Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 51 - Chapter 60

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 51 - Chapter 60

124 Chapters

البارت الحادى والخمسون

ليست كل الأسرار مدفونة تحت التراب... فبعضها ينام في صدور الرجال، ينتظر لحظة واحدة فقط ليُبعث من جديد. هناك حكايات لا يكتبها الزمن على الورق، بل ينقشها في الدم، فتنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل، حتى يأتي من يملك الشجاعة ليفتح أبوابها المغلقة. وفي تلك الليلة... لم يكن صندوقٌ عتيق هو ما فُتح بين يديهما، بل فُتحت قرونٌ من الغياب، وعادت أصواتٌ ظنها التاريخ قد صمتت إلى الأبد. أحيانًا لا نبحث عن الحقيقة... بل هي التي تجدنا فجأة، فتقلب ما نعرفه عن أنفسنا، وتعيد رسم حدود الوطن في أرواحنا. فما بين ورقةٍ اصفرّت أطرافها، ونبضة قلبٍ ارتجفت تحت وطأة الاعتراف... كانت الأقدار تستعد لتكشف فصلًا جديدًا من الحكاية. ✨✨✨✨✨✨✨ تسللت أصابعه الخشنة بين خصلات شعره الأمامية، يخللها في اضطراب، بينما غرق كليًا في دوامة عاصفة من التفكير العميق. كان الجو في الغرفة مشحونًا بأنفاسهما؛ لم يكن متأكدًا إن كان ما يفعله الآن صائبًا، أو إن كان يبوح بما لا يصح البوح به، لكنه اتخذ قراره، وعزيمته الرجولية لا تترنح ولا تلين. كان يعلم تمامًا أن راحةً كبرى، وربما قيدًا ثقيلاً، سينفك عن روحه المتعبة فور إنهاء ما
Read more

البارت الثانى والخمسون

وفي نفس التوقيت الذي كانت فيه سلمى تذوب دلالاً وأماناً بين ضلوع حاكمها... كانت سالي تتجه بخطوات حثيثة، ثابتة ومسموعة، نحو قصر الحكم الصامد في وجه الرياح، وعيناها اللامعتان تعكسان إصراراً عنيداً لا يخلو من قلق نهش أطراف قلبها. وقفت أمام البوابة الخشبية العظمى للمدخل الكبير في شموخ أنثوي لافت، محاولة بكل ما أوتيت من قوة إخفاء ارتباكها الفاضح وعاصفة رعبها وراء قناع صارم من الجدية والاعتزاز. اقترب منها أحد حراس الحاشية المخلصين، يرمق ملامحها الوافدة بنظرة متفحصة ذكية، قبل أن يسأل بنبرة رسمية وقورة، لكنها مال بعض الشيء للمزاح والدعابة المعهودة بين أروقة القصر – مرحباً بكِ أيتها السيدة... هل تودين مقابلة ابن القمر أطال الله في عمره وسدّد خطاه... أم أن المقصد هو خلوة بالسيدة المبجلة سلمى؟ لم يكن سؤاله عفوياً أو بريئاً على الإطلاق؛ فالحارس اللبيب يعلم تماماً عمق رابطة الصداقة والدم التي تجمع بين سالي وبين ملكة قلب الحاكم الجديدة. أجابته سالي بسرعة خاطفة ونبرة واضحة حاسمة، قطعت بها خطوط تماديه أو استرساله في الفضول – أنا عاوزة أقابل الحاكم بنفسه... في أمر رسمي. لم تمر إلا دقائق معدودة م
Read more

