفعل الغريق تماماً حين يتشبث بقشة واهنة ليتحاشى النظر إلى أمواج الموت التي تقترب منه وتبتلعه. لكن الهروب لم يكن بالسهولة التي ظنتها... فصورة ذلك الشاب الذي صادفته بغتة في غمرة صدفة عابرة ما زالت تلوح في أروقة خيالها، تأبى أن تغيب أو تتلاشى، وصوته الرخيم ما زال يتردد في ثنايا عقلها بوقاعٍ عذب، كما تفعل أصداء موجٍ عنيد حُبست داخل صدفة بحرية مغلقة لقرون. ولأن الأقدار عابثة، لا تستأذن أحداً حين تقرر أن تقلب الموازين وتلعب أوراقها، وجدته فجأة ينتصب أمامها... من جديد. وقف بثقة بالغة، ثقة لا تُشبه ارتباك اللقاء الأول في شيء. كان يبدو كأنما يملك الأرض ومن عليها، وكأن بينه وبين التردد ألف حاجز وحاجز. عيناه، اللامعتان كسهمين مشحونين بلهبٍ غامض، التقت بعينيها مباشرة، فارتبكت ارتباكاً فاضحاً كمن ضُبط متلبساً بالضوء في منتصف جريمة سريّة. أما ابتسامته التي علقت باسترخاء على زاوية شفتيه، فلم تكن مجرد تعبير عابر، بل كانت إعلان حضورٍ طاغٍ، ورسالة حب غير مكتوبة حاصرتها في مكانها. شعرت بجفاف شديد يضرب حلقها، وبأن عقارب
Baca selengkapnya

البارت الثالث والعشرون

انفرجت شفتا هاميس عن ابتسامة خجولة ساحرة صبغت وجنتيها بحمرة الورد، وأومأت برأسها في قبول مستسلم. صمتت لثوانٍ، تراقب حركة الموج المتلاحق كأنها تبحث بين طياته عن شجاعة الحروف المفقودة، ثم قالت بصوت مُتهدّج يرتجف من فرط العاطفة - أنا آسفة... آسفة جدًا يا أدهم. كنت سخيفة ومندفعة في آخر مرة اتكلمنا فيها... وعارفة إني جرحتك بكلامي. لم يرد أدهم بسرعة، بل أطرق برأسه متأملاً، ثم التقط حجرًا صغيرًا أملس وألقاه بعيدًا في جوف البحر. انتشرت الدوائر المتداخلة على سطح الماء برقة، كأنها ترجمة حية وغير منطوقة لكل المشاعر الدافئة التي تجول بخاطره تجاهها في تلك اللحظة. التفت إليها، وسكب دفء عينيه في عينيها قائلًا بنبرة رخيمة - صدقيني، أنا مش زعلان منك خالص، ولا شيلت في قلبي لحظة. يمكن... إنتي قلتي الحقيقة الصادقة اللي أنا ما كنتش قادر أواجه نفسي بيها. أنا فعلًا كنت غرقان في كتلة من الاكتئاب... تايه، ومش شايف معنى لأي حاجة حواليا لحد ما شفتك.... بس هنا، في المكان ده، الطبيعة بتمسح كل الوجع ده. الهدوء اللي في الجزيرة... بيعالج القلوب المكسورة. أطرقت برأسها نحو الرمال، وتسللت همستها الرقيقة لتداعب مسام
Baca selengkapnya

