Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 41 - Chapter 50

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 41 - Chapter 50

124 Chapters

البارت الحادى والأربعون

كانت تسير مع الفتيات في طريق العودة، لكن روحها غادرت جسدها لتظل معلقة هناك، في المدى الفاصل بين الحلم والواقع. كانت شاردة تماماً، مأخوذة بزلزال داخلي يبعثر طمأنينتها، وتتساءل في سرها بجنون هل ما رأيته في ساحة الدار كان حقيقة ملموسة، أم أن الشوق استبدّ بي فخلق لي من السراب طيفاً؟ حاولت جاهدة أن تنفض تلك الهواجس اللحوحة عن عقلها، فالتفتت نحو الفتيات وتحدثت بكلمات مرتعشة، متلعثمة، لكنهن لم يمهلنها؛ قاطعنها باتهامات ضاحكة بالجنون والوساوس، ويسرعن في خطواتهن هرباً من ظلمة الليل، تاركين إياها تتخلف خلفهن في عتمة الزقاق، تتحدث مع نفسها كمن فقد آخر حبال اتصاله بالعالم الواقعي. وفجأة، انشق السكون عن شهقة ذعر انطلقت من أعماق روعها شعرت بكف قوية، دافئة، تقبض بإحكام مباغت على معصمها الصغير وتجذبها نحو الخلف بقوة طاغية، لتلتف في الهواء وتصطدم مباشرة بجسد صلب، عريض، ينضح بحرارة رجولية لافحة. رفعت رأسها بذهول عارم شلّ أطرافها، وتعلقت عيناها الخائفتان بعينين واسعتين تشبهان في عُمقهما وحضورهما بحراً هائجاً لا قرار له. ارتجف جسدها النحيل لثوانٍ تحت تأثير الصدمة والقرب الذي ألغى المسافات، ثم، ويا لِسح
Read more

البارت الثانى والأربعون

انتهت للتو من آخر محاضراتها الثقيلة، وضعت سماعات الهاتف في أذنيها بآلية دون أن تُشغّل أي مادة صوتية، فقط لتمنح نفسها درعًا واقيًا وعزلة مؤقتة تفصلها عن ضجيج العالم الخارجي الصاخب. خرجت من القاعة بخطى هادئة، رصينة، وهي تحكم قبضتها على كتبها الجامعية وتضمها إلى صدرها بقوة وكأنها تتشبث بالورق كرفيق وحيد مخلص في طريقها. كانت تمضي وحدها في الممرات كما اعتادت دائمًا؛ فدينار، بطبعها الحذر والمنطوي، لم تُكوّن أية صداقات تذكر منذ أن وطئت قدمها أعتاب الجامعة… لم يكن هناك مخلوق يشاركها مقعد الدراسة، أو يربّت على كتفها بحنو بعد يومٍ دراسي شاق ومجهد. وفجأة، ومن وسط زحام الطلاب المارين، قطع حبل شرودها الذهني صوتٌ ينادي باسمها من خلفها. استدارت ببطء شديد، وقد علت ملامح وجهها علامات الاستغراب والدهشة، لترى شابًا من زملائها في نفس الدفعة يقترب منها بخطى مترددة ومرتبكة. لكن الكلمات تداخلت في عقلها للحظة من فرط المفاجأة؛ إذ لم تكن دينار معتادة إطلاقاً على الحديث مع الغرباء، وخاصة الشباب؛ لذا ألجمت الصدمة لسانها ولم تعرف بمَ ترد على الفور في هذا الموقف المحرج وسط الممر، واكتفت فقط بالتحديق في وجه الزمي
Read more

