كانت تسير مع الفتيات في طريق العودة، لكن روحها غادرت جسدها لتظل معلقة هناك، في المدى الفاصل بين الحلم والواقع. كانت شاردة تماماً، مأخوذة بزلزال داخلي يبعثر طمأنينتها، وتتساءل في سرها بجنون هل ما رأيته في ساحة الدار كان حقيقة ملموسة، أم أن الشوق استبدّ بي فخلق لي من السراب طيفاً؟ حاولت جاهدة أن تنفض تلك الهواجس اللحوحة عن عقلها، فالتفتت نحو الفتيات وتحدثت بكلمات مرتعشة، متلعثمة، لكنهن لم يمهلنها؛ قاطعنها باتهامات ضاحكة بالجنون والوساوس، ويسرعن في خطواتهن هرباً من ظلمة الليل، تاركين إياها تتخلف خلفهن في عتمة الزقاق، تتحدث مع نفسها كمن فقد آخر حبال اتصاله بالعالم الواقعي. وفجأة، انشق السكون عن شهقة ذعر انطلقت من أعماق روعها شعرت بكف قوية، دافئة، تقبض بإحكام مباغت على معصمها الصغير وتجذبها نحو الخلف بقوة طاغية، لتلتف في الهواء وتصطدم مباشرة بجسد صلب، عريض، ينضح بحرارة رجولية لافحة. رفعت رأسها بذهول عارم شلّ أطرافها، وتعلقت عيناها الخائفتان بعينين واسعتين تشبهان في عُمقهما وحضورهما بحراً هائجاً لا قرار له. ارتجف جسدها النحيل لثوانٍ تحت تأثير الصدمة والقرب الذي ألغى المسافات، ثم، ويا لِسح
Read more