البارت الثالث والخمسون

– إيه؟ كلكم فضيتوا للغراميات ونسيتوا موضوع الرجوع خالص؟ الأستاذ يوسف بقى صاحب مطعم وبقاله يوميًا مع مشمشة... وأدهم خرج من اكتئابه وعزلته وكل يوم نلاقيه على الشط مع هاميس... حتى حسن... الراجل العاقل المتجوز اللي ساب مراته في مصر، لافف هو كمان على واحدة من الجزيرة هنا... خلاص؟ عملتوا حسابكم على الاستقرار ونسيتوا أهالينا؟... مش فاضل غير زياد ووليد وعم راغب يحبوا هم كمان وتكمل القصص الغرامية كانت كلمات بهاء المسمومة كالسهم المارق، تخترق صمت الجلسة المتوترة بعنف، وتُشعل شرارة الغضب في الصدور. لم يتحمل يوسف هذا الهجوم الفج، فاستقام من مجلسه واقترب منه بخطى بطيئة، وئيدة، يلتف حوله بنظرات صقرية كمن يحيط بفريسته قبل الانقضاض، ثم انحنى قليلاً وهمس في وجهه بنبرة هادئة، مسرسرة ولكنها حادة كالشفرة – يا سلام! وإنت بقى البريء اللي فينا يا كابتن بهاء؟ وزعت الاتهامات والخطايا علينا كلنا وكأنك ما شاء الله ملاك بجناحات نازل لنا من السما..... الست جنات اللي مابتفارقهاش وكل يوم والتاني معاها في الرايحة والجاية دي... تبقى إيه إن شاء الله؟ تسلية؟ ولا إنت شاطر بتشوف حياة غيرك وعيوبهم بس، ومش شايف نفسك في
Read more

البارت الرابع والخمسون

- ممكن تفسير واحد بس للي إنتِ عملتيه ده؟ خرج صوته هادراً من بين فكيه المشدودين، غاضبًا، متحشرجًا بمزيج حارق من مشاعر لا اسم لها، وكأنه لم يعد يميز في تلك اللحظة القاسية بين لذة الألم ومرارة الخذلان. وقف فراس أمامها كعاصفة جبلية عاتية توشك أن تطيح بكل جدران المكان، بينما كانت سالي تقف بثبات أصيل، ملامحها متصلبة، جامدة كجدار بلوري تخشى بشدة أن يتشقق وينهار إن تركت لنسمة واحدة من مشاعرها الدفينة أن تتسرب إلى العلن. نظرت في عمق عينيه الصقريتين المشتعلتين، وامتزج في عينيها بريق التحدي برجاء أنثوي أكبر، وردّت بنبرة خافتة، لكنها واثقة، تخرج مع أنفاسها المتسارعة – أنا واقعة في حيرة بتموتني كل ثانية يا فراس... حيرة مابين حبك وجنونك اللى ربنا زرعه جوا قلبي من أول نظرة شفتك فيها، وبين عيلتي وناسي وأرضي اللى عمري ما هعرف أتنفس بعيد عنهم... كان لازم أعمل حاجة أكسر بيها الخوف ده، كنت عايزة أطمن وأضمن خط رجعة، لأنك مستحيل تسيب كالاتيا وإنت ولي العهد المستقبلي... حتى لو كان علشان خاطري وعشاني أنا... فكان لازم أفهم راسي من رجلي، وكان لازم تفهمني وتحس باللي جوايا. لم يطق كلماتها المنطقية التي تزيد
Read more

البارت الخامس والخمسون

وقفت مشمشة في منتصف المطعم تتلفت بعينيها الواسعتين المندهشتين، تُحدّق بشغف في الزوايا الطولية، وفي تمازج الألوان الدافئة، والزخارف الغريبة التي لا تشبه في هندستها أي شيء رأته في كالاتيا من قبل؛ فكل تفصيلة هنا بدت لعينها سريالية ساحرة... جميلة وعصية على الفهم في آنٍ معًا، كأن هذا المكان بأكمله قد اقتُلع من عالمٍ آخر وجاء ليزهر وسط الجبال. اقترب منها يوسف بخطوات خفيفة متوثبة، وهو يحمل بين يديه بفخر طبقًا فخاريًا دافئًا تفوح منه رائحة الخل والثوم والتقلية الشهية، وتعلو وجهه المغترب تلك الابتسامة المرحة العذبة، التي توهم الناظر إليه دائمًا أن لا همّ في حياته يكسره، ولا شاغل يشغله عن نشر البهجة. مد لها الطبق وعيناه تلمعان ببريق فخور - دوقي التحفة دي وقوليلي رأيك بصراحة... ده بقى سيد الأكلات المصرية، اسمه كُشري. تأملت مشمشة الطبق بعين مرتابة وفضولية، وعبست حاجباها قليلًا وكأنها تحاول بعقلها البدائي تحليل تلك المكونات المتراصة فوق بعضها بغرابة... عدس بني؟ مكرونة صغيرة؟ أرز؟ وبصل مقرمش على السطح يسبح في صوص أحمر قاني؟! كان اسم الطبق وحده كفيلاً بإرباكها، فما بالك بتلك التركيبة العجيبة لو
Read more