البارت الثالث والأربعون

- أبي قال لي إن الناس كلها الليلة كانت مبهورة ومذهولة بالأكل... وكانوا بيلفوا ويسألوا في كل مكان مين الطباخ العبقري اللي طهاه قالتها مشمشة بفرح طفولي عارم وهي تلوّح بكفيها الصغيرتين في الهواء كالفراشة، فكأنما بكلماتها العفوية تلك قد أهدته قطعة غالية من السماء. لم يملك يوسف نفسه من فرط الغبطة؛ تلاشت كل سنين تعبه في ثانية، وصفق بيديه بحماس جارف كطفل صغير نال لعبته المنتظرة أخيرًا، ثم دار حول نفسه في الساحة ضاحكاً بملء فيه وهو يهتف بنبرة منتصرة - الناس كانت مذهولة ومبهورة بالأكل والأصناف المصرية اللي عملتها؟ أنا مبسوط أوي يا مشمشة... مبسوط لدرجة مش قادر أوصفها، الليلة دي يوم تاريخي في حياتي وعمري ما هنساه أبداً جلست مشمشة بخفة على حافة البحيرة الساكنة، وجعلت تتأمل انعكاس وجهها الباسم فوق صفحة الماء المتراقص بفعل النسمات، ثم أردفت بنبرة تقطر سعادة وثقة - كدة خلاص يا يوسف... كدة تقدر تبدأ تحقق حلمك الكبير وتفتح المطعم اللي كان نفسك فيه وطال انتظارك ليه... حتى لو طلبت دعم أو عملات من ابن القمر أطال الله عمره، أنا متأكدة إنه مش هيرفضلك طلب بعد الإبداع والسحر اللي شافه وعاشه النهاردة من إ
Read more

البارت الرابع والأربعون

كانت الكلمة الأخيرة صاعقة مدمّرة، لم يتوقع أشرف أبدًا أن تجرؤ على نطقها؛ تجمد في مكانه لثوانٍ بدت كالأزل، وعيناه تتأرجحان بعنف بين ألم داخلي دفين واستغراب مميت. انطفأت شعلة الغضب في عينيه ليحل محلها انكسار رجل جُرح في أعمق نقطة من كبريائه، ثم ردد بنبرة متمردة، خافتة، وكأنه يحاول استيعاب حجم صدمته في الست التي يغار عليها - قد كده... قد كده إنتِ شايفاني وحش وخبيث يا دينار؟ ده كل تفسيرك لخوفي عليكي وقلقي ولا خيالك المريض هو اللي واسع أووي وصورلك إني من الخسة لدرجة أنتقم من بنت عمي اليتيمة؟ أشار بيده بلا كلمة إضافية، إيماءة مكسورة نحو سيارته القابعة في ساحة الانتظار، وبدون المزيد من اللجاج أو الكلام، استقرت دينار خلف المقود في المقعد المجاور له. كان الصمت الذي لفّ السيارة ثقيلاً، خانقًا، مشحونًا بكل ما تركوه خلفهم من كلمات مسمومة وغير معلنة تفتت الصخر. وصلوا أخيرًا إلى البناية التي يقطنون فيها، وكأن المسافة الطويلة لم تمحُ ذرة واحدة من توتر الطريق بل ضاعفته. كلما حاولت دينار أن تفتح فمها لتعتذر، أو تسحب كلمات أجدادها الجارحة، تعثرت الحروف في حلقها، وتلعثمت على شفتيها، وجعلت تلعن في سر
Read more

البارت الخامس والأربعون

كان العمل في ردهات المطعم يعجّ بحركة مائجة لا تهدأ، وكل شيء يسير بوتيرة متسارعة، مجنونة، كأن الزمن نفسه يضغط بقسوة على رقاب الجميع لإنجاز المهام قبل فوات الأوان. الأواني النحاسية الثقيلة تصطف بنظام صارم فوق الطاولات الخشبية، وأبخرة الروائح الشهية الزكية تعبق في الأجواء الخانقة وتتسلل إلى الصدور، بينما الأصوات المتداخلة من صليل السكاكين وصياح المساعدين تخلق سيمفونية صاخبة من النشاط والإنتاج والإنجاز الطاغي. وسط هذا الزخم المتلاطم، وقف جابر؛ ذلك الرجل الشامخ الذي تعلو وجهه الصارم ملامح الحزم والثبات والمسؤولية، يلتفت بوقاره المعهود وينقل بعض مهامه الكبيرة والأساسية إلى يوسف. لم يستطع يوسف كبح جماح دهشته وعلامات الاستغراب التي ارتسمت على تقاطيع وجهه من هذه الثقة المفاجئة والمسؤولية الثقيلة التي أُلقيت على عاتقه بغتة، فقال وهو ينظر لـ جابر بنظرات متسائلة حائرة – دي أول مرة تكلفني بدورك وتديني مفاتيح الشغل كلها يا معلم... خير؟ اتسعت أسارير جابر، وارتسمت على شفتيه اليابستين ابتستامة دافئة ونادرة، ووضع كفه العريضة بثقة وفخر على كتف يوسف الهابطة، مرددًا بنبرة صوت اهتزت من فرط الاعتزاز والب
Read more