البارت الرابع والعشرون

بالرغم من استقراره الماديّ الراسخ، وتلك الحياة الرغيدة الوادعة التي يحياها ممتداً بين المزارع الشاسعة وهواء الريف النقي الذي يملأ الرئتين، إلا أن فراق أولاده وغيابهم القسري كان ينهش نياط قلبه كوحشٍ كاسر لا يهدأ ولا ينام. كان يتساءل بمرارة في صدره كل ليلة، وكل صباح، وكلما سكنت حركة الحياة من حوله في لحظة من يومه: كيف تجري تفاصيل الأيام من دوني معهم؟ هل كبروا وتطبعت طباعهم على غيابي؟ هل ما زالوا يذكرون تقاسيم ملامح وجهي بدقة؟ أيسألون عني أمهاتهم، كما أسأل أنا عنهم في جوف السكون بصمتٍ مخنوق وموجع؟ جلست عيناه المثقلتان بالدموع الحبيسة تسرحان في الفضاء العريض، كأنهما تنبشان اللاشيء بحثاً عن ظلٍّ هارب من ماضٍ مفقود تبدد بين يديه، حتى خطفت بصره من أمام بوابة المزرعة الخشبية الكبيرة تلك الفتاة الحسناء التي اعتاد مرورها اليومي، في ذات الساعة من كل مغيب، تخطو خطواتٍ واثقة متمهلة، وترسل نظراتٍ وديعة تأسر القلوب. كانت جميلة... لا، بل كانت كأنها اقتُطِعَت بعناية من جوهر قصيدة حبٍّ عذرية كُتبت على عجل في ليلة ماطرة! دائمًا ما كانت تلوّح له من بعيد بابتسامة خفيفة عابرة، لا تنطق بشفة ولا تقول شيئًا
Baca selengkapnya

البارت الخامس والعشرون

كانت الشرفة الضيقة ملاذها الأخير والوحيد في هذا البيت الموحش... حيث يمكنها أن تسرّب زفراتها الحارة ودموعها المكتومة للريح الغسقية، دون أن يشعر بوجعها أحد أو يسائلها مخلوق. وقفت دينار هناك، معلقة بين ظلمة السماء الدامسة وهدير الذكريات العاتية التي تضرب عقلها، تستنشق نسيم الليل البارد بلهفة، كأنها تحاول بيأس تطهير صدرها المنهك من كل هذا الحزن المقيم. عيناها كانت ساكنتين، متجمدتين في الفراغ، لكن خلف ذلك السكون الزائف عاصفة هوجاء تكاد تهزّ أركان كيانها. ذاك الوجه الذي يرفض الغياب عن مخيلتها، وجه والدها الراحل... الذي رغم قسوته البالغة وجفائه، ورغم تلك الندوب الغائرة التي تركها على جدران روحها الغضة، ما زال يحمل في أعمق نقطة من قلبها مكانًا دافئاً ومقدساً لم يمسّه أو يلوثه أحد. همست بنبرة مخنوقة، تائهة، كأنها تنطق في عتمة الليل بما لم تجرؤ يوماً على مجابهته به وهو على قيد الحياة - صعبان عليا... صعبان عليا أوي وموجوعة إنه مات وهو على الحال ده. كان نفسي من كل قلبي يتوب... كان نفسي يشوف طريق ربنا ويذوق طعم السكينة قبل ما يموت... يا ترى إنت عامل إيه دلوقتي يا بابا؟ ربنا يرحمك ويغفر لك... ما
Baca selengkapnya

البارت السادس والعشرون

أنهى يوسف عمله الشاق مع انحناءة شمس المغيب الذائبة في الأفق، وقد التصق غبار النهار الخشن بملامحه المتعبة كما التصقت به الهموم الثقال، يتقدم بخطوات متثاقلة وئيدة على طريق العودة الترابي، بينما كانت نسمات الجزيرة العليلة ترقص بخفةٍ ونعومة حول جسده المنهك، كأنها تواسيه برقة من تعبٍ دفين لا يُقال علانية. كان كل شيء ساكناً، وادعاً في أرجاء "كالاتيا"، إلا قلبه... فذاك المتمرد لا يعرف للسكون طريقاً، ولا يهادن الذكريات. لكنها ظهرت فجأة من بين ثنايا الضوء الخافت. كأن الأرض قد أنبتتها في مساره عن عمد لتغير مجرى أنفاسه، وكأن القدر أراد في هذه اللحظة بالذات أن يُعيد إلى روحه الجافة شيئاً من دهشة الحياة البكر. لم يكن بحاجة لتفحّص تفاصيل وجهها طويلاً ليعرفها، فبمجرد أن تلاقت الأعين في نظرة خاطفة مباغتة، انتفضت ذاكرته الراكدة بهمسة دافئة - مشمشة... ابنة السيد نوح. ابتسم يوسف ابتسامة باهتة، رقيقة، لا فرح صاخب فيها، بل كانت مجرد استسلامٍ عذب لحقيقةٍ وقدرٍ لم يكن ينتظره في عزلته. أما هي، فشعرت بوقع تلك النظرات التي أصابتها كالسهم المارق؛ نظرات لم يُراد بها الأذى قط، ولكنها كانت من العمق والجاذبية ب
Baca selengkapnya