البارت السادس والخمسون

ردّ عليها سريعًا وبشهامة كاملة، دون أدنى تردد - طبعًا يا حبيبتي، إنتِ تؤمري وتتمني بس، وأنا أنفذ. بدأت تفرك كفيها ببعضهما بعنف ملحوظ، وقد شحب وجهها قليلًا وتراجعت نضرة الحياء عنه، ثم قالت بنبرة قاطعة – كنت عاوزه من حضرتك... تشوفلي في أقرب وقت بيعة كويسة لشقة بابا الله يرحمه. بدل ما هي مقفولة عالفاضي وبتفكرني بالوجع... وكمان... أجهز نفسي بفلوش بيع الشقة انت فاهم يعنى تجمّدت ملامح خالد تمامًا للحظة طالت، وتبدلت علامات الفرح في وجهه. نظر إليها بدهشة عارمة وهو يضيق ما بين حاجبيه باستنكار وذهول – تبيعي إيه يا دينار؟! ليه يا بنتي تعملي كدة؟ سيبي الشقة دي للزمن والظروف ده مال وعقار مقفول باسمك... وبعدين أنا عارف كويس، إن حساب أبوكي الله يرحمه في البنك كبير جداً وملايينه تكفيكي وتفيض... ليه تبيعي الشقة وانتي عندك السيولة دي كلها لتأتيه الصدمة الكبرى، المزلزلة، من بين شفتيها بكلمات هادئة ولكنها كحد السيف... كلمات لم يكن ليتوقعها منها أبدًا طوال حياته... كلمات بدّلت ملامحه في ثانية واحدة من مجرد الدهشة العادية إلى الذهول الكامل والرعب الصامت مما سمع؛ حيث نظرت في عينيه وقالت بثبات مرير
Read more

البارت السابع والخمسون

- أوبااا... خيانة عيني عينك كده؟ خطيبتي وقرة عيني في حضن أبويا مرة واحدة؟ لا أنا كده أغير بقى انفجر الجميع ضاحكين من قلوبهم، بينما تعالت زغاريد نادية المدوية عند الباب، تطلقها من أعمق نقطة في قلبها فرحًا وابتهاجًا بلم شمل العائلة في الحلال. لكن خالد رفع يده نحو زوجته، متصنعًا الجدية والوقار الصارم، وهو يغمز لأشرف بخبث - إصبري شوية وبطلي زغاريد يا نادية... لسه بدري قوي على الفرح! إحنا لازم ندوّر الأول ونسأل بره عن الولد ده كويس، يمكن نلاقي له عيوب خفية ولا سوابق نخاف منها على بنتنا ونرجع في كلامنا تعالت الضحكات الصاخبة في أرجاء الغرفة من جديد، وتمتزج دموع الفرح الحارة بصخب الحياة والأمل؛ في لحظة دفء عائلية نقيّة، كانت تستحق بحق أن تُعاش بكل تفاصيلها المشبعة بالحب. ✨✨✨✨✨✨✨ وقفت سالي مدهوشة، متسمرة في مكانها أمام تلك العربة الخشبية ذات التصميم الملكي الفريد؛ عيناها المتسعتان تتجولان بشغف في تفاصيلها الدقيقة والمنحوتة بصبر، وكأنها قطعة أثرية ثمينة خرجت للتو من دفتي حكاية أسطورية قديمة. كانت العجلات الضخمة مطعّمة بنقوش يدوية غائرة تروي تاريخاً منسياً، والمقاعد مبطّنة بقماشٍ مخملي كري
Read more

البارت الثامن والخمسون

تجمد الزمن لثانية كاملة في عقل رزان، وألجمت الصدمة لسانها، ولم يكن خفقان قلبها المفاجئ نابعاً من مباغتة العرض، بل من طريقته الفجة في الطرح؛ من ذلك الافتراض الأعمى في عينيه بأنها فتاة مغتربة ستطير فرحًا وتسقط مغشياً عليها من السعادة لأنه تنازل واختارها، كأنه يقدم لها منحة ملكية لا تُرد. كان داخله يغلي باقتناع تام بأن ابن القمر وسليل الجزيرة لن يُرد له طلب، خصوصًا من فتاة غريبة لا عائلة لها هنا، لا تجيد السباحة في بحرهم، ولن تكلّفه مهراً باهظاً أو شروطاً تعجيزية كبنات جنسه. ضغطت رزان على فكيها بقوة حتى كادت أسنانها تتكسر، وتحولت نظرتها الوديعة إلى شرارة تشتعل غضباً، وأنفاسها تتصاعد في صدرها بعنفوان مكتوم، ثم ردت بنبرة صارمة، حادة كحد السيف - أنا لا أفكر في الزواج من أهل الجزيرة نهائياً... وأعتذر منك، طلبك مرفوض استدارت بكبرياء لافح وغادرت المكان دون أن تمنحه فرصة للرد، وكانت خطواتها سريعة، متلاحقة، كأنها تهرب من طيف ثقيل يكتم أنفاسها. في المقابل، ظل الشاب واقفًا في مكانه كالصنم، عيناه تائهتان في فراغ صدمته المدوية، لا يستوعب ولا يصدق بعقله القبلي أن فتاةً مستضعفة على هذه الجزيرة قد ت
Read more