البارت السادس والأربعون

جلس يوسف في مكانه المعتاد، ذلك الركن المنعزل الذي صار بمثابة ملاذ آمن لروحه المغتربة؛ حيث تتداخل أصوات الطبيعة البكر من خرير ماء البحيرة الرقراق، وهمس الشجر النضير، وتغريد العصافير التي تشدو بألحان الصباح. لكن هذا اليوم كان مختلفًا، ثقيلًا على أنفاسه؛ فللمرة الأولى منذ وطأت قدماه أرض كالاتيا يشعر بهذا الضيق الجاثم.. بهذا الفراغ الموحش البارد. مشمشة غائبة، والمكان بدونها باهت بلا ألوان. منذ أن اعتادت الجلوس معه في هذا المكان، صار حديثها العفوي المرِح وعيناها اللامعتان جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل يومه ورصيد ذكرياته، وكأنها أضفت على تلك البقعة الغريبة روحًا حية تُشبه روحه، بل تكملها وتزيل عنها غبار الوحدة. كان يوسف يعلم تمامًا، أو هكذا يحاول إقناع نفسه، أن ما يشعر به تجاهها ليس حبًا جارفًا، بل هو راحة نفسية عميقة، ودفء إنساني خالص وجده في قسوة الغربة. لكن غيابها المباغت اليوم عن المشهد ترك في أعماق صدره مساحة رمادية مبهمة... وخانقة. استسلم لتلك الحالة المزاجية المتقلبة، وأسند رأسه للخلف مغلِقًا عينيه، يتأمل تفاصيل الصمت من حوله بصمت داخلي أشد عمقًا. صوت الماء المتراقص يناغم نسمات الهواء
Read more

البارت السابع والأربعون

لم يرَ عليان طفلته وقرة عينه يثرب بمثل هذه السعادة الطاغية من قبل؛ كانت ضحكاتها الصافية تنساب من أعماق قلبها الصغير المكلوم وتملأ أرجاء الغرفة الملكية دفئًا وبهجة، كأنما دبت الحياة وتدفقت في عروقها الغضة من جديد بعد طول ذبول. كانت الصغيرة تتشبث بسلمى وتلتصق بها بذراعيها النحيلتين، رافضة أن تتركها أو تبتعد عنها ولو للحظة واحدة، كأنها وجدت ضالتها المنشودة. أما هو... فقد شعر لأول مرة منذ سنوات عجاف بطعم السعادة الحقيقية يتسلل العروق ويلين قلبه الصارم، بعد عقود من الصمت المطبق والوجع الدفين، سنوات كان يحمل فيها هموم الجزيرة وفقد الزوجة وحده دون رفيق يشاركه النبض أو يشكو إليه ثقل الحمل. اقتربت يثرب من سلمى برقة ملائكية تشبه دلال الأطفال العفوي، وطبعت قبلة ناعمة، دافئة على وجنتها، ثم همست ببراءة حركت السكون - ممكن... ممكن من النهاردة أناديلك أمي؟ أصاب سلمى السؤال المباغت بمزيج جارف من الدهشة والتأثر الشديد؛ كأن الكلمات الرقيقة قد ارتطمت مباشرة بشغاف قلبها المشتاق، لتلمع عيناها فورًا بالدموع الدافئة التي أبت أن تسقط. أما عليان، فظل يحدّق في ابنته مذهولًا، متسمرًا في مكانه... لم يكن يتوقع
Read more