البارت السابع والعشرون

كعادته، ومع انحناءة كل شمس تذوب حياءً في أحضان البحر، يأوي أدهم إلى ذلك الركن البسيط، المعزول على طرف الشاطئ، وكأنه يلوذ بموطنه المؤقت، بملجئه السري وسط أرضٍ وجزيرة لا تشبهه ولا تشبه أحلامه في شيء. هناك، حيث ترتطم الأمواج العاتية بالصخور الصمّاء كأنها تهمس لها بحكايات غرامية منسية أهلكها السنين، كان يجد بعض السلوى، وبعض العزاء لقلبه المغترب، في الحديث مع هاميس... تلك الفتاة الفاتنة التي جاءت من عتمة الجزيرة ونواحيها كضوء فجرٍ خافت مباغت، تمده بالونس، بالدهشة، وبتلك النبضات البكر التي ظن أنها اندثرت. لكن هذا المساء... خذله الانتظار... لم تأتِ. انتظرها طويلاً تحت حراسة السكون، تتبع ببصره الشغوف كل ظلّ يمر على الرمال، وكل نسمة صيفية تعبر كأنها تحمل عبير عطرها الساحر، لكن لا أحد جاء. فقط الصمت أطبق على المدى... صمت البحر الغامض، صمت الليل الطويل، وصمت غيابها الذي بات ينهش صدره كلوعة الفراق. لم يحتمل أدهم الركود، شعر أن شيئاً عاتياً في داخله يضيق، كصدرٍ يختنق داخل قفص حديدي ضيق. فقام منتفضاً من مضجعه، وانطلق يخطو دون هدف محدد، فقط يُريد أن يمشي... أن يركض... أن يهرب من وحشة وحدته، ومن ص
Baca selengkapnya

البارت الثامن والعشرون

تمت تلك الخطبة في حسابات جيلان كـمجرّد مخرجٍ اضطراري من الضغط الخانق، ومحاولةٍ يائسة وأخيرة للهروب من مضايقات والدها وتعمّده إلقاءها في أحضان أي زيجة عابرة. كانت مناورة مؤقتة تشتري بها الوقت حتى يعود "بهاء" وينقذها، فقلبها الغارق في الشوق كان ينبض بيقين غريب، يقين صلب وعنيد بأن حبيبها الغائب لا يزال على قيد الحياة، وكأن بين روحيهما رابطاً خفياً، مجدولاً من نور لا يمكن لسيوف الغياب أو شائعات الموت أن تقطعه. لكن ما كان يؤرق جيلان فعلاً، ويقضّ مضجع روحها الطاهرة، هو ذنبٌ لم تقترفه؛ تلك العلاقة المتوترة التي تفتتت وازدادت سوءاً بين "أمجد" وحبيبته "سُهى". سُهى... تلك الفتاة التي أعماها الغيظ فلم تقتنع بكلمات أمجد، ولم تبتلع تلك القصة المرتبكة التي رواها لها عن خطبته المفاجئة والصاعقة من جيلان. وفجأة، تمزق سكون الموقف عند باب الكازينو، حيث ظهرت فتاة شقراء ذات ملامح غاضبة وصارخة، كانت كعاصفة شتوية أطفأت بغضبها الجامح رقة جمالها الهادئ. توقفت سُهى عند العتبة، ترسل إلى أمجد نظرات حارقة تقطر عتاباً ولهيباً، بينما كان هو يقف بجوارها كعاشقٍ متهّم، يحاول مستميتاً تهدئة ثورتها بصوت خافت متهدج، وع
Baca selengkapnya