البارت التاسع والخمسون

لم يكد يمر يوم واحد على طلب يوسف الجريء ليد مشمشة، حتى عمّت الضجة الصغيرة والهمهمات أرجاء الجزيرة الهادئة. وافق والدها في النهاية على مضض شديد، كأنما يسلّم نبض قلب ابنته وفلذة كبده لهذا الشاب الغريب القادم من خارج أسوار الأعراف والتقاليد الحاكمة، ليُرفع الأمر أخيرًا إلى "ابن القمر"، الحاكم الرمزي للجزيرة، صاحب الصلاحيات المطلقة والشروط الأسطورية الغريبة التي توثق برباطها عقود الزواج. وفي صباح اليوم التالي، التقى يوسف بحبيبته في ذات البقعة الساحرة التي اعتادا الالتقاء فيها، عند حافة الصخور الممتدة والمنحوتة بصبر والمطلة على امتداد البحر الفيروزي. كانت الشمس الوليدة قد بدأت تسكب خيوطها الذهبية الدافئة على صفحة الماء اللامعة، والموج يتمايل بخفة ودلال، كأنه يعزف لحنًا خاصًا يحتفل بلقائهما السري. تقدم منها يوسف بخطوات خفيفة ورشيقة، وعيناه تشعان حبًا وهيامًا وهو يردد بمرحه المصري المعهود، ناثرًا كلماته العذبة في الأثير كما ينثر الصبية زهور الربيع في البساتين - آه يا مشمشة قلبي ويا نور عيني... خلاص هروح أقابل إبن القمر ده، وهتبقى رسمي فهمي نظمي بتاعتي وأم عيالي ضحكت مشمشة بخجل أنثوي طاغٍ
Read more

البارت الستون

وقف يوسف شامخًا أمام ابن القمر في الموعد المحدد، وملامحه الرجولية مشدودة بصرامة توحي بإصرار مقاتل قرر أن يواجه مصيره المجهول مهما كان الثمن لاهبًا. كان عليان، حاكم كالاتيا المعظم، يتأمله بصمت ثقيل، بنظرات صقرية فاحصة ومتأملة تخترق الوجوه، وكأنّه يحاول سبر أغوار قلب هذا الشاب الغريب، ليرى إن كان يستحق جوهرته الثمينة مشمشة فعلًا. تلك الزيجة لم تكن كأي زيجة سبقتها في تاريخ الجزيرة الممتد، فمشمشة هي أول فتاة من صلب كالاتيا يُطلب ودها من رجل غريب سقط عليهم من السماء. وكان السؤال المؤرق العاصف بذهن الحاكم: هل سيسير هذا الغريب على نهج عاداتهم المكتوبة بالدم والماء ويسجد لتقاليدهم، أم سيكون شوكة مسمومة في خاصرة الجزيرة؟ قطع الحاج جابر ذلك الصمت المهيب بسؤالٍ يحمل نبرة خشوع وهو يخفض رأسه بإجلال للحاكم: – "ما رأي حاكمنا المعظم وولاة أمرنا في تلك الزيجة؟" اعتدل عليان في جلسته فوق مقعده الخشبي الفاخر، وأخذ نفسًا عميقًا ملأ صدره، ثم وجه حديثه الصارم مباشرة ليوسف، وصوته يخرج هادئًا متزنًا لكنه يحمل وزن القرارات الملكية الكبيرة - تلك الزيجة فريدة يا فتى، ولم نشهد مثلها من قبل في كالاتيا منذ تأس
Read more
PREV
1
...
45678
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status