البارت الثامن والأربعون

استدارت دينار نحو مصدر الصوت ببطء، فبهتت ملامحها للحظة، وتراجع الدم عن وجنتيها بغتة كأن عقارب الزمن توقفت فجأة عن الدوران. ارتعش جسدها ارتباكًا وهلعًا من ذلك الحصار غير المرئي، وحاولت باستماتة أن تجمع شتات نفسها لتخرج كلماتها بنبرة عادية متزنة، لكن صوتها خانها وخرج مبحوحًا، واهنًا، يفضح ما يموج في صدرها من اضطراب لافح – لا... مفيش داعي تتعب نفسك يا أشرف، أنا كنت ناوية أصلاً أعدي عليها بعد المحاضرات في البيوتي سنتر ونروح سوا... وممكن كمان يعني... احتمال ما أحضرش الفرح كله من الأساس لو ورايا مذاكرة. نظر إليها أشرف نظرة صقرية حادة، لم تخلُ من ذكاء وخبث يفهم ما وراء سطور هروبها، لكنها كانت مغلفة بجديّة مبطّنة ووقار لا تشوبه شائبة، وتقدم نحوها خطوة وهو يقول بثبات – لا يا دينار، ميصحش أبداً الكلام ده... دي في النهاية بنت خالتك وليها حق عليكي، والناس برة ممكن تفهم غيابك غلط... يقولوا عمها وأولاده مانعينها تتواصل مع أهل والدتها، الله يرحمها ويحسن إليها. بصي يا ستي، بكرة بعد الجامعة لازم تشترى طقم شيك كده يليق بيكي، وتحضري الفرح على لسان دينار - أنا مش قادرة أواجهه تاني... مش قادرة خالص
Read more

البارت التاسع والأربعون

لم يكن الأمر سهلًا بالمرة بالنسبة إلى دينار؛ بل كان بمثابة اختبار قسري لأعصابها المشدودة، خاصة وهي تراه يقف إلى جوارها في ردهات المتجر، ينتقي معها فستان الحفل بعناية فائقة وعين خبيرة. كان يُبدي رأيه في التفاصيل الصغيرة؛ في قماش الدانتيل، في طول الأكمام، وفي ملاءمة الألوان لبشرتها الشاحبة، بلطفٍ مدهش ورقّة غريبة وكأن الصدام العاصف الأخير بينهما لم يكن له وجود في دفتري حياتهما. كان حضوره اليوم هادئاً، صامتًا من حيث الكلمات والاندفاع، لكن ذلك الصمت كان صاخبًا وعاليًا بما يكفي ليحرك الساكن في أعماقها، ويجبرها على إعادة النظر في تلك الحصون التي شيدتها ضده. وبعد أن انتهت من انتقاء ما تحتاجه وحسمت خيارها، اصطحبها "أشرف" بسيارته إلى أحد المطاعم الراقية والهادئة على أطراف المدينة لتناول وجبة الغداء، في محاولة منه لتطبيق وصية والده بحذافيرها. جلست أمامه على الطاولة الخشبية اللامعة، والتوتر يكاد يخلع قلبها من مكانه. راحت تتلاعب بأصابعها المرتعشة بأطراف المنديل الورقي، وتُراقب في صمت حركة الملعقة بين يديه، هاربة بعينيها من التحديق المباشر في وجهه. في داخلها، كانت معركة ضارية تدور؛ وعزمت أخيرًا
Read more

البارت الخمسون

– وبكده بقى اسمه الملك مينا... موحّد القطرين. كانت تلك آخر كلمات سلمى الموجهة إلى الصغيرة يثرب، التي بدت مندمجة تمامًا في الحديث، تستمع بعينين واسعتين يشعان اندهاشًا وانبهارًا، كما لو أنها تكتشف عالمًا سحريًا جديدًا يُروى لها للمرة الأولى في حياتها. في تلك اللحظة بالذات، دلف عليان إلى الغرفة بخطواته الرزينة، وكان قد التقطت أذناه الجملة الأخيرة دون أن يفهم أبعادها أو مغزاها التاريخي. توقف لبرهة أمام عتبة الباب، وعيناه الحائرتان تتأملان حماسهما، محاولاً في عقله فك شفرة كلمة القطرين الغريبة على سمعه. لم تكد يثرب تلمح طيف والدها حتى ركضت نحوه بلهفة طفولية عارمة، فرفعها عليان بذراعيه القويتين عالياً وضمّها إلى صدره الحنون، طابعاً قبلة دافئة على وجنتها الممتلئة، بينما كانت عيناه تزيغان وتستقران على سلمى؛ تلك النظرة الشغوفة المتعطشة لملامحها بعد غياب قسري فرضه عليه نهار العمل الطويل خارج القصر. سألها بخفة ونبرة ودودة وهو لا يزال يحتضن الصغيرة ويهدهدها – مين اللي كنتوا بتتكلموا عنه وعاملين معاه مؤامرة من ورايا ده؟ ابتسمت سلمى برقة بالغة وأقبلت نحوه بخطوات وئيدة، تمد يدها لتساعده في خلع
Read more
PREV
1
...
34567
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status