البارت التاسع والعشرون

كان اليوم الدراسي قد أسدل ستاره الأخير، وبدأت ضحكات الفتيات الصاخبة تتعالى وتتردد أصداؤها في أروقة المدرسة الفسيحة، يركضن في جماعات نحو البوابة الحديدية الخارجية وكأن كل واحدة منهن تملك جناحين من نور للهروب إلى عالمها الخاص. لكن وسط هذا الزخم المتدفق والحيوية الهادرة، بقيت هي... فتاة صغيرة تلوذ بالصمت التام كأنها جزء من المكان، تجلس على المقعد الخشبي المتهالك القابع عند طرف الساحة المهجورة، تضع حقيبتها المدرسية الصغيرة بجوارها وتطالع تراب الأرض بعينين زجاجيتين حزينتين. قدمها الصغيرة كانت ملفوفة بضمادة طبية بيضاء عريضة، وعكاز خشبي صغير يستند بوهن على الحائط البارد خلفها. لا تملك تلك المسكينة القدرة على السير أو ملاحقة زميلاتها وحدها، ولا حتى الجُرأة على إظهار وجعها وانكسارها أمام أحد. لم يكن أمامها سوى الانتظار... ذلك الانتظار الثقيل الموجع في هجير حرّ النهار ولظى الشمس الحارقة. إلى جوارها تماماً، كانت تجلس رزان؛ طالبة في الصف الأعلى، لم تتحرك من مكانها أو تغادر حين غادرت زميلاتها صاخبات، بل بقيت هناك، مدفوعة بحسها الأنثوي الفطري ورقتها اللامحدودة، تحاول جاهدة التخفيف عن الصغيرة بكلم
Baca selengkapnya

البارت الثلاثون

جلست على الشاطئ الساكن تُحدّق في المدى البعيد، حيث البحر الهائل يبتلع قرص الشمس شيئاً فشيئاً في مشهدٍ مهيب، وكأن النهار يحتضر في وداعٍ دامٍ أمام عينيها الشاردتين. لم تكن تعرف تحديداً متى أصبح هذا البحر مرآتها اليومية التي تعكس شروخ روحها، ولا متى تحوّل هذا اللقاء الغامض إلى طقسٍ مقدّس لا يكتمل يومها بدونه. كانت تتنفس انتظار مجيئه كمن يتنفس آخر فرصة للحياة، وكل دقيقة تأخير في وصوله كانت تزرع في قلبها الواجف قلقاً مبهماً وعميقاً... قلقاً لا يشبه غيرة العشاق أو لهفتهم، بل يشبه تماماً رعب الناجين من الغرق الذين يتشبثون بالقشة الأخيرة قبل الابتلاع. وحين مدت يدها بتلقائية أنثوية تبحث في حقيبتها عن هاتفها كي تطمئن عليه، صفعتها الحقيقة؛ تذكرت أنها في جزيرة معزولة بلا أبراج تغطية، بلا إشعارات، بلا رسائل تطفئ القلق... لتبتسم بسخرية موجعة انبعثت من أعمق نقطة في انكسارها، ثم تضحك... تضحك بنحيبٍ مكتوم كمن يضحك على خيبته الفادحة لا على نكتة عابرة. لكن لم تمهلها لحظتها المتهالكة تلك، حتى جاءها غياث صوته الرجولي من خلفها، هادئاً، دافئاً ومندهشاً – بتضحكي على إيه في عز العزلة دي؟ ضحكيني معاكي...
Baca selengkapnya
Sebelumnya
123456
...
13
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status